هذه لوحة رائعة طالما استمتع بها الإنسان في صباحه أو مسائه وفي ربيعه أو صيفه، أو خريفه أو شتائه، وخاصة في الصغر، فكما جلسنا ونحن صغار نراقب الطيور وهي ذاهبة إلى مرعاها ـ أو جهة البحر ـ كأنها صفوف مرصوصة منظمة لها قائد يقودها وكبير ينظم سيرها، وكما نظرنا إليها وهي عائدة بنفس الطريق تزقزق كأنها تحمد الله على أن عادت سالمة شبعى. ومع هذا فالله سبحانه وتعالى يلفت أنظارنا إلى هذه اللوحة الجميلة العجيبة فيقول تعالى (ألم يروا إلى الطير مسخرات في جو السماء ما يمسكهن إلا الله إن في ذلك لآيات لقوم يؤمنون) النحل: 79. ويقول تعالى أيضا (أولم يروا إلى الطير فوقهم صافات ويقبضن ما يمسكهن إلا الرحمن إنه بكل شيء بصير) الملك: 19. وفي هذه الآيات ترى ثلاث صفات يلفت أنظارنا إليها ارتفاعها في جو السماء وصفوفها الجميلة، وقبض أجنحتها وهي تطير. وكل صفة من هذه الصفات تستحق أن تكون لوحة جميلة بمفردها. فكم نحن نستمتع برؤية الطيور وهي مرتفعة فوق الجبال الشاهقة، وكم نستمتع بصفوف الطيور غادية ورائحة، وكم نستغرب عندما تقبض الطير أجنحتها وهي تطير دون أن تقع (ما يمسكهن إلا الله). ولكنك قد تتصور هذه اللوحات الثلاث في لوحة واحدة. فإن نظرت إليها وهي عالية وأنت على الأرض خيل إليك أنها قطع من الغمام متناثرة في السماء أو انها تسبح في مياه زرقاء لا منتهى لها. وان نظرت إليها وأنت على جبل شاهق خيل إليك كأنها جنود بيضاء قد تصافت للزحف على الأعداء. ولا تنس مع كل هذا أن تعلم أنها تسبح الله سبحانه وتعالى وأن لها لغة مفهومة وأن أحدا من البشر قد علمه الله منطق الطير فعرف ماذا تقول وبماذا تتكلم، كما قال تعالى (وورث سليمان داود وقال ياأيها الناس علمنا منطق الطير) النمل: 16. وان الله أمرها أن تسبح مع نبي الله داود عليه السلام (يا جبال أوبي معه والطير) (والطير محشورة كل له أواب). ولك أن تتخيل أيضا كيف جاء الهدهد وقد توعده نبي الله سليمان عليه السلام بالعذاب فكلمه بأدب مع إثارة الفضول حتى ينسى أن يعاقبه فقال تعالى (فمكث غير بعيد فقال أحطت بما لم تحط به) ثم جعله رسولا إلى بلقيس (اذهب بكتابي هذا فألقه إليهم ثم تول عنهم فانظر ماذا يرجعون) انها ليست لوحة جميلة رائعة، ولكنها فيلم طويل وحكاية لا يستطيع أن يخرجها المخرجون. بل هي ضرب من ضروب المستحيل على البشر أن يحاكيها، كما انك لا يجب أن تنسى أن هذه الطيور ضرب المثل بها في توكلها على الله تعالى كما قال عليه الصلاة والسلام «لو توكلتم على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير تغدو خماصا وتعود بطانا» انه عالم عجيب، كما هو أمة قائمة بذاتها (ولا طائر يطير بجناحيه إلا أمم أمثالكم) صدق الله العظيم. فهد الهاجري