السنن الإلهية التي جاءت فى القرآن الكريم تعتبر قوانين اجتماعية وإنسانية تماثل قوانين المادة الطبيعية، فكما توجد قوانين كونية فى مجال المادة تجعل درجة الغليان مثلا عند المائة، ودرجة التجمد عند الصفر، كذلك الأمر فى الجوانب الاجتماعية والإنسانية من حياة الناس وما يتعلق بالحضارات البشرية، وانهيارات الأمم وانتصاراتها، إنها أمور تخضع لقوانين لا يمكن أن تتبدل. وقد تحدث القرآن الكريم عن هذه السنن، ويعتبر الوعي بها وتفعيلها في حياة المسلمين، جانبا من جوانب تجديد الفكر الإسلامي، نعرض له في السطور التالية. نبه القرآن إلى هذه السنن فى قوله تعالى: «وأقسموا بالله جهد أيمانهم لإن جاءهم نذير ليكونن أهدى من إحدى الأمم فلما جاءهم نذير ما زادهم إلا نفورا. استكبارا فى الأرض ومكر السى ولايحيق المكر السييء إلا بأهله فهل ينظرون إلا سنت الأولين فلن تجد لسنت الله تبديلا ولن تجد لسنت الله تحويلا» فاطر 42،43. وتشير كلمة السنة إلى الطريق والمنهج كما تدل على الدوام والثبات على الأمر وقد تكرر لفظ السنة في القرآن الكريم 17 مرة، ويشير المعنى الاصطلاحي العام لكلمة السنة إلى القوانين الثابتة التي جعلها الله تحكم مسيرة البشر والوجود. ويبين الرصد العام لحركة الفكر الإسلامي في هذا الميدان أن كوكبة من علماء المسلمين والمفكرين والكتاب الإسلاميين المعاصرين قد نبهوا إلى هذه السنن الإلهية بشكل متفرق في كتاباتهم، وفي مقدمتهم د. يوسف القرضاوي والشيخ محمد الغزالي، وعمر عبيد حسنة، وفهمي هويدي، وجودت سعيد ود. رشدي فكار. ولكن الجهود المنظمة والمتخصصة في هذا الميدان قليلة، ولعل من أبرزها: إسهامات الدكتور سيف عبد الفتاح الأستاذ بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة القاهرة الذي انشغل بهذه القضية، وجاء إنتاجه في شكل بحوث ومحاضرات ومشاركات في عدة ندوات تهتم بهذا الموضوع. وإن كانت الندوة التي نظمها مكتب المعهد العالمي للفكر الإسلامي بالقاهرة - بعنوان السنن الإلهية - تعد أول عمل منظم في هذا الميدان. لعل النقطة المحورية التي يتفق عليها المهتمون بهذه القضية، تتمثل في الفهم المغلوط للكثير من السنن الإلهية التي تضمنها العديد من الآيات القرآنية، باعتبارها قوانين كونية تحكم حركة الحياة والأحياء بما فيها من أفراد وشعوب وحضارات ونظم. فكل منا يسعى إلى قراءة القرآن ولكن القليل منا هم الذين يعون بما تحويه هذه الآيات البينات من سنن إلهية. ويؤكد الدكتور سيف عبد الفتاح أننا لو استوعبنا هذه السنن بشكل جيد لفهمنا الكثير من أسباب تخلف المسلمين اليوم ولوضعنا أيدينا على أدوات التقدم، فالأمور وفق السنن الإلهية تجري بأسباب وتحصيل هذه الأسباب جزء من عالمنا الذي نعيش فيه. وإذا استطعنا أن نتعامل مع هذه السنن بالوعي المطلوب والسعي الدائم، فإننا نستطيع أن نصلح من شأننا: «ان الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم» وينبه إلى أن تعامل المسلمين مع هذه السن يتم ـ للأسف - بأسلوب غير سوي، بسب قلة الوعي بها أو الغفلة ويحسبون انهم يحسنون صنعا فمثلا الاغترار بامتلاك أدوات الحضارة، وليس إنتاجها، حيث يحرص المسلم على امتلاك التليفون المحمول وأفخم أنواع السيارات، واحدث المنتجات التكنولوجية الأخرى، فيتصور انه بذلك اصبح متحضرا، بينما يعبر ذلك عن فهم مغلوط لسنة التسخير، فالله تعالى قد سخر للإنسان عالم الأشياء ليكون فاعلا فيه، إلا أن البعض قد يري أن استهلاك هذه الأشياء دون جهد في إنتاجها هو من قبيل الاستجابة للتسخير الإلهي. ومن المهم في هذا السياق ربط السنن بالقيم، في إطار البحث في سنن القيم، وقيمة السنة، وكيفية تفعيل القيم من خلال تحويلها إلى سنن اي قوانين تحكم حياة الناس، على اعتبار أن السنن الإلهية هي القوانين التي تحكم كل الأفعال الحضارية. و يميز د. سيف بين نوعين من السنن: الأول: السنة القاضية التي تجرى على كل الكائنات بما فيها الإنسان مثل الحياة والموت و وما في حكمها مثل الإنشاء والتشييد والنقض والهدم والتقادم، وأيضا الأوصاف الخلقية والفطرية للإنسان والأمور التي لا طاقة للإنسان بها والتي تعرف في علم الكلام بالقضاء والقدر. أما النوع الثاني فهو السنة الاختيارية المرتبطة بمستوى إرادة الإنسان، وتقع هذه السنن في مجال الاستطاعة والإرادة وما يمكن أن يناله الإنسان ويسخره في الحياة باستخدام قدراته التي خلقها الله. ويعرض نماذج من هذه السنن، موضحا أن سنة التسخير تقوم على أساس تمهيد الكون للإنسان لكي يعمره، فهي سنة كونية لمساعدة الإنسان على القيام بمقتضى الأمانة، فالله تعالى لم يترك الإنسان خاليا من قوة في الكون، وإنما أعطى له العقل الذي يدبر، وسخر له عالم الأشياء لييسر فعله الناتج عن التفكير والتدبير، ومن ثم فإن سنة التسخير هي مقدمة لكي يستثمر الإنسان كل مكنونات الكون من نعم ومخلوقات. وتعد سنة التدافع من أهم السنن التي تحكم حركة الحياة والعلاقات بين البشر، حيث يقول تعالى «ولولا دفع الله الناس بعضهن ببعض لهدمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد يذكر فيه اسم الله كثيرا» الحج: 40، فلولا هذا التدافع لهدمت كل مؤسسات العمران، وهناك آية أخرى تقول «ولولا دفع الله الناس لفسدت الأرض» إذن مقصود التدافع هو تحقيق الإصلاح والعمران، فالتدافع ليس مرادفا للصرع لأن الصراع غالبا يأخذ أشكالا سلبية أو صدامية. اما التدافع فقد يأخذ أشكالا صدامية أو سلمية، إيجابية أو سلبية، فمثلا توضح الآية الجانب الإيجابي في قوله تعالى «ادفع بالتي هي احسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم» فالدفع بالتي هي احسن يعبر عن حالة من حالات السلم، ويحول العلاقة من العداء إلى المودة والرحمة. وهناك سنة كلية ترتبط بمختلف أحوال الإنسان وهي سنة الابتلاء، فالله خلق الإنسان مكلفا وفي حالة ابتلاء دائم، ومن ثم يبتلي الإنسان بالخير، و بالشر، فمثلا يبتلي بزيادة المال أو نقصه، وبالمرض وبالصحة، وبالالتزام وعدمه، فيقول تعالي: «ليبلوكم فيما أتاكم». ويؤكد أن سنة الابتلاء ترتبط بسنة التسخير لأن ما أتاه الله تعالى للإنسان وسخره له موضع ابتلاء، كما الابتلاء يرتبط بسنن الاستخلاف، فالإنسان حينما يعلم أن ما لديه من مال ملك لله وانه مستخلف في هذا المال أو وكيل عن الله تعالى في إدارته فإن يتجاوب مع الابتلاء الذي قد يصيب ماله بنفس راضية مطمئنة. ومن هذه السنن أيضا سنة التداول، فهي من طبيعة الخلق، فإذا كانت سنن الله لا تتبدل ولا تتغير، فإن أحوال الناس يصيبها التبدل والتحول، يقول تعالى «أن يمسسكم قرح فقد مس القوم قرح مثله وتلك الأيام نداولها بين الناس وليعلم الذين آمنوا ويتخذ منكم شهداء والله لا يحب الظالمين» آل عمران:140. فالإنسان لا يكون على وتيرة واحدة، ومن ثم فإن المسلم لا يعيش في حالة رغدة سعيدة على طول الدوام، ولكن الله يبتليه دائما في نفسه أو أهله أو رزقه، والأمر نفسه ينطبق على مستوى الحضارات والشعوب، فتسود دولة العالم كله سنوات طويلة ثم تتغير أحوالها وتحتل مكانتها دولة أخري. بل ان هذه السنن كلها تنطبق على الأمم والحضارات، كما تنطبق على الأفراد. وللتغير والخروج من الأزمات سنة إلهية يوضحها قوله تعالي: «ان الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم» فأي تغيير على مستوى المجتمع لابد أن يبدأ أولا بالتغيير على مستوى الأفراد، وهو ما يشير إلى تراتب التغيير وهذا يتطلب أولا: أن تتوافر إرادة التغير أو الخروج من الأزمة، وثانيا إعداد العدة لإحداث هذا التغيير، حيث يقول تعالى: «ولو أرادوا الخروج لأعدوا له عدة»، ومن ثم فإن التغيير والخروج من الأزمة يرتبط بإرادة الإنسان وفعله وتفاعله مع مجتمعه. وهذا التغيير يرتبط بسنة أخرى هي سنة السعي التي يعبر عنها قوله تعالى «ان ليس للانسان إلا ما سعى» بمعنى أن الإنسان لا يحصل امرا الا بناء على الكد والعمل. وهناك سنة أخرى تكمل سنة السعي وهي سنة الإمهال، فالله تعالى يمهل للظالم حتى اذا اخده لم يفلته، فيقول تعالى «حتى اذا زينت الأرض أخذنا اهلها ليلا أو نهارا» فالله تعالى يلفت نظرنا إلى أن المسألة ليست بالشكل الظاهري، فقد يظن الناس أن الظالم لا يعاقب ولكن الحقيقة أن الله يمهل له، هذا المعنى يشير إليه قوله تعالى «حتى إذا تزينت وأخذت زخرفها وحسب أهلها انهم قادرون عليها أتاها أمرنا». وثمة سنن أخرى تتعلق بنفع الناس، وتوضح أن ما ينفع الناس هو الذي يبقى ويستمر: يقول تعالى «فأما الزبد فيذهب جفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض». ومن السنن التي تحكم حياة الناس سنة المسئولية، التي قد تكون على مستوى الأفراد أو على مستوى الأمة، فعلى مستوى الأفراد يشير إلى المسئولية الفردية قوله تعالي: «ولا تزروا وازرة وزر أخرى»، أما على مستوى الأمة فهناك نوع أخر من المسئولية يشير إليه قوله تعالى «يوم تدعى كل أمة إلى كتابها» كأن الأمة ستحاسب مثل الفرد على عملها، كما يحاسب الفرد باعتباره جزءا من الأمة. د. محمد يونس