اذا كانت القلاع والحصون العسكرية هي من الوسائل الدفاعية المهمة التي تحفظ للناس امنهم وحياتهم وعقيدتهم فان هناك حصونا اخرى اقوى منها وتقوم بدورها الذي يتضمن ادوارا عديدة وهي حصون لحفظ العقيدة والثقافة والعلم. ويشكل جامع الزيتونة الشهير في تونس هذه الحصون التي تحمي التراث العربي الاسلامي منذ حوالي اربعة عشر قرنا وقد ادى دورا مهما في محاربة الغزو الاستعماري وتعزيز الروح الوطنية والاسلامية. اما سلاحه فهوالكلمة والفكرة والحفاظ على الهوية ومادته المعرفة والتجربة النامية والمتراكمة في وجدان أبناء المغرب العربي. وبقي كل من الجامع الازهر وجامع القرويين مراكز اشعاع المعرفة في كل افريقيا، وفي اروقة هذه الجوامع وتلك الجامعات انتعشت الشريعة وازدهرت اللغة العربية. ويقع جامع الزيتونة في وسط المدينة وتقع حوله المكتبات والازقة والاسواق والجامع ليس بعيدا عن الدوائر الحكومية ولا يخرج الجامع في ذلك عن القاعدة في كل المدن الاسلامية، حيث يكون المسجد الجامع بؤرة المدينة وتجرى من حوله كافة النشاطات الاقتصادية والاجتماعية. انها ذات الصورة التي تراها حول الجامع الازهر في القاهرة، وحول جامع القرويين في فاس. ويقودك الى الجامع الاحياء العتيقة والاسواق العربية بطابعها المميز، سوق العطارين، سوق الصوف، سوق البلغكية، سوق النحاسيين.. وهكذا، ترى في الاسواق المصنوعات اليدوية ذات الطابع المميز والمحبب، وتجد الى جانبها المنتجات الاجنبية. تقترب من الجامع وتظهر صومعة الزيتونة كالبرج الشامخ الذي يشير الى السماء، تقود المنارة والقبة كل من يقصد الجامع. العناصر المعمارية في المسجد الزيتونة هي المنارة والقبة وبيت الصلاة والصحن بأعمدته الاندلسية ثم المحراب والمنبر وعمارة الجامع على نسق مساجد شمال افريقيا والاندلس. يبدو جمال الجامع من الصحن ويظهر شكله العام وقبته واجمل ما فيه صومعته اي منارته وهي تقوم على قاعدة مربعة مثل مآذن شمال افريقيا تدلف اليها من باب ذي عقد وينفذ الضوء اليها من شبابيك مستطيلة تصاحب السلم الداخلي الضيق ينتهي بشرفة الآذان والتي يقوم في وسطها مكعب آخر اصغر من الاول على كل ناحية خمسة اقواس على الطراز الاندلس يقيمون الى المنارة الجمال والذوق ثم ينتهي بقية صغيرة خضراء. وفي صومعة قربها قبتان تظهران براعة المعماري الاسلامي الذي جعل من المنارة والقبة وحده متماسكة على درجة عالية من الجمال لشكل المسجد. ويبرز جمال بوابات المسجد المصنوعة من خشب الساج وذات الطابع العربي الخالص فلم يتعرض المغرب الى تيار ثقافي خارجي حتى مطلع العصر الحديث مما اتاح للمعمارين فرصة الحفظ وتطوير فنهم على ذات الاصول وفي تفس الخطوط الاصيلة. اول ما يواجهك داخل الجامع غابة الاعمدة والثريات على طول اتساعه ولا يفوتك ان تلحظ ان تيجان الاعمدة ليست على نسق واحد فبعضها على هيئة اغصان النخلة او تفرع الزهرة. وقدم الجامع للأعمدة كامل بهائها وهي تقوم في فراغه الفسيح متراصة صفوفا تحمل العقود يخلق تشابها وتواليها شعورا عميقا بالتواصل والاستمرارية. البساطة واضحة في الحصر التونسية التي فرش بها المسجد وتتركز الفخامة في الثريات الكريستال المنتشرة على طول الجامع ولجأ الفنان المسلم الى الزخرفة يملأ بها الفراغات معتمدة على عنصري التكرار والتوازن وجعل من الخط العربي المغربي ميدانا من الميادين الرئيسية لزخرفة الجامع بايقاع فني متناغم تجده في الاعمال الجصية وفي الحفر على الخشب وفي اللوحات التي تروي تاريخ الجامع. المحراب يتميز زخارف جصية كما استخدم الخط العربي واشكال من الزجاج الملون الذي يلقي الاضواء مختلفة الالوان على المكان واخذ مرافقي يشرح الجهود العلمية التي بذلت من اجل تحيد اتجاه الجامع واستخدم علم الفلك لضمان توجهه نحو الكعبة الشريفة. وفي الجامع الزيتونة كان يجلس كبار فقهاء العرب والمسلمين والعلماء والمحدثين والشارحين ومع انتقال العصمة من القيروان الى تونس انتقل دور جامع القيروان الزيتونة. بعد ان اتخذ عبد المؤمن بن علي مدينة تونس دارا للامارة وبقيت عاصمة حتى اليوم ومن يومها ارتبطت حياة الزيتونة بحياة تونس واصبح تاريخ الجامع هو ذاته تاريخ مدينة تونس خلال القرون الاربعة عشر الاخيرة وبدأ بناء جامع الزيتونة حسان بن النعمان سنة 79 اتى بعده عبيد الله بن الحبحاب سنة 114 واتم تجميله، عندما كان واليا على مصر وافريقيا والاندلس وفي سنة اربع عشرة ومائة بنى عبيد الله بن الحبحاب المسجد الجامع ودار الصناعة وجاء هذا التطور بعد ان اصبحت تونس خالصة لللاسلام وجسرا للأندلس وصقلية، ورأينا ان المسجد الجامع في تونس جاء المسجد الثاني بعد مسجد عقبة بالقيروان ، ووصفه ابن المشماع في كتابه (الادلة البينة النورانية «بانه مليح الصنعة، حسن الوضع، مطل على البحر.. ». وتحكى المنافسة بين تونس والقيروان، تغير موقف العرب من البحر وابتعادهم عن المدن الساحلية التي يمكن ان تتعرض لغزو الاساطيل. كان عقبة بن نافع يرى ان يستقر عساكره في مكان يبعد عن البحر فاقام القيروان عاصمة له ولكن بعد مضي الوقت وخوض الاسطول البحري العربي المعارك المنتصرة وتثبيت دعائم الدولة الاسلامية، دفع هذا عبيد بن الحبحاب على نقل العاصمة الى تونس وهي التي تجمع بين الحصانة في البر والمكانة البحرية بمرساها الفريد في الخليج التونسي. ولم يطلق على المسجد تونس جامع الزيتونة في البداية لأن المتعارف عليه في تسمية المساجد ان تكون باسم البلد الذي اقيمت فيه. ولكن عندما تتعدد المساجد في البلد الواحد يضطرون الى تسميتها باسم خاص لذلك رأينا انه عندما اقيم مسجد القصبة الذي تم بناؤه سنة 633 وعرف باسم مسجد تونس بدأت تسميه باسم جامع الزيتونة. وتعود هذه التسمية الى اشجار الزيتون التي تشتهر فيها تونس كما يقول البعض فيما ينتهي البعض الى ان التسمية تعود الى سورة النور التي وردت فيها كلمة الزيتونة. وكانت دور تونس ينمو مع مرور الوقت ومع تنامي هذا الدور تعاظم دور جامع الزيتونة واستقبل رياح المعرفة الآتية من الشرق، من مصر والشام والعراق، ومن المغرب من بلاد الاندلس واخذ يصلها ويعبرها اجتهادات علماء الشرق والغرب فهي التي تقع بين قطبين للثقافة. ومنذ القرن السادس الهجري اي منذ انتقال العلم والعلماء من القيروان الى تونس وهي محط رحال طلاب العلم وقد انتعش منذ تأسيسه كجامع وجامعة ويمثل منذ قيامه ذاكرة تونس الثقافية والفكرية يسجل علماؤه كافة التطورات السياسية التي تشهدها تونس كما بدأت تتوالى عليه اثار ما يحدث في عالم الاسلام. ويسجل علماؤه هجرة جماعة من علماء الاندلس واهل الصناعة والفن هربا من الاضطهاد الاسباني خلال بداية الانكسار العربي في الاندلس. ومع دخول العثمانيين الى تونس ابقوا لها على استقلالية خاصة كولاية متمتعة بالحكم الذاتي وتدين وتزعم حركة الاصلاح في القرن التاسع عشر خير الدين التونسي وبدأت طلائع هذه الحركة من جامع الزيتونة بالذات وادخل خير الدين الاصلاحات في الجامع الزيتونة كما اصدر قانون اصلاح التعليم الزيتوني من 67 مادة واهدى الزيتونة مكتبة عظيمة جمعت من العديد من المساجد وقدم مكتبته الخاصة البالغة الفي مخطوط الى مكتبة الزيتونة وادخل تطويرا كبيرا على المواد التي تدرس فيها وكان كثير التردد على الجامع يشهد حلقات الدروس ويشترك في مناقشاتها. ومع الاستعمار الفرنسي كان جامع الزيتونة منطلقا لمقاومة الهيمنة الفرنسية ودعوات الفرنسية ومعقلا للغة العربية والعلوم الشرعية. واخذت الادارة الفرنسية تبحث عن اسلوب للتعامل مع هذا الحصن فتارة تجعل جامع الزيتونة تابعا في ادارته الى وزير المعارف الفرنسي وتارة يلحق بوزارة الداخلية الفرنسية وفي كل الاحوال كان من الضروري عرض شئونه على الكاتب العام ووزارة الداخلية. وطور علماء جامع الزيتونة الدراسة في الجامعة ايمانا منهم ان الرغبة في الخلاص والايمان وحدهما لا يكفيان حيث لابد من تجديد الفكر العربي من خلال تنقية التراث من العقائد والمذاهب الباطلة والاهتمام بتحضير الدعاة وتحديث اساليبهم. اميمة وجيه