كان ولي عهد أبيه حيث ولي الخلافة بعده وكان من أحسن الشباب صورة أبيض طويلاً جميلاً ذا قوة مفرطة وبطش وشجاعة معروفة يقال: إنه قتل مرة أسداً بيده وله فصاحة وبلاغة وأدب وفضيلة لكن كان سييء التدبير كثير التبذير ضعيف الرأي أرعن لا يصلح للإمارة فأول ما بويع بالخلافة أمر ثاني يوم ببناء ميدان جوار قصر المنصور للعب بالكرة ثم في سنة أربع وتسعين عزل أخاه القاسم عما كان الرشيد ولاه ووقعت الوحشة بينه وبين أخيه المأمون وقيل: إن الفضل بن الربيع علم أن الخلافة إذا أفضت إلى المأمون لم يبق عليه فأغرى الأمين به وحثه على خلعه وأن يولي العهد لابنه موسى ولما بلغ المأمون عزل أخيه القاسم قطع البريد عن الأمين وأسقط اسمه من الطرز والضرب ثم إن الأمين أرسل إليه يطلب منه أن يقدم موسى على نفسه ويذكر أنه قد سماه الناطق بالحق فرد المأمون ذلك وخامر الرسول معه وبايعه بالخلافة سراً ثم كان يكتب إليه بالأخبار ويناصحه من العراق ولما رجع وأخبر الأمين بامتناع المأمون أسقط اسمه من ولاية العهد وطلب الكتاب الذي كتبه الرشيد وجعله بالكعبة فأحضره ومزقه وقويت الوحشة ونصح الأمين أولو الرأي وقال له خزيمة بن خازم: ياأمير المؤمنين لن ينصحك من كذبك ولن يغشك من صدقك لا تجريء القواد على الخلع فيخلعوك ولا تحملهم على نكث العهد فينكثوا ببيعتك وعهدك فإن الغادر مغلول والناكث مخذول فلم ينتصح وأخذ يستميل القواد بالعطايا وبايع بولاية العهد لابنه موسى. ولما تيقن المأمون خلعه تسمى بإمام المؤمنين وكوتب بذلك وولى الأمين علي بن عيسى بن ماهان بلاد همذان ونهاوند وقم وأصبهان في سنة خمس وتسعين فخرج علي بن عيسى من بغداد في نصف جمادى الآخرة ومعه الجيش لقتال المأمون في أربعين ألفاً في هيئة لم ير مثلها وأخذ معه قيد فضة ليقيد به المأمون بزعمه فأرسل المأمون لقتاله طاهر بن الحسين في أقل من أربعة آلاف فكانت الغلبة له وذبح علي وهزم جيشه وحملت رأسه إلى المأمون فطيف بها في خراسان وسلم على المأمون بالخلافة وجاء الخبر الأمين وهو يصطاد السمك فقال للذي أخبره: ويلك دعني فإن كوثراً صاد سمكتين وأنا ما صدت شيئاً بعد وقال عبد الله بن صالح الجرمي: لما قتل علي أرجف الناس ببغداد إرجافاً شديداً وندم الأمين على خلعه أخاه وطمع الأمراء فيه وشغبوا جندهم لطلب الأرزاق من الأمين واستمر القتال بينه وبين أخيه وبقي أمر الأمين كل يوم في الإدبار لانهماكه في اللعب والجهل وأمر المأمون في ازدياد إلى أن بايعه أهل الحرمين وأكثر البلاد بالعراق وفسد الحال على الأمين جداً وتلف أمر العسكر ونفدت خزائنه وساء حال الناس بسبب ذلك وعظم الشر وكثر الخراب والهدم من القتال ورمي المجانيق والنفط حتى درست محاسن بغداد وعملت فيها المرائي ومن جملة ما قيل في بغداد. بكيت دماً على بغداد لما فقدت غضارة العيش الأنيق أصابتها من الحساد عين فأفنت أهلها بالمنجنيق ودام حصار بغداد خمسة عشر شهراً ولحق غالب العباسيين وأركان الدولة بجند المأمون ولم يبق مع الأمين يقاتل عنه إلا غوغاء بغداد والحرافشة إلى أن استهلت سنة ثمان وتسعين فدخل طاهر بن الحسين بغداد بالسيف قسراً فخرج الأمين بأمه وأهله من القصر إلى مدينة المنصور وتفرق عامة جنده وغلمانه وقل عليهم القوت والماء.قال محمد بن راشد: أخبرني إبراهيم بن المهدي أنه كان مع الأمين بمدينة المنصور قال: فطلبني ليلة فأتيت فقال: ماترى طيب هذه الليلة وحسن القمر وضوءه في الماء؟ فهل لك في الشراب؟ قلت شأنك فشربنا ثم دعا بجارية اسمها ضعف فتطيرت من اسمها فأمرها أن تغني فغنت بشعر النابغة الجعدي: كليب لعمري كان أكثر ناصراً وأيسر ذنباً منك ضرج بالدم فتطير بذلك وقال: غني غير هذا فغنت: أبكي فراقهم عيني فأرقها إن التفرق للأحباب بكاء مازال يعدو عليهم ريب دهرهم حتى تفانوا وريب الدهر عداء فاليوم أبكيهم جهدي وأندبهم حتى أؤوب ومافي مقلتي ماء فقال لها: قومي لعنك الله فقامت فعثرت في قدح بلور له قيمة فكسرته فقال: ويحك ياإبراهيم أما ترى؟ والله ماأظن أمري إلا قرب فقلت: بل يطيل الله عمرك ويعز ملكك فسمعت صوتاً من دجلة ( قضي الأمر الذي فيه تستفتيان) فوثب محمد مغتماً وقتل بعد ليلتين أخذ وحبس في موضع ثم أدخل عليه قوم من العجم ليلاً فضربوه بالسيف واشتد على المأمون قتل أخيه وكان يجب أن يرسل إليه حياً ليرى فيه رأيه فحقد بذلك على طاهر بن الحسين وأهمله نسبياً منسياً إلى أن مات طريداً بعيداً وصدق قول الأمين فإنه كان كتب بخطه رقعة إلى طاهر بن الحسين لما انتدب لحربه فيها: يا طاهر ما قام لنا منذ قمنا قائم بحقنا فكان جزاؤه عندنا إلا السيف فانظر لنفسك أودع: يلوح بأبي مسلم وأمثاله الذين بذلوا نفوسهم في النصح لهم فكان مآلهم القتل منهم. وقال غيره: لما ملك وجه إلى البلدان في طلب الملهين وأجرى لهم الأرزاق واقتنى الوحوش والسباع والطيور واحتجب عن أهل بيته وأمرائه واستخف بهم ومحق مافي بيوت الأموال وضيع الجواهر والنفائس وبنى عدة قصور للهو في أماكن وأجاز مرة من غنى له: هجرتك حتى قلت: لا يعرف القلى وزرتك حتى قلت: ليس له صبر وقام بعمل خمس حراقات جمع حراقة - بالفتح والتشديد - ضرب من السفن فيها مرامي نيران يرمي به العدو على خلقه الأسد والفيل والعقاب والحية والفرس وأنفق في عملها أموالاً فقال أبو نواس: سخر الله للأمين مطايا لم تسخر لصاحب المحراب فإذا ما ركابه سرن براً سار في الماء راكباً ليث غاب أسداً باسطاً ذراعيه يهوي أهرت الشدق كالح الأنياب قال المسعودي: ماولي الخلافة إلى وقتنا هذا هاشمي ابن هاشمية سوى علي بن أبي طالب وابنه الحسن والأمين فإن أمه زبيده بنت جعفر بن أبي جعفر المنصور واسمها أمة العزيزة وزبيدة لقب لها. وقال إسحاق الموصلى: اجتمعت في الأمين خصائل لم تكن في غيره كان أحسن الناس وجها وأسخاهم وأشرف الخلفاء أباً وأماً حسن الأدب عالماً بالشعر لكن غلب عليه الهوى واللعب وكان مع سخائه بالمال بخيلاً بالطعام جداً. وقال أبو الحسن الأحمر: كنت ربما أنسيت البيت الذي يستشهد به في النحو فينشدنيه الأمين ومارأيت في أولاد الملوك أذكى منه ومن المأمون وكان قتله في المحرم سنة ثمان وتسعين ومئة وله سبع وعشرون سنة.