هل الانسان مسير أم مخير؟ انشغل الفكر الاسلامي منذ نشأته بهذا السؤال.. وكان هذا الانشغال تعبيرا عن بروز مشكلة من أهم المشاكل الفكرية والعقائدية لدى المسلمين.. ولم يقتصر الانشغال بهذا السؤال وفقط، وإنما امتد الى أسئلة أخرى أبرزها.. هل الانسان هو خالق أفعاله أم أن الله هو خالقها كما هو خالق كل شئ.؟ واذا كان الله هو خالق الأفعال.. فهل الانسان هو المريد لأفعاله أم أن الله هو المريد لكل شئ بما في ذلك أفعال الانسان؟ حول هذه القضية.. يقدم الدكتور عبدالمحسن عبدالمقصود محمد سلطان كتابه (القضاء والقدر في القرآن والسنة والفكر الاسلامي..) ويقول المؤلف: إذا رجع أي انسان منا الى نفسه، فسيجد أن هذه الفكرة، قد طرأت على تفكيره، في وقت من الأوقات.. أو في أوقات متعددة، وأنه قد تحير في الاجابة عن هذا السؤال الشهير: هل الانسان مسير أم مخير.. أو.. هل الانسان مجبر في أفعاله أم أنه حر فيها.؟.. أو بمعنى آخر.. هل الأفعال التي يفعلها الانسان، تكون بارداته، أم بالارادة الإلهية؟. كل هذه الأسئلة عرفت اجمالا باسم «القضاء والقدر» أي قضاء الله وقدره وصلته بأعمال الانسان، ويقول المؤلف أنها مشكلة من المشكلات التي تثبت قصور العقل الانساني، وهي أيضا من المشكلات التي يمكن أن تهز ايمان الفرد، إن لم يكن هذا الايمان قويا راسخا.. ولذلك فقد نهى الرسول صلى الله عليه وسلم عن الخوض فيها، في البدايات الأولى للاسلام خوفا من الفتنة، فإذا ما رجع الانسان الى نصوص الدين - القرآن والسنة - فإننا نجد، كما فهم الكثيرون ممن بحثوا هذه المشكلة في ظاهرها التعارض فيزداد الانسان حيرة وقلقا. ولكن بعد امعان وتفحص دقيق باستعمال هذا العقل الذي وهبه الله للانسان.. في صفاء.. وبكل طاقته فإننا لن نجد هناك أي تعارض. يستعرض المؤلف.. آراء الفرق الاسلامية الرئيسية في هذه المشكلة، والفرق هي الجبرية، والمعتزلة، والاشاعرة ويتمثل رأي الجبرية في مشكلة القضاء والقدر على أرضية أنهم ينكرون الاختيار، ومن هنا، فإنهم لا يفرقون بين الانسان والجماد من حيث أنه مجبر على أفعاله.. أي أنه لا فعل للعبد أصلا، وحركاته بمنزلة حركة الجمادات، ولا قدرة للعبد عليها ولا قصد ولا اختيار.. فالحركة والاختيار والقدرة، كلها من الله تعالى، بطريقة مباشرة، وليس للعبد فيها أي تدخل، ويقول جهم بن صفوان، وهو على رأس الفرقة: إن الانسان لا يقدر على شئ ولا يوصف بالاستطاعة، وإنما هو مجبور في أفعاله، لا قدرة له، ولا ارادة ولا اختيار، وإنما يخلق الله الأفعال فيه، كما يخلق سائر الجمادات، وتنسب اليه الأفعال مجازا، كما تنسب للجمادات والثواب والعقاب جبرا، كما أن الأفعال كلها جبر. أما فرقة المعتزلة، فهي المشهورة باستخدام العقل في توضيح أمور الدين، ورأيها مضاد لرأي فرقة الجبرية، وتقول: إن الله تعالى ليس خالقا لأفعال العبد.. وهذا يعني أن الانسان هو الذي يخلق أفعاله، فأفعاله الاختيارية تتم، سواء بالقدرة الحادثة فقط مباشرة أو تولدا.. أي أن الأفعال تتم بقدرة الانسان مباشرة، أو عن طريق آلة - مثلا- يحركها الانسان. أما فرقة الأشاعرة.. تعرف عنها أنها دائما تتوسط في آرائها بين الفرقتين الرئيسيتين.. الجبرية والمعتزلة، لذا فإنهم رأوا الاتيان بقول وسط بين القولين.. فقالوا.. إن للانسان كسبا.. وأن المكتسب به والكسب، مخلوقات لله تعالى.. وهنا نجد الأشاعرة، يحاولون الرجوع بفكرتهم الى أهل السلف، مع ادخال ما سموه وعبروا عنه بالكسب، فهم يقولون: اتفق سلف الأمة قبل ظهور البدع والأهواء، واضطرب الآراء، على أن الخالق المبدع رب العالمين ولا خالق سواه، ولا مخترع إلا هو، فهذا هو مذهب أهل الحق، فالحوادث حدثت بقدرة الله تعالى، ولا فرق بين ما تعلقت قدرة العبد به وبين ما تفرد الرب بالاقتدار عليه، ويخرج من مضمون هذا الأصل، أن كل مقدور لقادر.. فالله تعالى قادر عليه، وهو مخترعه ومنشئه. ينتقل المؤلف من رأي الفرق الاسلامية الثلاث الرئيسية في مشكلة القضاء والقدر الى رأي فيلسوفين اسلاميين كبيرين هما الغزالي.. وابن رشد.. ويحدد رأي الغزالي مشكلة القضاء والقدر في قوله: أعلم أن قضاء الله على أربعة أوجه: قضاء الطاعات - وقضاء المعاصي - وقضاء النعم - وقضاء الشدائد. والمذهب المستقيم في ذلك أي الرأي السليم في نظره اذا قضي للعبد الطاعة، فعليه أن يستقبله بالجهد والاخلاص حتى يكرمه الله بالتوفيق والهداية، لقوله تعالى «والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا» صدق الله العظيم.. يعني الذين جاهدوا في طاعتنا وفي ديننا لنوفقنهم لذلك.. واذا قضي عليه المعصية، فعليه أن يستقبله بالاستغفار والتوبة والندامة من صميم الفؤاد، لقوله تعالى: «إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين» صدق الله العظيم، واذا قضى له النعمة، فعليه أن يستقبله بالشكر والسخاء حتى يكرمه بالزيادة، لقوله تعالى «لئن شكرتم لأزيدنكم» واذا قضى الشدة فعليه أن يستقبله بالصبر والرضا حتى يعطيه الكرامة في الدار الآخرة، لقوله تعالى «والله يحب الصابرين» وقال: «إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب». أما رأي ابن رشد وحسب قوله هو: الظاهر من مقصد الشرع، ليس هو تفريق هذين الاعتقادين أي الجبر والاختيار، وإنما قصده الجمع بينهما على التوسط الذي هو الحق في هذه المسألة، وذلك أنه يظهر أن الله تبارك وتعالى قد خلق لنا قوى نقدر بها أن نكتسب أشياء هي امتداد، لكن لما كان الاكتساب لتلك الأشياء ليس يتم لنا إلا بموافاة الأسباب التي سخرها الله لنا من خارج وزوال العوائق عنها.. كانت الأفعال المنسوبة الينا تتم بالأمرين جميعا.. واذا كان كذلك فالأفعال المنسوبة فعلها الينا أيضا، يتم فعلها بارادتنا وموافقة الأفعال التي من خارج لها، وهي المعبرة عنها بقدر الله، وهذه الأسباب التي سخرها الله من خارج، ليست هي متممة للأفعال التي ؟؟ فعلها أو عائقة عنها فقط، بل وهي السبب في أن تريد أحد المتقابلين، فإن الارادة إنما هي سوق يحدث لنا عن تخيل ما، أو تصديق بشئ، وهذا التصديق ليس هو لاختيارنا، بل هو شئ يعرض لنا عن الأمور التي من خارج. بعد استعراض كل الآراء السابقة، ينتقل المؤلف الى معرفة معنى القضاء والقدر، في القرآن والسنة، ويأتي المؤلف بآيات قرآنية عديدة على أساس أنها مفتاح فهم لهذه القضية، ومن هذه الآيات: (قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا هو مولانا وعلى الله فليتوكل المؤمنون).. (وهو الذي يصوركم في الأرحام كيف يشاء لا إله إلا هو العزيز الحكيم).. وقوله تعالى: (انا كل شئ خلقناه بقدر).. وقوله في آية أخرى: «كل شئ عنده بمقدار». يقول المؤلف: حينما نحاول معرفة معنى القضاء والقدر عن طريق الفهم المباشر للآيات القرآنية السابق ذكرها، فإننا نجد أن المفتاح في ذلك، يرجع الى العلم الالهي فالله عليم.. ومحيط بكل شئ في الوجود.. وهذا يدعونا الى التدبر في معاني تلك الآيات الخالدة، من هذا المنطلق والنفاذ الى أعماقها، وليس الاقتصار على المعنى الظاهري لها، ذلك أن القرآن الكريم والأحاديث النبوية الشريفة يخاطبان عقولنا، وليس حواسنا ومظاهرنا.. لذا.. يجب إعمال الفكر.. للوعي بما فيها، بالقدر الذي وضعه الله في العقل الانساني، من القدرة على الوعي والادراك، واذا أمعنا الفكر في تلك الآيات لوجدنا أننا من خلال ضرورة التزامنا بنظرية الثواب والعقاب، ننتهي الى أن الانسان مسئول تماما عن كل أفعاله الحرة التي يأتيها بمحض ارادته الواعية، وهذا أمر لا يختلف عليه أي عاقل.