عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟ ثلاثا، قالوا: بلى يارسول الله، قال: الإشراك بالله وعقوق الوالدين، وجلس وكان متكئا فقال: ألا وقول الزور، فما زال يكررها حتى قلنا: ليته سكت». نص هذا الحديث على بعض أمور أخبر عنها بأنها أكبر الكبائر، ولكن هذا الوصف لها ليس على سبيل الحصر؛ إذ أن هناك أمورا أخرى غير المذكورة وهى أيضا من أكبر الكبائر مثل: قتل النفس التى حرمها الله، والزنا بحليلة الجار وغير ذلك، فكأن المراد من الحديث بيان بعض ماتدعو إليه الحاجة وكأن تقدير الكلام: من أكبر الكبائر كذا وكذا، وأيضا فليست الأمور المذكورة في درجة واحدة؛ بل إن أشدها حرمة وقبحا الإشراك بالله وقد عطف عليه العقوق وقول الزور تنبيها على شدة قبحهما ووقوع كثير من الناس فيهما. وتوضيحه للشرك بأنه أول تلك الكبائر؛ لما يترتب عليه من فساد سائر الأعمال وعدم قبولها ولأن الإيمان هو أساس العقيدة والسلوك، وقد حث القرآن الكريم على إخلاص العقيدة لله تعالى وبين أن من صفات عباد الرحمن الذين يستأهلون رحمة ربهم وفضله أنهم: (لايدعون مع الله إلها آخر) فالله هو الواحد الأحد الفرد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد، وجميع ماعداه لايملك لنفسه نفعا ولا ضرا ولاموتا ولاحياة ولا نشورا؛ ولذا فنهاية من أشرك أحد مع ربه أن يقعد مذموما على إشراكه مخذولا لأن الله لا ينصره، قال تعالى: (لاتجعل مع الله إلها آخر فتقعد مذموما مخذولا) . وأما عقوق الوالدين فالمراد به، كل مايؤذيهما قولا كان أو فعلا فالواجب طاعتهما إلا فيما يغضب الله قال تعالى: (وإن جاهداك على أن تشرك بى ماليس لك به علم فلا تطعهما وصاحبهما في الدنيا معروفا) . وقد أمر سبحانه بالإحسان إليهما وقرن برهما بعبادته في قوله: (وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا ..) ولم يأمر بعدم الإساءة إليهما إشارة إلى أن مجرد ترك الإساءة لا يفي في جانبهما بل لابد من الإحسان إليهما . وحين كان الرسول صلى الله عليه وسلم ينبه على ذلك متكئا اعتدل جالسا عند النهي عن قول الزور تأكيدا لحرمته فقال: «ألا وقول الزور» والمراد شهادة الزور، وفى رواية: «ألا وقول الزور وشهادة الزور» وهذا العطف لشهادة الزور على قول الزور للتأكيد وليس من عطف الخاص على العام؛ لااقتضاءه كون الكذبة الواحدة كبيرة وليس كذلك، ومعلوم أن مراتب الكذب تتفاوت بتفاوت مايترتب عليه من مفاسد . وقال ابن دقيق العبد يحتمل أن يكون من الخاص بعد العام، ولكن يحمل على التأكيد . وقوله: «فمازال يكررها حتى قلنا ليته يسكت» أي شفقة عليه وكراهية لما يترتب عليه من إزعاجه وهذا يدل على أدبهم الرفيع، وحبهم الجم لرسولهم صلى الله عليه وسلم، أما السبب في شدة الاهتمام بشهادة الزور فلأنها أكثر وقوعا وأيسر على الناس ولتهاون الكثير فيها أكثر من غيرها، أما الشرك فإن قلب المسلم ينفر منه، وأما العقوق فلا يستقيم معه قلب المسلم ولا طبعه ولكن الزور له من الدواعى والأسباب ما قد يحمل الكثير من ضعاف القلوب وضعاف الإسلام عليه كالحقد والحسد والعداوة ولما يترتب عليه من الإضرار بالغير، وقد نزه الله تعالى عباده المستحقين لرحمته الموصوفين بأنهم «عباد الرحمن» نزههم عن تلك الصفة القبيحة (والذين لايشهدون الزور وإذا مروا باللغو مروا كراما) . 1 ـ ما يؤخذ من الحديث التحذير من الإشراك بالله وعقوق الوالدين وقول الزور. 2 ـ تحريم شهادة الزور وفى معناها كل ماكان زورا من تعاطى المرء ماليس له أهلا، كما قال ابن حجر. 3 ـ ثبوت الصغائر، وانقسام الكبائر إلى كبير وأكبر، أما ثبوت الصغائر فلأن الكبيرة بالنسبة إليها أكبر منها، وأما قول البعض: إن كل ذنب كبيرة نظرا إلى عظمة من عصى به فإن الخلاف بينه وبين الجمهور لفظي وكأنه كره تسمية معصية الله صغيرة إجلالا له عز وجل، وفى قوله تعالى: (إن تجتنبوا كبائر ماتنهون عنه ..) الآية دلالة على انقسام الذنوب إلى صغائر وكبائر. 4 ـ شفقة الرسول صلى الله عليه وسلم ورحمته بأمته حيث يبين لهم أكبر الكبائر ليتحاشوها وينظفوا حياتهم منها، وأدب الصحابة والمسلمين مع رسولهم صلى الله عليه وسلم وشفقتهم به. ـ رئيس جامعة الأزهر