ومن الفقه اللازم مراعاة سنن الله الكونية والشرعية في التدرج والصبر على الاشياء حتى تنضج وتبلغ مداها ذلك ان العجلة التي هي طبيعة الانسان عامة والشباب خاصة والسرعة التي هي من طبيعة هذا العصر، تجعل كثيرين من الشباب المتحمس لدينه يريد ان يغرس اليوم ليجني الثمرة في الغد او يزرع في الصباح ليحصد في المساء ذاهلين ان سنة الله الكونية تأبى هذا فالنواة لا تصبح شجرة مثمرة إلا بعد مراحل تقصر او تطول حسب نوعها وتربتها ومناخها وظروف نمائها الى ان تؤتي اكلها بإذن ربها. والجنين يتكون من نطفة فعلقة فمضغة فعظما يكسوها الله لحما ثم ينشئه خلقا آخر حتى يخرج الى الحياة طفلاً «فتبارك الله احسن الخالقين». والطفل ينزل من بطن امه وليداً فرضيعا ففطيما فصبيا فيافعا حتى يبلغ اشده وهكذا تتدرج الحياة في كل صورها من مرحلة الى مرحلة حتى تكتمل سنة الله في خلقه وكذلك بدأ ديننا اول ما بدأ عقيدة سهلة ثم انزل الله التكاليف شيئا فشيئا وفرض الفرائض وحرم المحرمات وفصل الشرائح بالتدريج حتى كمل البناء وتمت النعمة ونزل قوله تعالى «اليوم اكملت لكم دينكم واتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الاسلام دينا». يجتمع بعض الفتية المتحمسين الى امثالهم فيتشاركون ويتألمون لما انتهى اليه حال المسلمين فيؤلفون من انفسهم جماعة لاصلاح ما فسد وبناء ما انهدم وهنا يتمنون فيسرفون في التمني ويحلمون فيغرقون في احلام اليقظة يحسبون انهم قادرون على ان يحقوا الحق ويبطلوا الباطل ويقيموا دولة الاسلام في الارض بين عشية وضحاها ذاهلين عن العوائق والعقبات وما اكثرها مضخمين لما معهم من امكانات وما اقلها! فهم كالرجل الذي قال لابن سيرين اني رأيت في منامي اني أسبح في غير ماء واطير بغير جناح فما تعبير رؤياي؟ قال: أنت رجل كثير الاماني والاحلام! ورضي الله عن الامام علي حين قال لابنه في وصيته:«وإياك والاتكال على المنى فإنها بضائع النوكي! يعني الحمقى». وما اصدق ما قال الشاعر قديما: ولا تكن عبد المنى فالمنى رؤوس اموال المفاليس! ان الواقع السييء لا يتغير بالاماني الطيبة فإن لله سننا في تغيير المجتمعات والاقوام ولا تحابي احدا. وقد كتب الباحث السوري الاستاذ جودت سعيد كتابا قيما في سنن تغيير النفس والمجتمع جعل عنوانه:«حتى يغيروا ما بأنفسهم» اقتباسا من الايتين الكريمتين «ان الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم» وقوله سبحانه :«ذلك بأن الله لم يك مغيرا نعمة انعمها على قوم حتى يغيروا ما بأنفسهم». وهو دراسة نفسية اجتماعية عميقة في ضوء القرآن الكريم، ومن جيد ما قاله في مدخل بحثه: «في شباب العالم الاسلامي من عندهم استعداد لبذل انفسهم واموالهم في سبيل الاسلام ولكن قل ان تجد فيهم من يتقدم ليبذل سنين من عمره ليقضيها في دراسة جادة لينضج موضوعاً او يصل به الى تجلية حقيقية مثلا كمشكلة الانفصال الذي يعيشه المسلم بين سلوكه وعقيدته اذ كثير من الاسئلة التي تطرح لا جواب شافيا لها مع انه لا يمكن التغيير من وضع الى وضع إلا بعد اجابة موضوعية عن هذه الامثلة ولا يمكن ذلك إلا بعد الدرس والتحصيل. والسبب في بطء نمو دراسات من هذا النوع هو انه لم تكشف بعد قيمة الدراسة في الوسط الاسلامي والذي ظل وقتا طويلاً يرى «السيف اصدق انباء من الكتب» ولم يكن اتجاهه الى ان «الرأي قبل شجاعة الشجعان» وظلت هذه الآراء المختلفة في ظلمات بعضها فوق بعض ولم يروا العلاقة الصحيحة بينها ولا الترتيب الطبيعي لها كما لم تدرس بعد في العالم الاسلامي شروط الايمان وليس معنى انهم لم يحفظوا اركان الايمان والاسلام ولكن نعني بشروط الايمان الشروط النفسية اي ما يجب تغييره مما بالنفس لان هذا التغيير هو الذي يتيح ثمرات الايمان اي شروط مطابقة العمل مع العقيدة وموانع اعطاء العقيدة ثمراتها. نعم: كثير من الشباب في لحظة من لحظات الحماس يبدأون اعمالاً ودراسات في مواضيع مختلفة ولكن بعد جلسة او جلستين او اكثر من ذلك يفتر الحماس وينزل الملل ثم ينقطع ما بدأ من عمل كما ينطفيء المصباح حتى يفقد وقوده فلابد من درس هذه النظرات المعوقة وكشف عوامل الغفلة عن الدراسة او الانقطاع عنها بعد البدء لان ذلك يحدث ضمن شروط معينة دقيقة تخفى عن النظرات العجلى. وبالله التوفيق