الاسلام دين يصلح لكل زمان ومكان اذ يحمل بين دفاته كل عناصر المعاصرة والمواكبة والرقي والتحضر.. وقد قدم المسلمون منذ ازمان بعيدة الكثير من الابتكارات والابداعات التي اسهمت في مسيرة البشرية.. وفي زمن العولمة والتطور التقني ودخول عصر التكنولوجيا كثر الحديث عن صراع الحضارات وطرح العديد من القضايا المتداخلة بين الشرق والغرب وبين الاسلام والاديان الاخرى.. وموقف الاسلام من قضايا عصره ومدى تفاعله معها. طوال الشهر الفضيل سنطرح يومياً قضية مهمة ونلتقي بأحد العلماء والمفكرين لمعرفة رأيه معززا بالادلة ومؤكدا بالبراهين. لاتزال ردود الفعل في المجتمعات العربية والإسلامية تستنكر وبشدة تصريحات رئيس الوزراء الايطالى سيلفيو بيرلسكونى عقب أحداث نيويورك وواشنطن حول ما قاله من تفوق الغرب على الحضارة الاسلامية وعدم قدرة الاسلام على التعامل مع الحضارات الاخرى في هجمة خطيرة تتعرض لها الحضارة الإسلامية في الوقت الحالي. ومحاورنا في هذا اللقاء في «ضيف وقضية» هو المفكر الاسلامي الألمانى الجنسية الدكتور مراد هوفمان، وهو شخصية مرموقة لها وزنها وثقلها في الفكر الاسلامي اكد في البداية أن الذين يقولون عن الاسلام وعن حضارته انه متخلف عن الحضارة الغربية يمثل تأكيدا على أن هؤلاء لم يقرأوا عن الإسلام شيئا ولو قرأوا لعرفوا الكثير عن حضارته وعن فضله فيما قدمه الغرب في جميع نواحي المعرفة، وهذا الدين الاسلامي هو دين حضارة وتقدم وعلم وهو يدعو للتعايش مع الآخرين ومع حضارتهم ومعتقداتهم بأسلوب يحفظ للجميع الحرية في الفكر والعقيدة ولولا الاسلام لظلت أوروبا إلى الآن تعيش في ظلام القرون الوسطى، فالاسلام عندما دخل أوروبا انتشرت حضارة المسلمين في هذه البلاد بالاندلس، وفي البرتغال وفي مناطق لم يكن للعلم والعلماء أي دور، وقال للاسف لو زار المسئول الايطالى هذه البلاد، وتعمق في قراءة التاريخ لراجع نفسه وما قال هذا الكلام. ـ سألت الدكتور مراد هوفمان : باعتباركم من اقدر المدافعين عن الإسلام، فما رأيكم فيما يقال عن الاسلام بأنه دين تخلف؟ ـ لا يمكن أن نصف الإسلام بالرجعية لأن اتباعه متخلفون لأنه في فترات كثيرة حقق انتصارات علمية كبيرة. وحركية المسلمين التي ايقظت العالم وجعلته يمضي قدما في النهضة شملت انذاك العلوم والحضارة، فانطلق علماء الاسلام يحققون نتائج مذهلة في العلوم الطبيعية والإنسانية، حتى لقد غيروا مسار تلك العلوم قرونا وقرونا، كما تشهد بذلك ميادين الرياضيات والبصريات وعلم النبات وعلوم الطب وفروعه، كالجراحة وأمراض العيون وشئون البيطرة والصيدلة والصحة ونشأت وترعرعت علوم المعاجم والنحو والصرف والبلاغة والموضوعات وكتب التاريخ وعلم الاجتماع، واحياء فلسفة ارسطو التي كان الغرب قد نسيها، واخذت شمس الحضارة الاسلامية تبدد الظلام الذي ران على أوروبا قرونا، وسطعت خاصة في الفترة ما بين القرن التاسع حتى الرابع عشر (الميلادي) ويكفي ان نستدل على ذلك بذكر بعض الاعلام كالرازى والبيروني وابن رشد وابن سينا وابن خلدون وابن بطوطة والخوارزمى. «ثم أجبر الزحف الصليبي المسلمين على الانحسار والتقهقر» مع مطلع القرن الثامن عشر منذ ذلك الحين سلك كل منهما طريقا زادت الهوة بينهما اتساعا فاتخذ الغرب منذ عصر النهضة والاستنارة العقلية والفكرية طريق التطور التكنولوجي العلمي مباشرة وبشكل كاد يكون مركزا على هذا الميدان فحسب مما اتاح للغرب حركية هائلة الطاقة في مجال الاقتصاد والعلوم الحربية والاسلحة والعتاد الحربى، فاصبحت له في هذه المجالات اليد العليا، ومن ثم رأى البعض في تفوق الغرب هذا تفوقا عاما للحضارة المسيحية. في الوقت ذاته تقهقر العالم الإسلامي وسار في طريق موازية للغرب لكن في الاتجاه المفضي إلى التخلف والجمود والركود، بحيث لم يعد في امكانه تجنب الاستعمار الغربي في القرن التاسع عشر. وقال ان محاولة القضاء على الإسلام والسيطرة على العالم الاسلامي واستعماره، ونهب خيراته وثرواته لم تزل قائمة حتى الآن، وكلما قامت محاولات للنهوض الاسلامي من جديد حاول الغرب اجهاض هذه المحاولات قبل ولادتها، وكلها ظهرت بوادر صحوة اسلامية في مكان سارع الغرب الى تطويقها واتهامها بالارهاب والاصولية لمنعها من الوصول الى غايتها. ـ هناك غزو فكري وثقافي من الغرب وهدفه الشباب ولا مناص من التعامل معه رضينا أم ابينا، فما هو الطريق لحماية شبابنا منه؟ ـ في مبادئ الدين الإسلامي الحنيف لو أحسن فهم الاسس الراسخة التي تعين على الخروج من المأزق والنصر في المواجهة مع الثقافة العارمة الزاحفة، لوجدنا ان الشورى في الاسلام اساس حرية الرأي ومشاركة الجماعة وشيوع الديمقراطية والاسلام يحث على الحصول على اقصى العلم والتكنولوجيا واستثمار معطيات الطبيعة والسعي الحثيث الى اقصى ما يستطيعه الانسان من تقدم، كما ان الاسلام يعايش الغير في سلام ويحترم الرأى الاخر ويجادل المعارض بالتي هي أحسن. كما يجب الالتفات بوعي كامل إلى الوسائل المريبة التي تتبناها العولمة الزاحفة لتمزيق الامة الاسلامية والطغيان على قيمها السامية بالعمل على شيوع القيم المتدنية التي تصاحب بالغزو الفكري والاستهلاكي مثل طغيان الاستهلاك والنهم المادى وشيوع العنف والجنس والمادية والفردية والافتتان بالثروة والسعي اليها بأى سبيل والتخلى عن القيم وانتشار ذلك يؤدي إلى احداث رد فعل أصولى مما يساعد على شق الصف في المجتمع الاسلامي والصراع والصدامات المختلفة بين عناصر الامة الاسلامية، وهذا هدف مخطط له بمنتهى المكر والدهاء ويسوق الينا بمختلف وسائل الاعلام ويجب الالتفات اليه والتعامل معه بالفهم والوعي والمعرفة والعمل بكل الوسائل على ابطال مفعوله، ونحن قادرون على ذلك بالتمسك بالنهج الاسلامي السليم كما قدمنا، فاننا لو استطعنا ان نغرس الايمان الصحيح في نفوس الافراد والجماعات وتمسكنا بالمنهج الاسلامي التربوى السليم لاتضح لنا مثلا ان قضية الاصالة والمعاصرة وما اثارته وما تثيره من صدام هي قضية مفتعلة، فأصالتنا تجري في دمنا ونحن مرتبطون عضويا بجذورنا في الوقت الذي نعيش فيه حياتنا المعاصرة بكل ما يمكن أن يتيحه العلم من تسخير لظواهر الكون واستثمار منجزاته التي نصل اليها بما نحصله من معرفة لاسرار هذا الكون وما في مناكب الارض من معطيات سخرها الله للانسان وامره بالسعى اليها، وبالجملة فان الكنز الاسلامي الثقافي حافل بالخير العميم ويمكن إذا حسن التعامل معه بوعى عميق وفهم دقيق وايمان كامل ان يكون مرتكزا لحضارة باذخة تستطيع ان تقلم اظفار العولمة، وأن تتعايش معها بندية كاملة والا تنجرف إلى ما يريده لها الاقوياء من تبعية وذوبان في محيط عالمي خيره كله لغيرنا. ـ نحن راغبون في الحوار مع الاخرين أمثال المسئول الايطالى فماذا عن الجانب الآخر، وخاصة كتاب الغرب الذين نشطوا في وصف الإسلام بالعنف؟!. ـ مما يؤسف له، أن هذه الروح من التسامح الإسلامي تتناقض كليا مع ما يذهب إليه كثير من الكتاب في الغرب. وأوضح مثال على ذلك ما ذهب إليه أحد الكتاب الأمريكيين المعروفين، وهو «صمويل هانتجتون» عندما نشر في سنة 1993 مقالا تحت عنوان «الصدام بين الحضارات» أثار، ولا يزال يثير، ردودا متباينة، في الأوساط السياسية والأكاديمية، تركز معظمها حول العلاقة المستقبلية، بين الإسلام والغرب ـ ذلك أن الفرضية الأساسية التي حاول الكاتب تأكيدها، هي أن الخطوط التي تفصل بين الحضارات ستكون خطوط معارك في المستقبل المنظور، وأن الصراع الأساسي والصدام، سيكون على وجه التحديد بين الحضارات الإسلامية والغربية، قبل أن تبلغا مرحلة التعايش في عالم يضم حضارات متعددة، وإذا كان لى من تعليق على ذلك، فهو أن ما أورده الكاتب وما أدلى به في الموضوع نفسه كتاب غيره، ليس إلا جزءا مما يثار حول الإسلام من شبهات، وليس إلا افتئاتا ناجما عن جهل مطبق بالإسلام العظيم، ومبادئه السمحة، التي تحل الحوار، لا الصدام، محل الصدارة من الاهتمام، لأنه السبيل السليم نحو سعادة المسلمين بل سعادة بني الإنسان، أينما كانوا. لكن ما أثير ولا يزال يثار حول الإسلام من شبهات، لن يفت في عضد المسلمين، ولن يثنيهم عن تلبية نداء شريعتهم، الداعي إلى التمسك بمبدأ الحوار، كما فعل الأجداد، منذ عهد الرسول الكريم الذي حاور، دون حرج، أهل الكتاب، وجادلهم بالتي هي أحسن، ودعا إلى سبيل الله بالحكمة والموعظة الحسنة، ولم يكره أحدا على اعتناق الإسلام، آخذا بقول الله تعالى في القرآن الكريم: «لا إكراه في الدين، قد تبين الرشد من الغي...» ولن يثنى ذلك المسلمين أيضا، عن العمل على إبراز قيم الإسلام الإنسانية العالمية، التي تضمن لكل فرد، حق العيش الكريم، في جو تسوده الحرية والعدالة والمساواة، والتي تعلن أن النوع الإنساني كله من نفس واحدة، وأن الناس، كل الناس أخوة من أب واحد، وأم واحدة، وأن كل فرد خلق كما خلق غيره، من ذكر وأنثى، وأنه لا فرق بين إنسان وإنسان، إلا بالتقوى. وصدق الله حيث خاطب الناس جميعا بقوله جل من قائل: «يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة، وخلق منها زوجها، وبث منها رجالا كثيرا ونساء». ـ أرى أن العالم يتقدم من حولنا بطريقة مذهلة في قرن جديد.. ما هو في رأيكم أولويات العمل الإسلامي في المرحلة المقبلة؟ ـ إذا كنا فعلا جادين في اللحاق بالعالم حتى لا يفوتنا قطار السباق ونصبح في طي النسيان فلابد أن نتسلح بكل ما في العصر وأهمها سلاح العلم والتكنولوجيا فلا مكان للضعيف وللأقزام وللكيانات الصغيرة واضعين في الاعتبار أن إسلامنا يدعو إلى ذلك فهو دين العلم والمعرفة والحضارة والتقدم ولما كانت هذه العلوم والصناعات قد أصبحت اليوم علامة لرقي الشعوب والأمم. فأيما أمة تخلفت في هذا المجال تقهقرت في ساحات المدنية والحضارية والاقتصادية والتجارية والعسكرية والسياسية والدولية وحتى الدبلوماسية. وإن هذه العلوم والصناعات لها خطورة بالغة من منظور إسلامي. لأن الإسلام هو دين الفطرة ودين متكامل، فلا يغض النظر عن الحقيقة والواقعية. ولذلك يحث المسلمين على التقدم في العلم والصناعات والتقنية بأساليب شتى. وهذا الحث والتحريض في مجالين: فأما الأول فهو التفكير والدراسة في جميع المظاهر الكونية والتفحص في أنظمتها دراسة فاحصة. وأما الثانى فهو استخدام ما فيها من الفوائد المادية أو المدنية التي هي نعم الله تعالى، والتي هي عطاء وعوض لمن جاهد وتعب في فحص المظاهر والموجودات وأنظمتها. وعلى سبيل المثال لقد ورد في كتاب الله تعالى في المجال الأول: «قل انظروا ماذا في السماوات والأرض». «قل سيروا في الأرض فانظروا كيف بدأ الخلق ثم الله ينشئ النشأة الآخرة». «أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت. وإلى السماء كيف رفعت. وإلى الجبال كيف نصبت. وإلى الأرض كيف سطحت» الغاشية: 17 ـ 20. وفي المجال الثاني وهو النقد الصناعي يقول الله تبارك وتعالى: «الله الذي خلق السماوات والأرض وأنزل من السماء ماء فأخرج به من الثمرات رزقا لكم، وسخر لكم الفلك لتجرى في البحر بأمره، وسخر لكم الأنهار. وسخر لكم الشمس والقمر دائبين وسخر لكم الليل والنهار. واتاكم من كل ما سألتموه». القاهرة ـ عبدالوهاب حامد