إذا كان انتقال الأديب من الشعر الى الرواية قليل الحدوث، أو نادر الوقوع فإن الانتقال من الشعر الى المسرحية كان مألوفاً، وظلّ مألوفاً من عصر اليونان الى عصرنا الحديث. وليس خفيا عنك ان كثيراً من صُناع المسرحيات اليونانية والأوروبية الغربية من سوفوكليس ويوربيدس الى شكسبير وغوته كانوا من كبار الشعراء، وأن صانع المسرحية الشعرية العربية وواضع اسسها ـ وهو أحمد شوقي ـ يعد من اكبر الشعراء العرب في العصر الحديث. وعلة ذلك ـ عند توفيق الحكيم سيد المسرحية النثرية العربية ـ أن المسرحية كالقصيدة، كلتاهما تميل الى التلميح لا الى التوضيح، والى الايماء والايحاء، لا الى التطويل والتفصيل، والى قدح الأفكار على شكل شرارات مضيئة لا الى اشعالها على شكل مصابيح كاشفة، انهما تأخذان من وجه الحياه قسماته المعبرة، وتزهدان في دقائق الحقائق، وصغائر المعاني، ولا يبالغ من يدعي ان كاتب المسرحية شاعر وان لم ينظم. لذلك كله عجبت لانتقال محمد مروان أتماز السباعي من الشعر الى الرواية، وفاجأتني روايته «السبيكة» بما لم أكن أتوقع. لقد عهدته شاعراً كلفاً بالصورة الساخرة والبيت السائر، واللفظة الموحية، والخواطر البوارق، وعرفت أنه كانت بينه وبين الشاعر سليمان العيسى محاورات تمتع، ومساجلات تروق، يجد القاريء بعضها في «الديوان الضاحك» الذي أصدره سليمان العيسى مخطوطاً بقلمه. وأما القدر الأكبر من هذه المساجلات فلا يعرفه الا الخاصة من جلساء الرجلين وسمّارهما. إما لخصوصية هذه المسامرات، وإما لإيثار النشر الحي على الطباعة الجامدة. وأغرب ما في هذا الانتقال ان مؤلف السبيكة لم يسلك سبيل الشداة المبتدئين الذين يسلكون السبل وان دارت، بل جمح جمحه الجواد الذي يجوز الحواجز وان عثر، فجاز بقفزة واحدة واسعة برزخاً عريضا، يفصل قارة عن قارة في عالم الادب الرحيب. ولو أنه كتب الاقصوصة، فالقصة، فالرواية لأراحنا من الفجاءة المدهشة، وسار بنا سيراً مريحاً، وملّكنا أعنّة الفهم المتطور، وأعاننا على التمرس بأدبه، ونقده، على نحو متدرّج، يناسب قدرتنا على النقد، ويعيا عن مسايرته في الوثب، لكنه تخيّر وهو ينشيء سبيكته قفز الجواد الحرون، الجامح بين الصعاب والشعاب، فشقّ علينا وعلى نفسه، وأجرانا خلفه على غير دربة وارتياض. وقبل ان نضرب السبيكة على محك النقد يحسن بنا ان نواكب سابكها في عمله من مبتدئه الى منتهاه، لنقف على أحداث الرواية، ولنضع بين يدي القاريء أبرز الوقائع قبل الدرس والتحليل. بطل السبيكة «أحمد» كان فتى متشردا يتجول في الأسواق، داره في النهار رصيف يضطجع تحت ظل سقيفة، ومثواه في الليل جوف منضدة خشبية، تربض على عتبة سوق تجارية تغصّ بالمناضد الهاجعة والأبواب المغلقة. وسميره في سهره حارس السوق «يوسف». كان أحمد اذا فرغ من محاورة الحارس ينجحر في جوف المنضدة، ويغط غطيط العامل المتعب حتى يدركه الصباح. وليوسف هذا صهر اسمه «عبدالمجيد» يتعرف أحمد، ويعطف عليه، ويطمئن اليه لما عرف به من صدق وأمانة، ويتخذه معاوناً له في عمله الدؤوب، وهو يقود بين الفلوات سيارته الشاحنة الضخمة. استغل أحمد نبل عبدالمجيد وكرمه، وراح يظهر من الإخلاص له، ومن التفاني في خدمته ما أقنعه بصدق صداقته، ونزاهة علاقته، فقرّبه وأجرى عليه الرزق، ولم يدرك ان هذا الصديق المخلص النشيط يكيد له، ويدبّر له مصرعاً مروّعاً، اذ سحقه بسيارته وهو مستلق تحتها يحاول ان يصلح ما أصابها من عطب، وادعى عند التحقيق ان مصرع عبدالمجيد قدر مقدور، وفاجعة نزلت به قبل ان تنزل بأهله لانه وليّ نعمته، فقبل ادعاؤه، وطمست الجريمة، ولبس أحمد لبوس الحزن والحداد، ثم تودد الى أرملة القتيل، فتزوجها، وتبنى عبد الجليل ولد القتيل. وهكذا بدأت في حياة احمد المتشرد مرحلة جديدة سعيدة، قوامها الثراء والاستقرار، فانتقل نزيل السوق من جوف المنضدة الأغبر الى دار مفروشة، وحديقة معروشة، وأسرة جاهزة ناجزة، من زوج وولد. فملك كل شيء كان يملكه عبدالمجيد، وكل شيء كان يرنو الى امتلاكه، اذ أكمل مظهر التقوى بالسفر الى مكة والمدينة، وعاد منهما وعلى رأسه تاج الحاج، وفي يده مفاتيح النجاح، وراح عمله يتطور ويزدهر، وتحولت سيارته الى قطيع من سيارات فارهة، تغدق عليه الاموال انهاراً. ولما كان المال يجر المال، والأعمال تفضي الى ابتكار اعمال، فان اطماع الحاج أحمد أخذت تمتد الى كل جهة، فأنشأ بأمواله التي راحت تتزايد وتتوالد معملاً للغزل والنسج، وبدأت سبائك الذهب تتراصف في خزائنه، او تتحول الى ضروب جديدة من التجارة، كالاتجار بالقطن على نطاق واسع. وفي أثناء تجواله بين مزارع القطن وقعت عينا احمد النهمتان المتنكرتان بورع كاذب على فتاة قروية، بهرته وسحرته بما فيها من رشاقة ونضارة. كانت «فاطمة» اللعوب كاعباً تفتح جمالها، وأينع سحرها، ففتن بها شباب القرية، وسمّوها «تفاحة القرية». ولما كان الحاج احمد كلفا بالتفّاح فقد حرص على أن تكون يده اليد التي تقتطفها، فأغرى والديها الفقيرين بمال لا قبل لهما بمقاومته، وانتزعها من ابن عمها الفقير «علي». ولم يكن هذا العاشق ندّاً للخاطب، ولم يستطع ان يقدّم الى تفاحة القرية أكثر من زهر الوزان البري، فكيف تستطيع صفرة الوزان ان تقاوم صفرة الذهب؟ اقتطف الحاج أحمد تفاحة القرية، وجعلها ضرة زوجته الاولى ام عبد الجليل غير عابيء بما قيل عنه، وغير وفيّ للاسرة التي آوته وأنعمت عليه. ثم اتهم عاشق التفاحة بالجنون، فزجه بما أوتي من مال ونفوذ في مصحة عقلية، يجنّ فيها العاقل، وحرص على ان يطيل مكثه في هذه المصحة، حتى قضى فيها عشر سنين بين أيدي جلادين غلاظ شداد، غسلوا دماغه من ماضيه، حتى أنسوه كل شيء حتى اسمه الا فاطمة التي ظل يلهج باسمها في اليقظة والنوم. ولولا امله الذي يمنّيه بلقائها لانتحر. اما الحاج احمد الذي تحولت خزائنه الى أكداس من سبائك، ومكنته من الفوز بالتفاحة الفضة فقد أغرته نفسه باقتطاف ثمرة محرمة، وهي «سوزان» المغنية الشقراء. فراح يعاشرها معاشرة الأزواج بلا زواج. وحينما حملت وجاءها المخاض سلّط عليها ـ وهو المتمرس بالقتل والسحق ـ من يسحقها بسيارته، فقتلت المرأة، ونجا الجنين. لقد عرفت مما وقفت عليه من حياة أحمد أنه بارع في الافادة من مصائب الاخرين، وفي تحويل آلامهم الى رصيد من التقوى يضيفه الى ورعه الكاذب. ولهذا لبس لبوس المحسنين الذين يكفلون الأيتام، وتبنى الوليد، وسماه «لؤيا». ونشّأه في كنف الترف والسرف، وهيّأ له أسباب التحصيل العلمي حتى تفوق وكرمته مدرسته مع نفر من زملائه، أبرزهم «خالد» الذي اصبح رئيساً ذا شأن لنقابة عمال النسيج، و«ماجد» الذي أصبح بعد خمسة عشر عاماً من تخرجه مدير الأمن في مدينته. أما لؤي نفسه فقد درس الطب، وغدا جراحا بارعاً في فن الجراحة، وأنقذ بطبه حاكم المدينة من خطر هدده بالموت، فأصبح آثر الناس عنده، وأعظمهم دالة عليه، وأقدرهم على التأثير في عقله وفعله، وفي رسم مواقفه السياسية. ثم عصفت بالبلاد أزمة اقتصادية، خلاصتها ان البضائع الأجنبية زاحمت البضائع الوطنية، وزحمتها، فأصيبت صناعة النسيج ببوار، وأخذ العمال يطالبون بزيادة الاجور، فتضاعفت الهموم في صدر أحمد، وأصيب بشلل نصفي اقعده، وألزمه داره. حينئذ انبرى لؤي الطبيب لمصارعة الازمة الاقتصادية، فأقنع حاكم البلد بالإقلاع عن استيراد الأقمشة الاجنبية، وارسل الكهل الأشل الى دولة اجنبية للمعالجة، وتفرغ لادارة المعمل، مقتديا بأبيه المقعد، آخذاً بحكمته التي زرعها في أذنيه، وهي: ادفع فضة تقبض ذهبا. طبق لؤي هذه الحكمة على خالد اخطر رؤوس النقابة، وأعدى أعدائه، وأكثرهم مقاومة لمعمله، فغمره بعطفه، وزوجه اخته عائشة، وهكذا فرغه من النضال، وأترعه بالمال، وجعله ظهيره الأشد، بعد ان كان خصمه الألد. ووزع الأنوال القديمة على من يؤيده من العمال، واشترى انوالاً حديثة، أغرقت الأسواق ببضاعة لا تضاهى، فابتلع الأنوال العجوز. ونصح لأصحاب المعامل الاخرى بان يفعلوا فعله، فصدعوا بالنصح، وانفرجت الازمة، وأصبح لؤي الشخصية المحببة الى العمال والتجار على السواء، وعاش في طمأنينة، توهم انها سوف تدوم. لم تدم طمأنينة لؤي، بل أخذ القلق يساوره بعد حادث سيارة اودى بحياة سائقه «موسى» الذي أسرّ ـ وهو في النزع الأخير ـ في أذن لؤي ان الحاج أحمد ليس أباه، وان فاطمة ليست امه، وان أمه غانية شقراء اسمها سوزان. حينئذ رحلت الطمأنينة عن قلب لؤي، واشتعل فيه حقد لا يطفئه الا الثأر من الحاج احمد الشبق الذي افترس امه، وسرقه من اب لا يعرفه، وقرر ان يعاقب هذا الوحش الذي يتقي الناس بالتقوى ـ ثم تفاقم المه حينما علم ان النادي العالمي للصناعة قد عزله، وقلّد الزعامة رجلاً آخر. اخذ لؤي يفكر في نقيضين: حفاظه على نصيبه من الميراث، والثأر من الذئب الورع. وأحس الكهل الأشل ان لؤياً يأتمر به، فكتب وصية، وزع فيها ثروته بين ذويه، وخصّ لؤيا بالقدر الاكبر منها. لكنه قيّد الوصية بالقيد التالي: اذا وقع لي حادث، وتوفيت على أثره يوقف تنفيذ الوصية. واذا اتهم لؤي بأنه مدبر الحادث او يقف وراءه تلغى الوصية. لقد غصب الحقد عيني لؤي عن رؤية العاقبة، فدبّر للحاج ميتة تشبه الحادث العارض، لتبدو للناس كأنها قدر مقدور. وحينما فضّت الوصية، وقريء القيد اسقط في يد لؤي، فانتحر. وفي نهاية الرواية يظهر علي في دار الاسرة المفجوعة، وفي يده زهر الوزان، فيرد الى تفاحة القرية شيئاً من نضرتها، ويربط اخر الأحداث بأولها ربطاً شديد الاحكام. والخاطرة التالية، ستفك هذا الرباط المحكم بدراسة العناصر الفنية التي نسجت منها الرواية.