اعرف ان ملف اللغة العربية في بلادنا الاسلامية غير العربية حديث ذو شجون كثيرة ومتشابكة، ولكن يتميز منها او يهمنا الآن منها شجن التقصير التاريخي في حق العربية، الذي يضم امتنا العربية او بالاحرى دولنا العربية وما تزخر به من هيئات ومؤسسات ومنظمات، واعني تقصيرنا في اداء الرسالة المقدسة التي نحن اول المكلفين بها، واقدرهم على ادائها، وهي رسالة خدمة اللغة العربية، والعمل على نشرها في الآفاق، وبخاصة في البلاد التي تجمعنا واياها عرى وجذور واواصر من التاريخ والثقافة والعقيدة ولا تزال تنبض في اعماقها عروق الانتماء ومشاعر الحنين الى استحياء اللغة العربية في ربوعها. والواقع ان هناك تجارب مضيئة جديرة بأن تلهمنا الحماسة في هذا السبيل، منها تجارب فردية شخصية ومنها تجارب هيئات ومنظمات اهلية ومنها تجارب مؤسسات حكومية. فمن التجارب الشخصية التي تشبه المغامرات تجارب نخبة من المثقفين الرواد من ابناء الخليج واليمن الذين ارتحلوا الى اقاصي جنوب شرق آسيا وانشأوا مدارس عربية وعلموا اعدادا طيبة من الاشقاء هناك، واصدروا صحفا ومجلات عربية.. ويذكر من هؤلاء الرواد اديب الكويت ومؤرخها الشيخ عبدالعزيز الرشيد، وشاعر الكويت محمود شوقي الايوبي. ومن تجارب المنظمات الاهلية، يذكر بالفضل عطاء لجنة مسلمي افريقيا، ولجنة مسلمي آسيا، بالكويت، وعطاء الخيرين من ابناء الامارات كانشاء مدرسة مومباسا بشرق افريقيا. اما التجارب الحكومية، ففي مقدمتها الرسالة التاريخية التي اداها ويؤديها الازهر الشريف، في خدمة الاسلام ونشر اللغة العربية، حيث كانت تعمره اروقة الدارسين الوافدين من مختلف مناطق العالم الاسلامي كرواق الشوام، ورواق المغاربة، ورواق دارفور. وفي عهد ثورة يوليو انشئت مدينة البعوث، لتحتضن الدارسين من انحاء العالم، وقد نمت التجربة واتسعت حيث يبلغ عدد الدارسين في جامعة الازهر ومعاهده ـ حاليا ـ اكثر من خمسة وعشرين الف طالب وطالبة من اربع وتسعين دولة، منهم عشرة آلاف يدرسون على نفقة الازهر والمجلس الاعلى للشئون الاسلامية في مصر، وخمسة عشر الفا يدرسون على نفقتهم، وعلى نفقة بعض المؤسسات الاسلامية، ولقد آتى عطاء الازهر الشريف أكله آلافا مؤلفة من العلماء والمثقفين المسلمين الذين ينتشرون الان في بلادهم في جهات الدنيا الاربع. السنتهم رطبة باللغة العربية وفكرهم مستنير بالثقافة الاسلامية الازهرية السمحة، وتحضرني هنا ذكريات زيارة عمل لماليزيا، منذ نحو خمسة عشر عاما حيث التقيت ببعض علمائها من خريجي الازهر الشريف، واثلج صدري وبهرني ان عدد خريجي الازهر هناك يزيد على اربعة الاف يتحدثون العربية بيسر وطلاقة، ويعلمونها لاجيال بعد اجيال. وعلى نهج تجربة الازهر، تسير الآن بعض الجامعات الاسلامية وبخاصة في المملكة العربية السعودية، التي تحتضن آلافاً من الدارسين من ابناء الشعوب الاسلامية، ولا ينسى في هذا المجال الدور الجليل الذي تقوم به المنظمة الاسلامية للتربية والثقافة والعلوم التابعة للمؤتمر الاسلامي، والتي تعمل على انشاء مراكز لتعليم اللغة العربية في بعض الدول الاسلامية، كما لا ينسى دور مركز اللغة العربية بجامعة القاهرة الذي تتعاون معه وزارة الخارجية المصرية بتنظيم دورات لتعليم العربية للدبلوماسيين وطلاب الجامعات من الجمهوريات الاسلامية والدول الاوروبية المستقلة حديثا، اضافة الى المنح السخية من الكتب العربية. ولقد توجت كل هذه الجهود الطيبة بانجاز رائع قامت به وزارة الاوقاف المصرية مؤخراً وهو افتتاح جامعة اسلامية في جمهورية كازاخستان سميت «جامعة نور ـ مبارك» نسبة الى اسمي رئيسي البلدين: نوربايف وحسني مبارك وقد اختير لرياستها العالم اللغوي النابه الدكتور محمود فهمي حجازي عضو مجمع اللغة العربية بالقاهرة. وهكذا تتعدد الجهود والتجارب، لكنها تظل دون الطموح ودون ما نستطيعه، ودون الرسالة المقدسة التي هي قدر العرب. كما انها جهود تفتقر الى التكامل، وتحتاج الى تنسيق، وتجدر هنا الاشارة الى ما تحظى به ـ على سبيل المثال ـ اللغة الفرنسية، التي يحتشد لخدمتها ونشرها اكثر من مئة وثلاثين مؤسسة قوية فاعلة، تنشيء المدارس والمعاهد والمراكز والجامعات «واحدثها جامعة سنجور بالاسكندرية» وتخصص المنح السخية وتمنح اسنى الجوائز «كالجونكور» تشجيعا للكاتبين بالفرنسية. ان اللغة ـ وبخاصة لغتنا العربية ـ ليست كلمات تجري على اللسان، وانما اللغة التي نرجوها لغة تفيض حياة وعذوبة وجمالا، ومعها تسري ثقافة مستنيرة وقيم سمحة، واسلوب تفكير علمي بناء، وينشأ بها ولاء وانتماء وتعاطف وتواصل خلاق يحقق التعاون والمصالح ايضا، وهو من اهم ما تحتاج اليه شعوبنا العربية والاسلامية، في هذا الزمن الصعب الذي نحن فيه حمى مستباح بين مطرقة وسندان: مطرقة عدوان المتجبرين وسندان ظلام التخلف والجمود والفرقة.