بعد أيام قليلة يبلغ عميد الرواية العربية التسعين، أطال الله عمره. لا يحل عيد ميلاد الأستاذ نجيب محفوظ إلا واستعيد أكثر من أربعة عقود مررت بها، بكل ما مررت به وطرأ علي وعرفته من أحوال وظروف، أول ما أتذكره تلك اللحظة التي يفصلني عنها الآن ثلاثة وأربعين عاما، إذ كانت عام تسعة وخمسين، لا أذكر الشهر أو اليوم، أقصد موقع اليوم من الشهر، أما اسم اليوم فأعيه جيدا، ليس بسبب قوة ذاكرتي، إنما بسبب انتظام الندوة الاسبوعية التي بدأها الأستاذ عام خمسة وأربعين، وظلت تعقد بانتظام حتى أوقفت لأسباب أمنية غريبة عام واحد وستين. إذ كانت تبدأ في العاشرة من صباح كل جمعة وتمتد حتى الواحدة والنصف بعد الظهر.إذن.. كان الوقت قبل العاشرة، إذ كان الأستاذ قادما من ناحية ميدان العتبة الخضراء متجها الى مقهى الأوبرا، ولأنه شديد الدقة فلابد أن الوقت كان دون العاشرة بدقائق. كان يرتدي حلة رمادية، وكان متين البنية، يمشي بقامة مفرودة، بميل قليل الى الخلف، وعينين تتطلعان الى الأمام، نظرة تنتمي الى أعلى، لا تتجه الى أسفل، كانت قامته أطول مما هي عليه الآن، ولا ابالغ اذا قلت أن جسده كان ضعف حجمه الحالي، وربما أكثر، لم تكن الشيخوخة سببا وحيدا لضموره، لكنه النظام الصارم الذي ألزم نفسه به منذ اكتشافه مرض السكر عام اثنين وتسعين بالصدفة عندما اضطر الى اجراء عدة تحليلات طبية كان لابد منها لإتمام اجراءات خاصة بالتأمين على الحياة. منذ ذلك الحين لم يأكل إلا المسلوق، وبكميات ضئيلة، قال لي يوما إن المعدة تنكمش وتتكيف مع كمية الطعام التي تتلقاها، أحيانا أثناء تناولنا العشاء معا، ندس له في الطبق قطعة صغيرة من الكفتة، لكنه سرعان ما يكتشفها، فما يأكله محدود بدقة محفوظية صارمة، حتى فنجان القهوة يرشفه بنظام، في البداية يرشف الوش مع أنفاس السيجارة، ثم رشفة أخرى، ثم يغطي الفنجان بالطبق الصغير، وبعد حوالي ثلاث دقائق يعود اليه. الآن يدخن ثلاث سجائر في اليوم، طبقا لتعليمات الطبيب، وبرشاقة محفوظية يقول: وأحيانا أزوغ نفسين من رابعة. إنه مدخن قديم، ومنه تعلمت تدخين النرجيلة، عندما عرفته كان ما زال يدخنها، يتردد على مقهى الفيشاوي، ومقهى عرابي، علاقته بالفيشاوي ومقاهي الجمالية قديمة تعود الى أيام فتوته، وخلال عمله موظفا بالأوقاف نقل مغضوبا عليه الى قبة الغوري، تغيرت وزارة حزب الوفد بوزارة أخرى، وكان يشغل منصب السكرتير البرلماني لوزير الأوقاف، الشيخ مصطفى عبدالرازق وزير الأوقاف، وكان أستاذه في الجامعة، كان عمله يتلخص في اعداد الرد على الاستجوابات التي تقدم الى الوزير في البرلمان. وعندما نقل الى قبة الغوري أصبح موظفا في صندوق الدين الذي كان يقدم القروض الحسنة للأهالي أي بدون فائدة أو بفوائد ميسرة، كان عملا مسليا كما يقول يتعامل خلاله مع الناس وأبناء البلد. لكن أهم ما اكتشفه في قبة الغوري المكتبة العامرة والتي كانت تضم نفائس نادرة منها نسخة أصلية لرواية مارسيل بروست الشهيرة، البحث عن الزمن الضائع ، بالفرنسية والتي عكف على قراءتها بتأن، كان يختلس بعض اللحظات ليمضي الى المقهى ويجلس وحيدا. النرجيلة أفضل صديق يؤنس الوحدة، إنها صديق صامت كما يصفها محفوظ، توقف عن تدخينها في مطلع الستينات وحل بدلها السجائر التي علقت به حتى الآن. في تلك اللحظة النائية التي رأيته فيها لأول مرة، كان عمره تسعة وأربعين عاما، وكنت أخطو نحو عامي الخامس عشر، لا أدري كيف عرفت أنه نجيب محفوظ، لم يكن التلفزيون قد دخل الى حياتنا بعد، ربما من صورته التي نشرت له على الغلاف الداخلي لرواية خان الخليلي وربما من صور أخرى نشرت في بعض الصحف والمجلات الأخرى، كنت أقف في مواجهة الجانب الجنوبي للأوبرا القديمة، الجميلة، التي افتتحت في عهد الخديوي اسماعيل بمناسبة احتفالات افتتاح قناة السويس، واحترقت عام واحد وسبعين في القرن الماضي في مفتتح عهد الرئيس أنور السادات، وبذلك اختفى معلم هام وجميل ورمز من وسط المدينة ليحل مكانه جراج متعدد الطوابق!! كنت أقف منتظرا صديق وزميل دراسة، يسكن تلك العمارة القديمة المطلة على شارع عبدالخالق ثروت باشا عندما ظهر نجيب محفوظ، كنت أمسك مجموعة قصصية لأنطون تشيخوف ترجمها الى العربية الدكتور محمد القصاص، وما زلت أحتفظ في مكتبتي بتلك المجموعة الجميلة، تقدمت منه، وعندما نطقت بالتحية، أطلت عليّ نظرته الهادئة، المتأملة، التي لم تغيرها السنوات وتواليها وما تحفل به، عين النظرة التي أراها حتى الآن، رغم أن العينين أدركهما الوهن، وأصبحتا غير قادرتين على القراءة، وضاق مدى الرؤية، فلا يميز الشخص إلا من مسافة قصيرة، لكن ما تزال نظرته تلك تضفي حضورا خاصا يميز ملامحه، يتلخص في كلمة واحدة، طيب. في العامية المصرية كلمة دالة، كلمة طيب، إنها تعني الرقة، والخصال الحسنة، وحب الخير، وكل ما هو إنساني جميل، لا أجد إلا تلك الكلمة تلخص نظرة محفوظ وتطلعه الى ذلك الصباح البعيد عني الآن. صباح الخير يا أستاذ نجيب. صباح النور.. أهلا.. قلت له إنني مبسوط لرؤيته، وأنني أقرأ له، وأحببت ما قرأت، وإنني أكتب أيضا، أبدى ترحيبا، ودعاني الى الندوة الاسبوعية، قال بصيغة الجمع: إحنا بنقعد كل يوم جمعة من الساعة عشرة.. في الاسبوع التالي مباشرة، وفي تمام العاشرة كنت أدخل القاعة في المقهى أوروبي الطابع، أي أنه مقهى بدون نرجيلة، بدون لعب طاولة أو دومينو، كان يحتل الطابق الثاني من مبنى يتكون من ثلاثة طوابق، الطابق الأول يحتله مقهى أنيق، تقدم فيه النرجيلة، وكان من المقاهي القليلة وقتئذ في القاهرة الذي يمكن أن يرى فيه المرء نساء يجلسن لتدخين النرجيلة، ويقدم أيضا المشاريب الأخرى، الطابق الثاني كان مقهى تقدم فيه المشاريب فقط، أما الثالث فكان له مدخل جانبي خاص، إذ كان عبارة عن ملهى ليلي، معروف باسم صاحبة المبنى كله، الراقصة صفية حلمي. ويبدو أنها كانت تحظى بشهرة في ثلاثينيات وأربعينيات القرن، وأتيح لي أن أراها في هذا الملهى خلال الستينيات، كانت سيدة متقدمة في السن، متوسطة القامة، يقتصر ظهورها على بضع دقائق تتوسط خلالها الراقصات اللواتي سيقدمن استعراضاتهن، ثم تنسحب الى مائدة في أقصى الصالة، وسمعت من يقول إنها عملت مع الراقصة الشهيرة بديعة مصابني، الطابق الثالث لا يعمل إلا بعد العاشرة ليلا، وله مدخل منفصل، لذلك لم يكن جزءا من الطابقين الأول والثاني، المتصلين عن طريق سلم واحد، كل منهما يؤدي الى الآخر، وكان المشاهير يقصدون المقهى ويجلسون به، ويبدو أن ادارة المقهى كانت ترحب بندوة محفوظ الاسبوعية، فكانت الموائد تضم الى بعضها بشكل طولي، وينتظم حولها الادباء والمريدون، بينما يتصدر محفوظ الجلسة، إذ كان الجميع يتحلقون حوله، كان يصغي ويشارك ويطرح الأسئلة وكان يجلس حوله الأديب حضرمي الأصل أحمد علي باكثير، والأديب عبدالحميد جودة السحار، والأديب ثروت أباظة، ومن رواد المقهى الشباب وقتئذ القصاص أحمد النوح، وكان خفيف الدم، كثير النكتة، واختفى في السنوات التالية لبدء ترددي على الندوة ولا أدري شيئا عنه الآن، كان هناك الأديب صبري موسى، والذي أبدى محفوظ اعجابا بمجموعته القصصية حكايات صبري موسى، التي صدرت في الكتاب الذهبي، أذكر أنه وصفها بخطوة هامة في سبيل وصل القصة القصيرة بفن المقامة، غير أن صبري موسى لم يواصل ما بدأه، غير أن أهم من التقيت بهم في الندوة زملائي أدباء الستينيات، في تلك الندوة تعرفت على محمد البساطي، ومجيد طوبيا، وابراهيم منصور، وابراهيم أصلان، وسعيد الكفراوي، وصبري حافظ، وغالي شكري، وغيرهم وكانت الندوة بمثابة الهدف الذي سعى اليه الجميع. أذكر مقابلتي الأولى لمحمد البساطي، كان قد أنهى خدمته العسكرية للتو، بالأمس، وعند خروجه الى الحياة المدنية قصد ندوة نجيب محفوظ، لولا تلك الندوة لأمضينا عدة أعوام حتى يتم لقاؤنا، أعني أدباء الستينيات، ولذلك اعتبرها من التجمعات الأدبية الهامة التي لعبت دورا في تقارب وتفاعل أبناء هذا الجيل، وعندما أقول ندوة محفوظ فإنني لا أقصد هذا المكان الذي جلست اليه فيه لأول مرة، إذ انتقلت الندوة بعد ايقافها عام واحد وستين، الى عدة أماكن أخرى حتى استقر بها المقام في كازينو قصر النيل، وفيه انتهى اللقاء المفتوح بعد محاولة اغتيال الأستاذ عام أربعة وتسعين ليبدأ زمن الأماكن المغلقة والتي عاش يمقتها طوال عمره، إذ عاش عمره يسعى بين الناس، يسعى بالمعنى الحرفي للكلمة، يخرج من بيته في العجوزة السادسة صباحا ليمشي حتى وسط البلد، ليرشف فنجان القهوة ويقرأ الصحف، ثم يذهب الى مكتبه أيام الوظيفة، أو يعود الى بيته في سنوات المعاش. توقف هذا كله، وبدأ منذ عام خمسة وتسعين زمن الأماكن المغلقة، والمحروسة بأفراد الأمن، الأمن نفسه الذي وضع حدا لنهاية لقاء الجمعة الاسبوعي في مقهى الأوبرا! استمرت تلك الندوة سبعة عشر عاما تقريبا، لم يتخلف عنها محفوظ قط إلا في أيام اجازته السنوية التي كان يبدأ فيها ندوة أخرى مع توفيق الحكيم أمام البحر، لو أن المناقشات الأدبية التي دارت عبر تلك السنوات السبع عشرة سجلت لحفظ لنا التاريخ وثيقة حية ذات شأن، كانت الحوارات جادة، يتخللها الضحك أحيانا، خاصة مع قفشات محفوظ الشهيرة والتي ما زال ذهنه يتمتع بالحدة والرهافة التي تمكنه من اطلاق النكات التي تجعلنا أحيانا نبكي من شدة الضحك. ذات صباح وصلت الى كازينو الأوبرا مبكرا، كان محفوظ يجلس بمفرده، أدركتني رهبة فجلست أمامه صامتا، وفجأة سألني بحنو: جمال.. إنت بتكتب ليه.. بوغت بالسؤال، قلت بعد حيرة: بأكتب لأني عاوز أكتب.. الآن.. عندما أستعيد صوته، والقائه السؤال، أكاد أثق أنه كان يسأل نفسه قبل أن يسألني، وعندما أستعيد طلته عليّ عندما تقدمت منه لأول مرة، أكاد أراها في عينيه كلما قابلته أول دخوله جلستنا كل ثلاثاء، أو عند دخولي عليه، طلة طيبة، رحيمة، أصيلة، ندية، لم تتبدل رغم بلوغه التسعين، ورغم اقترابي من الستين، لا حرمنا الله منه أبدا.