أنا من قراء البيان! أعرف أن هذه الجملة ستثير امتعاضك وربما قلت: إذا كان من كتاب البيان، فلابد أنه من قرائها. هذه بديهية! لكن للأسف الشديد ليس كل كتاب صحيفة يقرأونها. وكثيرا ما أقابل زميلا فأحادثه عن شئ ربما كان منشورا في نفس الصفحة التي يكتب فيها. ولا أكاد أصدق، لكن ذلك يتكرر كثيرا. بل حدث ذات مرة أن كنا في حفل على ظهر احد المراكب على سطح النيل. ومال علي أحدهم وأشار الى آخر: أليس هذا فلانا؟ واعتبرتها نكتة، ومن أصول الفكاهة أن تجاري الراوي حتى يصل الى ختام نكتته. أجبته بالايجاب. فطلب مني أن أعرفه به. ورأيت النكتة تتألق، ففلان وعلان هما من كتاب نفس الصحيفة. وبحركة مسرحية أخذته الى فلان، وقدمت كلا منهما للآخر، وفوجئت بأنه فعلا اللقاء الأول. ولماذا تستنكر هذا؟ أنا نفسي أكتب في البيان منذ سنوات ومع ذلك لم أزر مبنى البيان الا عند زيارتي لدبي منذ سنتين أو أكثر ولم أقابل الاستاذ خالد محمد أحمد الا مرات تعد على الأصابع، وفي أول مقابلة معه نظر في وجهي وقال لي: الصورة التي ننشرها لك مع المقال أكثر شبابا! وذكرني هذا بحادثة جرت منذ عدة سنوات، عندما قال لي أن وزيرا مهما يريد مقابلتي. وأدهشني هذا كثيرا، فلا مبرر لهذه المقابلة. وأصبحت مثار الحكايات الساخرة من أصدقائي، فقال لي أحدهم ان هذا الرجل مشهور عنه أنه صانع الوزراء. ولما كانت وزارة الاعلام أصعب من الوصول للعنقاء، ووزارة الثقافة مغلقة فأبشر بوزارة الصحة! ودعاني الرجل للعشاء في أحد النوادي البعيدة. وعندما اقتربت من الباب وجدت الجميع ينتظروني. وقادوني الى معالي الوزير الذي قال لي انه معجب بي. ثم مصمص شفتيه وقال: تسمع عن المعيدي خير من أن تراه! وبالطبع أدركت أنني المعيدي، وأن الرجل كان يتخيلني في شكل آخر. ولذلك كانت كلمات الأستاذ خالد ألطف كثيرا من كلمات معالي الوزير. لكنني منذ ذلك الحين لم أره. وكذلك بقية الزملاء ربما كان الأستاذ علي عبيد يمازحني بين الحين والحين، أو يكتب لي فاكسا تحت زعم أن تليفوناتي لا ترد. وهو قول أصدقه فكل من أحب يقولون أنهم لم يستطيعوا الاتصال بي، ولا يعرفون ذلك، لأن من لا أحب هم من يتحدثون معي! وحتى مكتب البيان في القاهرة لم أزره الا مرتين قابلت في أحدهما الأستاذ جلال عارف. وأحيانا نتكلم في التليفون، ونبدي الرغبة في اللقاء. ولذلك عندما قلت انني من قراء البيان كنت أريد أن أبين أن الكتاب ليسوا دائما من قراء صحفهم. وربما كان هناك سبب آخر لعله أقوى هو أنني استصعب الحديث عما قرأت. فلقد جاء تقرير عالمي من احدى الجمعيات التي ترعى حقوق الإنسان وقالت ان شارون هو أسوأ من يعتدي على حقوق الإنسان. فهو يطلق الرصاص على الاطفال والنساء ويهدم البيوت ويسجن المجاهدين حيث يمارس معهم اسوأ أنواع التعذيب وهذا صحيح، ونتفق عليه جميعا، واذا تحفظ عليه أحد فلابد واقع تحت تأثير الثقافة الغربية الحديثة التي تضع اليهودية والمسيحية امام الاسلام والأديان الأخرى. ونقلت بصري الى رقم 2 ثم 3 فوجدت أن القارة السوداء لها نصيب كبير. وأظن ان التقرير أعد قبل سقوط معاقل طالبان وقتل أفرادها والتمثيل بجثثهم من قبل تحالف الشمال، وذلك من خلال حفلات مرح وفرح. وكأنهم في الجاهلية، ولن أدهش اذا رأيت على شاشة التلفزيون هند بنت عتبة تلوك كبد حمزة. ما علينا. وصلت الى رقم 7 فإذ به مخصص لقوات الأمن الفلسطينية. يا نهار أسود! هل أصبحنا في صفحة واحدة مع شارون؟ وأنا لا أريد أن أحدثك عما تكره ياعزيزي القارئ، ولا أحد فينا في شهر رمضان يحب أن يقرأ مثل هذا الحديث أو أن يسمعه. ولكن أسمح لي أن اتساءل من نحن؟ عندما كنت طالبا ومن باب الحماس الوطني اندفعت مع بعض أصدقائي الى القنال اثناء العدوان الثلاثي. وكان مما حضرته القبض على جاسوس اسرائيلي يتجنس بالجنسية البريطانية ويجيد العربية أكثر مما يجيدها كتاب الاعلانات الذين يخطئون اخطاء فادحة. وكان هناك شك في وجود أكثر من شخص، وأرادوا معرفة هؤلاء بسرعة قبل أن يهربوا، فسألوا الجاسوس، وطبعا أجاب انه لا يعرف، واخرج احدهم مدية حادة وضعها على عنق الجاسوس وكأنه يذبح حيوانا. وبدأت الشفرة الحادة تمزق العروق ولم أحتمل خرجت مسرعا، بل مجثما. وثار نقاش حول موقفي هذا. ولا أقول ضعفي هذا. قلت أنا لست ضد الضغط على الجاسوس للحصول منه على معلومات. ولكن ألن نكون مثلهم لو اننا استخدمنا التعذيب؟! قالوا انهم لا يمتلكون الوقت. ثم هل يمكن أن تقاتل قوات قذرة بالمواقف الطيبة النبيلة. وتذكرت آنئذ القصة التي رويت عن تشيكوف. عندما استاء أحد الارستقراطيين من سلوك حمال على ظهر السفينة، فصفعه، ومشى الرجل حتى اقترب من تشيكوف فقال له: أنت الذي أهنت! ولا أظن - اليوم - أن هذه القصة حدثت، ولكنها تعني أن السلوك لا يتجزأ. وأن العار عار الجميع. وتساءلت هل نحن فعلا أمة تطلب العدل لنفسها وترفضه لغيرها. واستعرضت تاريخنا الذي لا أحبه منذ أن لاكت هند كبد حمزة، أو ربما من قبل هذا الى يومنا هذا مرورا بهذا الخليفة الأموي الذي ألقى في حجر موسى بن نصير فاتح الاندلس برأس ابنه مقتولا. وهو يتفرس في وجهه ينتظر تعبير الرضا، أما اذا رأى خلجة احتجاج فلا يدري ما يفعل مولانا الخليفة. ومرورا بالقائد الفذ أحمد باشا الجزار الذي ضاعف أسوار بيروت بأن وضع في البنيان بعض الأحياء جلبا للبركة والمنعة. ولأنني أحب هذه الأمة وأنكر أن فيها ما يسوء قلت هذا هو حال البشرية كلها. يتحدث الغرب عن حقوق الانسان، ولكن الا يعرف كل منا حادثة تنفي أن حقوق الانسان مصانة في بلاد الغرب. وانها ايضا تهان في هذه البلاد. ومثل هذه الحوادث تنشرها صحفهم ووسائل اعلامهم. الشرطة البيضاء التي قتلت اسودا مثلا. وتفتش فتجد بضعة أحداث. وتأمل في عالمنا العربي تجد مليارات الأحداث المشابهة. لقد دخلت مركز الشرطة لأسباب متعددة في بعض البلاد العربية. ومازال أصدقائي يحكون يوم ذهبت الى قسم الشرطة لسبب ما وأردت أن أتحدث الى شخص، فلم يرد علي أحد، وفي النهاية اضطررت أن أخرج لأكلم أصدقائي في التليفون: ابحثوا عن شخص يرد من عليه! وفي أحد المحاضر طلب الضابط من المتهم أن يذهب الى البيت ليأتي بشئ ما. فهمست لأحدهم: الا يخشون أن يهرب. فردوا: وهل يجرؤ؟! لقد أهابوه بخوف أقوى من فكرة الهرب. ودخلت أيضا مخفرا في روما اذ كنت شاهدا في جريمة سرقة ارتكبت ضد أحد أفراد وفدنا. ووجدت مكانا جميلا، والاستقبال طيبا. ولما كانت اللغة عائقاً، فلقد طلبوا منا الجلوس لدقائق حتى تأتي مترجمة محترفة، وأتت فإذ بها فتنة للناظرين. وعجز صاحبي الذي سرقت أمواله عن الرد عندما سألته عما حدث وقال لي همسا انه مستعد للزواج منها حالا. وطلب مني أن أطلب منها هذا الطلب. ونحن خارجون اقتربت منها وسألتها لم لا تعمل في السينما. واعتبرتها مجاملة وابتسمت في سعادة. أما صديقي الذي لم يسمع حوارنا، فلقد فهم انني ابلغتها رسالته في رغبته الزواج منها، وانها وافقت. ومازال ينتظر العروس. وأعود الى ما هربت منه: هل يمكن ان ندافع عن حقوق الإنسان، ونحن نمتهن حقوق الإنسان؟ هل يمكن أن نطلب من العالم الا يكيل بمكيالين، ونحن يكال لنا في بلادنا بمكيالين. مكيال يقول ان المواطن العربي له كل الحقوق، والمكيال الثاني هو وضع المواطن العربي في أسوأ الظروف الانسانية. يبدو اننا نحب الحديث عن العدل.. لكننا نعشق ممارسة القهر!