في عالم الحروب .. اصبحت الحروب الساخنة .. (اي حروب المدافع والطائرات والدبابات والصواريخ وما اليها) حروبا (دقة قديمة)، الرابح فيها خسران كما الخاسر، الفارق الوحيد بينهما هو حجم الخسائر والضحايا، فالاثنان يخرجان من حربهما وحال كل منهما لا يسر عدوا ولا صديقا، وقد يتصافحان والدماء تسيل منهما كما يفعل المتصارعان او المتلاكمان بعد جولات (البهدلة) التي مر الاثنان بها. الموضة الجديدة في عالم الحروب . والتي اثبتت فاعليتها منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية، اصبحت هي الحرب (الهاي) التي يلجأ اليها المتحضرون، وهي وان كانت احيانا تستعين بالاساليب (القذرة) الا ان من يمارسها يكون دائما بالغ الشياكة .. شديد الاناقة، تملأ الابتسامة وجهه بينما تطلق اصابعه رصاصة الاغتيال، وينحني احتراما لمن يدبر له انقلابا يطيح به، انها حرب هادئة هدوء الموت .. ساكنة سكون القبور، تدبر فيها المقالب (من تحت لتحت)، وتحرك فيها الفتن كما تحرك الاصابع قطع الشطرنج، ويطاح فيها بالحكومات غير المنضبطة تحت شعار «حافظوا على نظافة بلادكم»! في عالم البيوت كما في عالم الدول لا يختلف الامر كثيرا فما البيت الا عالم صغير، تربطه العلاقات والمصالح قبل ان تربطه العواطف، وزمان .. كان السائد في العلاقات الاسرية ان اي مشكلة تمر بها هذه العلاقات يتم حلها بسهولة بمعركة يختلف حجمها وتختلف نتائجها حسب ميزان القوى بين طرفي النزاع وحسب حجم الدعم الذي يتمتع به هذا الطرف او ذاك، فالحال في البيوت كما في المجتمع الدولي تعتمد على علاقات الدول الصغرى بمن يدعمها من الدول ذات الحول والطول وصاحبة الكلمة النافذة والآمرة في عالم الدول صغيرها وكبيرها، وكما امريكا بالنسبة لاسرائيل مثلا .. نجد ان الحماة تمثل الدعم الاكبر للطرف المنتسب اليها .. زوجا كان ام زوجة، ومجرد وجودها ولو حتى كمراقب، يكفي لتأكيد النصر للطرف التابع لها، فالتلويح بالقوة يكون احيانا، اكثر حسما للمعركة من استعمالها، اما في حالة تساوي ميزان القوى بوجود داعم قوي لكل من طرفي النزاع الزوجي فالامر عندئذ قد يؤدي الى احد احتمالين، اما انهاء النزاع وديا بعد حسابات القوة المتساوية التي يصل اليها الطرفان الداعمان، واما رفع درجة حدة النزاع الى الحرب الشاملة المدمرة تحت احساس غرور القوة لدى احد الطرفين. في الاسر المتخلفة .. (العالم العائلي الثالث) .. مازالت الحرب التقليدية .. باسلحتها التقليدية ايضا (العصا .. المقشة .. الشبشب .. الخ) هي الوسيلة المفضلة لانهاء اي نزاع عائلي عادي، وقد يتصاعد الموقف عند تعذر الحل التقليدي الى اساليب اكثر حسما تنهي المشكلة من اساسها . وتريح الطرفين، احدهما براحة ابدية . والثاني براحة مع الاشغال الشاقة المؤبدة. اما في (العالم العائلي الاول) فقد تطورت اساليب الصراع المنزلي بما يناسب التطور الحضاري الذي شمل العالم الدولي الاول، واصبحت الحرب المباشرة بين الزوجين اسلوبا باليا لحل الصراعات بينهما . وكما الحال في العالم المتحضر تحولت الحرب التقليدية الى حرب باردة باسلحة اشد برودة، لانقطة دم ولا صفعة يد .. ولا رفسة قدم، بل ولا حتى اعادة تذكير كل طرف للطرف الآخر باصوله .. واصول اجداده التي يحرص كل منهما غالبا على تجاهلها او تناسيها.! الحرب المنزلية تبدأ اولا بمرحلة الصمت والتجاهل، فكل طرف يعيش في المنزل وكأنه لايرى الطرف الآخر ولا يحس بوجوده، وشيئا فشيئا تتعطل لغة الكلام .. وتتوقف حاستا السمع والبصر، ويبدو الوضع كما لو كنا في معهد للصم والبكم، مع فارق ان الصم والبكم يتفاهمون بلغة الاشارة، اما الزوجان في حربهما الباردة فلا اشارة ولا عبارة، خاصة وان كل طرف يتصرف وكأنه لا يرى الآخر، ويبدو هذا الوضع غاية في الطرافة لمن يسعده الحظ بالتواجد اثناء ممارسة هذه الطقوس العجيبة، سواء كان المشاهد من الاولاد او من الخدم. مع مرحلة الصمت السلبي هذه تبدأ المرحلة الاخطر والاهم عندما تشتعل الحرب الاعلامية ... ويبدأ نشر الغسيل الـ (.. ) لكل منهما عن كل منهما، هذا الغسيل الذي حرص الطرفان على اخفائه سابقا في اطار العلاقات الودية قبل ان يبدأ الصدام، وتتسع دائرة البث الاعلامي لتشمل الاقارب . ثم الجيران .. ثم الاصدقاء والمعارف، وشيئا فشيئا يصبح الجميع على وعي تام بكل ماخفي عنهم سابقا من الوجه الآخر لكل من الزوجين .. وعلى دراية كاملة بحقيقة الاصول التي نشأ وترعرع فيها كل منهما ، وهي الاصول التي حرص الزوجان طويلا على التعتيم عليها طبقا للحديث الشريف اذا بليتم فاستتروا». وتستمر الحرب الباردة متخذة صورا واساليب ترتفع حدتها يوما بعد يوم حتى تصبح حديث المجالس والنوادي، وهنا قد يرى بعض العقلاء ان الحكاية زادت عن حدها، ويرى بعض الاقارب انهم قد اقحموا في معارك لاناقة لهم فيها ولا جمل .. وان الحرب الاعلامية قد وصلت شظاياها الى بيوتهم واصبحوا جزءا منها احيانا . وهدفا لها احيانا اخرى، فيبدأ تحرك الوسطاء واولاد الحلال سعيا الى فك الاشتباك البارد، قبل ان يتدخل السلاح .. وتقع (الفاس في الراس) خاصة بعد ان يكون طرفا النزاع قد احس كل منهما انه قد (عك) اكثر من اللازم، وانه قد (زودها حبتين) وربما ثلاث، وباختصار اكثر بعد ان يشعر الاثنان ان فضيحتهما قد اصبحت (بجلاجل) . وان المستفيد الاول والاخير من هذه الحرب الباردة ماديا. الساخنة اعلاميا هم الجيران والاقارب والاصدقاء، الذين اتيحت لهم عن طريق هذاالبث الاعلامي فرص معلوماتية نادرة عن كل ما خفي من حسب ونسب واصول واجداد كل من الزوجين، وانكشفت امامهم كل الوقائع والاحداث التي حرص كلاهما على التعتيم عليها والتي تتعلق بكل صغيرة وكبيرة من خصوصيات خصوصياتهما. وفي النهاية .. تنفض الحرب الباردة وقد خسرها الاثنان معا .. وكسبها المتفرجون ببلاش!