عندما نجد أنفسنا، أخيراً، أمام النموذج الذي اخترناه لنختتم به هذه الإطلالة على جماليات المكان في محاريب المساجد المقامة في عواصم الغرب ومدنه الكبرى، وهو نموذج محراب مسجد المركز الإسلامي في نيويورك، فإن مجموعة من الخواطر والتأملات تشق طريقها إلى الذهن، ربما بشكل تلقائي تقريباً، لتضع النقاط على الحروف. دعنا نتذكر أننا هنا في المسافة الصعبة الممتدة بين ما يسميه أوليج جرابار بـ «الصورة الرسمية للإسلام» والتي يحرص رعاة مشروعات المساجد على أن تنعكس، بشكل أو بآخر، على العمارة، التي هي التجلي المادي الأكثر بروزاً لوجود الجماعات الإسلامية، أياً كان الأفق الذي يمتد تحته هذا الوجود، وبين الرغبة الملحة في أن تحمل العمارة الإسلامية خاصة في الإطار الحضري الغربي ملامح وخصائص حداثية، من دون قطيعة مع تقاليد الماضي المعمارية، وفي الوقت نفسه من دون الاصطدام بالسياق الغربي، الذي غالباً ما تكون له ضوابط صارمة. هذه المساجد، في نهاية المطاف، هي إفصاحات مادية دائمة عن الوجود الإسلامي وسط محيط غير إسلامي، وأياً كانت التنازلات التي يقدمها رعاة المشروعات والمعماريون أمام ضوابط السياق، فإنها تظل في حدود بعينها لا تتجاوزها، وتبقى في الإطار الأسلوبي في المقام الأول. ولما كانت هذه المشروعات بحكم طبيعتها، من الضخامة واتساع نطاق التأثير بحيث إنها تستقطب اهتماماً رسمياً، سواء من جانب سفراء الدول الإسلامية أو قادتها أو المسئولين فيها، فإن هذا ينعكس إيجاباً في صورة توفير الموارد المالية والقدرات المادية والفنية، ولكن لا شك في أنه ينعكس سلباً كذلك، في صورة الضغط على المعماريين للاقتراب من الصورة التي حدثنا عنها أوليج جرابار، أو على الأقل لجعل المشروعات تحمل في النهاية الطابع التمثيلي لأقاليم أو مناطق بعينها. وبغض النظر عن قبولنا لما طرحه جرابار أو رفضنا له، فإن الحفاظ على صورة إسلامية يمكن إدراكها بشكل فوري ظل هماً مؤرقاً لرعاة هذا النوع من مشروعات المساجد. وقد كانت المباني المنتمية إلى صدر القرن العشرين، في المقام الأول، أكثر نزوعاً إلى الطابع الحرفي الدقيق في تعبيراتها التاريخية، بحيث عكست طروحات تكاد تكون استشراقية تقريباً. بالمقابل فإن المساجد الأحدث عهداً، التي رأت النور في الثمانينيات والتسعينيات من القرن العشرين، تفصح عن رغبة أصيلة، لا موضع لإنكارها، في تحقيق تعبير أكثر نزوعاً إلى الحداثة. وقد تجلى مفهوم الحداثة الإسلامية في تجسيدات مادية في وقت لاحق في الغرب مقارنة بالتجلي السابق زمنياً الذي ظهر تحت آفاق الدول العربية والإسلامية. المدهش هنا أنه بينما كانت الدول والجماعات الإسلامية تقيم صرح مساجد ومراكز إسلامية في الغرب تنحو إلى التجريب الحداثي، كان هذا التجريب الحداثي يتراجع في الغرب، مفسحاً المجال أمام عمليات تكرار واستحضار، تنتمي إلى نماذج من الماضي الغربي. ومن الواضح أن الجماعات الإسلامية ذات الأصول العرقية المتعددة والمنابع الثقافية المتباينة ستواصل الإفصاح عن وجودها، في جميع أنحاء العالم، خاصة مع تزايد أعدادها واتساع نطاق قدراتها وتأثيرها في المجتمعات التي توجد على أرضها، ولكنها في غمار ذلك ستواجه مهمة مزدوجة لا ينقصها الصعوبة ولا التعقيد، فهي من ناحية مطالبة بتكريس هويتها الإسلامية، ومن ناحية أخرى مطالبة بالتأكيد على مشاركتها ومساهمتها في شئون أمة بعينها ومجتمع محلي بذاته داخل هذه الأمة. في ما يتعلق بالمحراب، على وجه التحديد، من الواضح أنه حظي بقدر ليس باليسير من الاهتمام، في إطار هذه النوعية من المساجد، إذا لا سبيل إلى تجاهله أو التقليل من التركيز عليه، بل انه كثيراً ما تم اللجوء إلى إبراز المحاريب من داخل هذه المساجد ومن خارجها على السواء، سواء أكان ذلك معمارياً أم على صعيد مخطط الزخرفة. مع ذلك، فعلى الرغم من أن بيوت الصلاة في بعض هذه المساجد كانت العنصر الأكثر نجاحاً، إلا أن هذا التعميم لا يمكن ـ بالقطع ـ سحبه على المحاريب، التي لا تزال تواصل فرض تحدياتها على المعماريين ومبدعي مشروعات الزخرفة والتجميل على السواء. حداثة ولكن... لم تكن منطقة نيويورك الكبرى تضم في السبعينيات إلا اثني عشر مسجداً، لكن هذا الرقم قفز في عام 1995 إلى 250 مسجداً. وقد استغرق تحول المركز الإسلامي ومسجده في نيويورك من فكرة إلى واقع عدة عقود، فقد قامت الحكومات السعودية والكويتية والليبية بشراء الموقع في عام 1966، وقد حلقت الآمال المعقودة على المشروع عالياً، حيث جرى تصور امكانية إقامة ناطحة سحاب ارتفاعها أربعون طابقاً، تكون بمثابة وقف للانفاق على المسجد والمركز من ريعها، غير أن هذا التصور لم يقدر له أن يرى النور قط. في عام 1981 أعيد إطلاق المشروع في إطار مختلف، وو ضع الشيخ جابر الأحمد الصباح، أمير الكويت الذي تبرعت بلاده بتغطية نصف تكاليف المشروع، حجر الأساس للمشروع في سبتمبر 1988، وتم الانتهاء من المرحلة الأولى للمركز في عام 1991. على الرغم من أن المشروع قد ضم عناصر ترتبط تقليدياً بعمارة المساجد، ويسهل إدراكها من النظرة الأولى، إلا أن البناء صيغ في إطار مقولات حداثية، بناء على توجه الجالية المسلمة في نيويورك المؤلفة من حشد من الجاليات، في مقدمتها الجاليات ذات الأصول اللبنانية والباكستانية واليمنية والتركية، والتي تضم بين عناصرها أعداداً كبيرة من المثقفين والمتعلمين، ومن هنا جاء حرصهم على أن يكون المركز والمسجد تعبيراً حداثياً عنهم، وهو التوجه نفسه الذي أيدته الدول الإسلامية من خلال بعثاتها لدى الأمم المتحدة. كما كانت الحال في العديد من المراكز الإسلامية الأخرى، كانت في مقدمة المشكلات التي تعين على المعماري معالجتها في هذا المشروع مشكلة معالجة المظهر الخارجي للمبنى واندراجه في السياق الحضري المحيط به، حيث يحتل الموقع مكاناً مميزاً، هو تقاطع الجادة الثالثة والشارع السادس والتسعين في حي الأبر إيست سايد بنيويورك. لكن كيف تم حل هذه المشكلة على وجه الدقة؟ دعنا نلاحظ أن هذه المشكلة ظهرت، بشكل أو بأخر، في حالات المراكز الإسلامية في لندن وواشنطن وروما، ولا شك في أن دراسة مقارنة للكيفية التي عولجت بها في هذه الحالات جميعها من شأنها أن تكون شيئاً مثيراً للاهتمام حقاً. غير أنه في حالة نيويورك كانت هذه المسألة على جانب كبير من التعقيد بحيث إنها، في نهاية المطاف، فرضت أكثر من محاولة للتعامل معها. عهد بالمشروع في البداية للمهندس المعماري على دادراس غير أن التصميم الذي أعده لم يلق حماساً يذكر من جانب أعضاء مجلس الأمناء، الذين غلب على معظمهم الاعتقاد بأن من الصعب أن يرى هذا التصميم النور على أرض الواقع، ذلك أن ما أرادوه حقاً هو تصميم يعكس الموقع النيويوركي الذي سيطل فيه ويخاطب الحس التصميمي المركب لدى أبناء المدينة والجاليات المقيمة بين ظهرانيها. في ضوء هذين العنصرين الأخيرين، على وجه التحديد، قام مجلس الأمناء في عام 1987 بتكليف مكتب نيويورك التابع لمؤسسة سكيدمور، أوينجز، أند ميريل بوضع تصميم للمشروع بإشراف مايكل مكارثي، الذي تابع المجلس بشكل مباشر انجازات معمارية سابقة له في الكويت وفي مبنى السفارة الكويتية في واشنطن. غير أن تصميم المنارة عهد به بشكل منفصل، ولأسباب لم يتم إيضاحها على وجه الدقة، لمؤسسة سوانكي هيدن كونيل اسوشيتس، فعهدت به الأخيرة إلى أحد مهندسيها وهو المعماري التركي الطون جورسيل. هنا ينبغي ان نلاحظ مسألة على جانب كبير من الأهمية، وهي أن المعماريين كانوا يتلقون النصح، حتى لا نقول التوجيه، من لجنتين من الخبراء اختار القائمون على المشروع أعضاءهما، حيث دعت إحدى هاتين اللجنتين المعماريين إلى تبني المؤثرات التاريخية السائدة في عالم عمارة المساجد بصورة حرفية، بينما بادرت اللجنة الأخرى وهي مؤلفة أساساً من مؤرخين للفن والعمارة ونقاد اختصاصيين في هذا المجال ـ بادرت إلى دعوة المعماريين إلى تبني أسلوب للتعبير أكثر اتساماً بالعصرية مع الالتزام، بالطبع، بالأعراف المعمارية الإسلامية، وذلك لإقامة صرح مبنى أكثر ارتباطاً بالسياق الحضري النيويوركي. في نهاية المطاف، تأثر المعماريون بـ «نصائح» اللجنة الثانية، واستجابوا لإصرار القائمين على المشروع على أن تكون للمسجد منارته وقبته. مقرنصات من نور لم يكن هذا هو كله ما هنالك من ضغوط ومؤثرات وضوابط ينبغي أن توضع موضع الاعتبار في تصميم المسجد، وإنما كان هناك موقع المسجد نفسه الذي يفرض نفسه عند تقاطع منطقة حضرية حافلة بالحركة وعناصر الحياة النيويوركية المتدفقة، وقد دفع هذا بالمعماريين إلى تصميم مبنى يمكن وصفه بأنه محتو لذاته عاكف عليها ومتراجع عن الشوارع التي يطل عليها، وذلك ـ بالطبع ـ لتحقيق هدفين محددين: أ ـ إتاحة فضاء خارجي لاستيعاب من لم يستوعبهم المبنى الرئيسي، خاصة في الأعياد وأيام الجمع والمناسبات. ب ـ إبعاد عناصر التشويش الصادرة عن والحركة المنبعثة عن الشوارع وعدم السماح بانسيابها إلى بيت الصلاة الذي يرتفع قائماً بزاوية على شبكة تعامدات المدينة. من الجلي أن هذا المنهاج أدى إلى إبراز المسجد في إطار حضري كان لولا هذا المنهاج كفيلاً بجعل كل ما يشيد فيه مصبوغاً بصبغته، ومندرجاً فيه، فالمسجد أطل تحت الأفق كصرح على منصة مرتفعة. وكانت عزلته عما حوله هي الثمن الذي تعيّن دفعه لقاء تكريس حضور معنوي ومادي ركين في هذا الحي النيويوركي. غير أنه مع التسليم بما فرضه الموقع من صعوبات وأوضاع متناقضة على المعماريين، إلا أن كثيراً من الخبراء والاختصاصيين يرون أن ما انتهى إليه المشروع أقل إرضاءً مما خلص إليه المعماريون في مواقف مماثلة، ومنها على سبيل المثال التخلص المعماري البارع الذي سبق أن رأيناه في مسجد شفيق عماش في بيروت ومسجد بن مدية في دبي، فضلاً عن المركز الاسماعيلي في لندن. دعنا نتأمل الأمر على مهل، فبسبب اعتبارات التوجيه المعروفة اتخذ المسجد وضعاً زاوياً على شبكة تعامدات الشارع، وهو نفسه قائم على شبكة مربعة، ونظرة واحدة إليه كفيلة بإيضاح أنه مكعب امتد علواً، تكسوه قبة واحدة على غرار المسجد التركي التقليدي. وهذا التصميم اقترحه معماريو المشروع ومن بينهم مصطفى عبدان، وهو مهندس معماري تركي معروف. لكن ما هو جوهر هذا التصميم بالضبط وما علاقته بمطلبنا هنا وهو إلقاء الضوء على محراب هذا المسجد؟ أول ما نلاحظه، في معرض الرد على هذا السؤال، هو أن الفضاء المحوري للمسجد يتميز بالارتفاع الذي يصل إلى 27 متراً، والذي يتشكل عبر أربعة جمالونات تدعم القبة الاسمنتية المكسوة بالصلب والنحاس، والتي ينساب منها طابق الميزانين ـ الطابق المسروق ـ المخصص كبيت صلاة للنساء في الأسفل وفي مؤخرة القاعة. يلفت النظر أيضاً أن هذه الجمالونات الواقعة أسفل القبة بها فتحات زخرفية مربعة، ينهل منها الضوء الطبيعي لتساهم مع الأضواء الموجودة في الأركان الأربعة في إضاءة بيت الصلاة. والأعمدة المتدرجة القائمة عند الأركان الأربعة تؤدي بالإضافة إلى دورها الهيكلي في دعم القبة دوراً آخر في الربط على صعيد بصري بين الجمالونات والقبة، الأمر الذي يسمح بالانتقال السلس بين المربع والقبة. من شأن نظرة واحدة إلى القبة أن توضح لنا مدى تعبيرها عن روح الحداثة، التي نشدها القائمون على المشروع، وذلك عبر التشكيل البديع المجسد بالضلوع المنفذة بالصلب للقبة والتعبير المتناغم لدعائم هذه الضلوع بخواصها المميزة، التي تدعمها الإضاءة الطبيعية المنهلة من الفتحات المربعة، والتي تطل بلغة معمارية حداثية لا موضوع للتشكيك في روعتها وقوة تأثيرها في النفس. يتكامل مع هذه اللغة المعمارية الفريدة مشروع الزخرفة الخاص بالمسجد، وهو مشروع يلفت نظرنا فيه ـ على الفور تقريباً ـ أن الزخرفة الداخلية لا تعتمد على استخدام عناصر التجميل بالطريقة التقليدية، فالسعي هنا هو في المقام الأول هو إلى تحقيق أسلوب جديد في إطار الضوابط الفنية للبناء. دعنا نلاحظ أن فضاء المسجد بكامله جرى تصميمه وتصوره وتنفيذه بحيث يعكس تقابلاً بين بساطة المواد ذات اللون الواحد، التي تشمل مسطحات القرميد الأزرق والزجاج الضارب إلى الخضرة التي تبرز في المناطق العليا من بيت الصلاة وأيضاً في المحراب الذي يأخذ شكل مقرنصات من نور أزرق شاحب يحيط بها افريز يضم آيات من القرآن الكريم نُقشت باللون الذهبي بخط كوفي بديع. ويتألق الضوء الاصطناعي من خلال حلقة من المصابيح المعلقة من الأسلاك المتخذة من الصلب، وذلك في ترداد لأصداء المشكاوات التي اعتادت عليها عيوننا في المساجد العتيقة. غني عن البيان أن أركان المبنى الرئيسي وأعلاه قد جعل مشطوف الحواف للتأكيد على القبة وجذب الأنظار إليها وإلى الهلال بديع الصنع الذي يعلوها، بينما داخلها مزخرف بتسعة من أسماء الله الحسنى. في هذا الإطار فإن محراب هذا المسجد يتكشف لنا عن عمل فني بديع، بُذل فيه جهد خارق، ويبرز فيه من جديد التوجه الحداثي وفي الوقت نفسه استحضار القديم والتقليدي، ولكن بلغة معمارية مختلفة. كيف ذلك؟ التحليق لآفاق التجريد لقد سبق لنا ان رأينا كيف ان المحراب لا يمكن إلا ان يمثل معضلة حقيقية بالنسبة للمعماري، فهو من ناحية مكون أساسي في بيت الصلاة لا سبيل إلى تجاهله، وهو من ناحية أخرى يشكل معضلة الجمع بين الصرحية وبين الأبعاد الإنسانية المرتبطة بوظيفته كمصلى للامام يوفر صفاً بامتداد بيت الصلاة، وهو من ناحية ثالثة ساحة للابداع المعماري، ومن ناحية رابعة يشكل تحدياً حقيقياً لمن يتصدى لمشروع الزخرفة، وهو خامساً يفرض تأملاً طويلاً وتنفيذاً دقيقاً فيما يتعلق بعنصر الاضاءة، وبوسعنا ان نمضي في تعداد النقاط المهمة فيه على هذا النحو، ربما بلا انتهاء. هنا، في المركز الإسلامي الثقافي بنيويورك، نلاحظ ان المحراب كمفهوم وكمكون معماري ينحاز إلى البعد الإنساني، على الرغم من الطابع الصرحي لبيت الصلاة الذي هو ـ كما سبق لنا القول ـ مكعب امتد علوا على نحو لافت للنظر، وهذا الانحياز للبعد الإنساني ليس صدفة وانما هو مقصود، ويحرص المعماري على تأكيده، بدليل انه يشدد عليه في دائرة النور المتمثلة في المصابيح المنتظمة في شكل يعيد أصداء الثريات التقليدية ولكن على ارتفاع خفيض يعيد التأكيد على البعد الإنساني. المحراب نفسه يقدم بلغة حداثية اعادة تجسيد لمفهوم المقرنص، سواء من خلال الزجاج المنحوت نحتاً بديعاً، أو عبر الاضاءة التي تؤكد الاهاب اللوني الأزرق الشاحب لكتلة المحراب. هذا الحس النحتي، من ناحية، والحرص على البعد الإنساني، من ناحية أخرى يتأكدان من خلال جانب آخر هو المنبر الذي يأخذ في ارتفاعه الارتفاع نفسه الذي يأخذه المحراب ويردد البساطة عينها التي تحلق إلى آفاق التجريد. يهمني هنا أن أشير ايضا إلى ان المعماري حرص على ألا يترك كتلة المحراب كياناً منبتاً عن باقي مكونات بيت الصلاة والمسجد بشكل عام، ولو انه فعل ذلك لبدا لنا المحراب، على الرغم من كل الجهد المميز الذي بذل فيه، كتلة حائرة ضائعة وسط كيان المسجد، ومن هنا جاء الحرص على ترداد أجواء المحراب في أكثر من موضع من المسجد وكأنه يتناغم مع هذه المواضع لتحقيق تكامل بصري فريد. فلنتوقف أمام المدخل الرئيس لبيت الصلاة، وعلى الفور سنلاحظ العناصر التالية التي تربطه، بشكل مباشر، بكتلة المحراب: ا ـ البعد الإنساني، خلافاً لميل معظم المعماريين إلى تقديم مدخل حرفي مهيب لبيت الصلاة، فإننا هنا نجد أنفسنا أمام مدخل يقارب في حجمه حجم المحراب، وكأنه يمهد نفسياً وبصرياً وروحياً للقاء المصلى بالمحراب، هذا اللقاء الذي يشكل ذروة تجواله في المسجد. ب ـ التنويع على موضوعة المقرنص: هنا أيضاً سنلتقي باستحضار عبر مفردات معمارية حديثة للمقرنص التقليدي الذي يشكل جزءاً لا يغيب عن العين من مكونات العديد من المساجد التقليدية العريقة، لكننا كما هي الحال في المحراب ـ أمام اعادة نحت مختلفة لشكل المقرنص، تومئ له، وتوحي به، لكنها لا تستنسخه، ولا تقلده تقليداً أعمى. ج ـ التوظيف البارع للاضاءة: كما في المحراب، فإننا عند مدخل بيت الصلاة الرئيس سنجد ان الاضاءة تشكل بعداً جمالياً مدهشاً، فهي لا تدع النور ينهل لمجرد أداء وظيفة، وانما هي تشارك في التكوين الفريد للمقرنصات وتحيل لونياً إلى التجانس الذي يهيمن على بيت الصلاة بأسره. ء ـ التأكيد على محور المحراب: يعتمد المعماري العديد من العناصر والسبل التي يتم من خلالها التأكيد على محور المحراب، باعتباره المحور الرئيس في بيت الصلاة، ومن المؤكد ان تكرار أصداء المحراب في المدخل الرئيس لبيت الصلاة يستهدف في أحد أبعاده التأكيد على هذا المحور، وهي مهمة من الجلى أنها تتحقق هنا بشكل بارع. أخيراً، قد يمكننا ان نشير إلى انه إذا كان الانتقاد الرئيس الذي يوجه إلى الجهد الذي بذله المعماري في هذا المسجد هو انه لم يوفق كل التوفيق في المواءمة بين المسجد وبين محيطه الخارجي، فإن الانتقاد الذي يمكن توجيهه إلى الجهد الذي بذله في المحراب، هو انه على الرغم من تعدد ايماءاته المعمارية البارعة، الا انه في نهاية المطاف يظل هناك شعور بالاختلال بين صرحية بيت الصلاة وبين مفهوم المحراب ذاته بغض النظر عن مدى توفيق الاستحضار المعماري للمقرنص معماراً ونحتاً واضاءة.