الإسلام دين حركة وحياة وعمل وقدرة «وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون» ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملاً أن يتقنه» ويقول كذلك: «من أمس كالاً من عمل يده بات مغفوراً له». والصوم في حقيقته رياضة للنفس وارتفاع بالانسانية إلى أفق كريم وجهاد كبير يطبع المسلم بطابع القوة ويزيد من طاقته في ميدان العمل ومن عجب ألا يفطن بعض المفتونين في عصرنا إلى هذه الحقيقة فيحاولون الغض من شأن الصوم واغراء البعض بالتفلت من قيوده بحجة الحفاظ على العمل وزيادة الانتاج ونسي هؤلاء ان المسلمين الأولين الذين فهموا الاسلام حق الفهم وعملوا به حق العمل كانوا يرون في الصيام عبادة ايجابية لا الفريضة فحسب بل وصوم التطوع الذي كانوا يحرصون عليه مختارين فلا عجب ان ظهرت فيهم البطولات وحدثت منهم العجائب. أما حين نرى في عصرنا بعض المسلمين يستثقلون هذه الفريضة ويفزعون من مشقتها وفيهم الشباب القوي والصحيح القادر فإنه لأمر يبعث الأسى في النفس ويكشف عما أصاب المسلمين في عصرنا من وهن واختلال كما ان هناك البعض يحرص على تضييع معاني الصيام وجلال رمضان واحاطة لياليه بجو من الهزل حتى تضيع معالم العبادة فيه وتمحى معانيه من نفوس المسلمين وهذا لهو ينبغي ان يتنزه عنه المسلم وان ينأى عن مواطنه وان يكون مثله الأعلى في رمضان ما كان عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم من هدي كريم، فقد كانت سنته صلى الله عليه وسلم أن يجعل من ليالي رمضان وأيامه موسماً للعمل والخير يفيض بأنواع الطاعات ويكثر فيه من العبادات واشاعة المعروف بين الناس. والاسلام دين العمل لا يهتم بالعمل فحسب وإنما يقدره كل التقدير وينظر إليه نظرة عالية ملؤها الاعظام والاكرام فجعله من صميم الطاعة والعبادة ووضعه في المرتبة الثانية بعد الصلاة التي هي الركن الشامل لجميع أركان الإسلام وهذا حق العمل لأن الصلاة إذا كانت غذاء الروح فإن العمل سبب حيوية الأجسام ومصدر تكوينها وان قعدت عنه هلكت وان قصرت فيه ضعفت وان تركته كان مآلها الخراب لذلك جمع الله بين العمل والصلاة في آية واحدة اشارة إلى انه مثلها في المنزلة والمكانة ونظيرها في الأجر والثواب قال تعالى: (فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله واذكروا الله كثيراً لعلكم تفلحون)، ورسول الله صلى الله عليه وسلم علم الصحابة والأمة انه لا رهبانية في الإسلام، وان العمل الدنيوي إذا اتقن وصحت فيه النية وروعيت أحكام الإسلام هو عبادة في نفسه وان سعي الانسان على معاشه ليعف نفسه أو يعول أهله أو يحسن إلى أرحامه وجيرانه أو ليعاون في عمل الخير ونصرة الحق إنما ذلك ضرب من الجهاد في سبيل الله ولهذا قرن الله بينهما في سورة المزمل في قوله تعالى: (وآخرون يضربون في الأرض يبتغون من فضل الله وآخرون يقاتلون في سبيل الله فاقرأوا ما تيسر منه». ان قليلاً من القرآن الكريم تقوم به ليلاً مع كثير من الجهاد يستنفد الوقت نهاراً هذا هو الدين ومعنى ذلك ان انساناً لو سهر الليل في قراءة القرآن ثم أصبح يفتح متجره متكاسلاً ويعرض بضاعته متواكلاً رجل يخون الاسلام لأنه ضيع التجارة الاسلامية وضياع التجارة الاسلامية ضياع للإسلام. فلنجعل من شهر رمضان موسماً للعمل ونحن جميعاً مطالبون بالاخلاص في العمل وبالكفاح المثمر وذلك لسد حاجة أمتنا إلى زيادة الانتاج ودفع عجلته في قوة وصلابة انطلاقاً من ديننا واسلامنا الذي يحض المسلم على ان يعيش كريماً عزيزاً أبياً، وقد وعدنا الله عز وجل بالتمكين في الأرض، فقال: «وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض». وبالله التوفيق. بقلم: أحمد عبدالتواب أحمد