ذكر الله سبحانه وتعالى الجبال في القرآن وبين عظمتها وروعتها وفائدتها، ثم بين جمالها الأخاذ وألوانها الساحرة، حيث يختلط اللون بالشحم والعظمة بالجمال، فيكون للشمم لون مميز وللعظمة جمال محبوب، وللارتفاع هيبته. فالجبال أوتاد الأرض، فهي ليست على سطح الأرض وإنما جزء كبير منها مغمور في الأرض. قال تعالى (والجبال أوتادا) النبأ: 7. وهي رأسية لا تهتز ولا تتزعزع، كما قال تعالى (والجبال أرساها) النازعات: ثم بعد هذا كله إلى ألوانها التي يحدثنا عنها ربنا سبحانه وتعالى فيقول (ومن الجبال جدد بيض وحمر مختلف ألوانها وغرابيب سود) فاطر: 27. وهنا تكتمل الصورة الجميلة البديعة، فانظر إلى ارتفاع الجبال التي خلقها الله تعالى فترى كثيرا منها أعلاها بارد يكتنفه الضباب أو يداعبه السحاب، أو ربما يمر السحاب بخصر الجبال فيقع بين برودة أعلاه ودفء أسفله فيتلاشى السحاب حتى ليخيل إليك كأنه يعانق الجبل ويرتمي بين أحضانه حتى ينقلب إلى قطرات من الندى تلامس سطح الجبال فتنتعش النباتات المتسلقة وتخضر الأشجار المتعلقة وترى جبلا كالثلج أو عليه ثلج ملتصقا بجبل أسود كالليل. ثم ترى بجانبهما جبلا، أجرد أقرع، تختلف ألوانه وألوان حجارته فتراه يتدرج بالحمرة من فاتح إلى غامق، وتنظر إلى صخوره العظيمة التي تظهر الخطوط فيها كأنها عروق تنبض بالحياة. وكيف لا تنبض بالحياة وهي التي تسبح بحمد ربها، قال تعالى (إنا سخرنا الجبال معه يسبحن بالعشي والاشراق) وقال (يا جبال أوبي معه والطير) وقد ترى الجبل الشاهق ولكن ترى أعلاه متقدما وأسفله متأخرا كأنه مع علوه وارتفاعه وعظمته يسجد لخالقه، وكيف لا، وهو يسجد حقيقة كما قال تعالى (ألم تر أن الله يسجد له من في السموات ومن في الأرض والشمس والقمر والنجوم والجبال) الحج: 18. لكن كيف تسجد وكيف تسبح؟ هذا ما لا نعرفه إلا بخبر ونص القرآن (ولكن لا تفقهون تسبيحهم) نعم ولكن علمنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم اهتز أُحُد طربا لما صعد عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعمر وعثمان. فقال له عليه الصلاة والسلام «اثبت أحد فإنما عليك نبي وصديق وشهيدان» وكذلك كان الحصى يسبح بين يديه والحجر يسلم. كيف لا والجبال قد عرضت عليها الأمانة فأبتها، وهي التي تستأذن ربها أن تطبق على الكافر (تكاد السموات يتفطرن منه وتنشق الأرض وتخر الجبال هدا أن دعوا للرحمن ولدا) مريم: 9091. أليس هذا امتزاج بين الجمال والخيال، وبين العظمة والخضوع. وبين الشمم والعطاء؟ فهد الهاجري