المسلمون اليوم في تعاملهم مع القرآن الكريم افتقدوا الوسائل والمناهج، حيث نجد شرائح كبيرة من مسلمي هذا العصر تتعامل مع القرآن من منطلق التبرك، وهناك من اقتصرت علاقته بالقرآن على أوقات الأحزان والمآتم، وهكذا تحول القرآن الذى أحيا أمة من العدم إلى كتاب للموتى يقرأ في الجنازات أو قطعة ديكور يوضع في «تابلوه» السيارات، لذا فإن تدبر القرآن، وكيفية التعامل الصحيح معه، يعد جزءا أساسيا من قضية تجديد الفكر الإسلامي، فماذا قدم الخطاب الإسلامي في هذا المجال؟ يكشف رصدنا للتجديد في هذا المجال أن ثمة نوعين من تجديد التعامل مع القرآن الكريم، الأول يتمثل في استخدام ومسائل التقنية الحديثة في تيسير عرض القرآن الكريم نصا وتلاوة، وتفسيرا وترجمة، عبر الوسائط المتعددة، فقد ظهر العديد من برامج الحاسب الآلي التي تعنى بهذا النوع، وهو ما يمكن تسميته بتجديد وسائل الحفظ وتيسير النص القرآني للمستخدم، وهو لا يدخل بشكل مباشر في عملية تجديد الفكر الإسلامي التي نحن بصددها. بينما يدخل النوع الثاني في صميم ما نعنيه بالتجديد، ويتمثل في المحاولات التي يقوم بها علماء الدين والمفكرون في تصحيح تعامل المسلمين مع القرآن الكريم فهما واستيعابا وتطبيقا، والتي لا تصنف بشكل مباشر تحت لافتة تفسير القرآن الكريم بالمعنى المتعارف عليه والذي سبق أن تناولناه في الحلقتين السابقتين. لا شك أن ثمة جهودا عديدة عنيت بهذا المجال، ولكن سوف نتوقف أمام إسهامين متميزين في هذا الميدان، الأول للشيخ محمد الغزالي، فقد توزعت إسهاماته في تصحيح تعامل المسلمين مع القرآن الكريم، في العديد من كتبه ومقالاته، إلا أن المدارسة التى أجراها معه الأستاذ عمر عبيد حسنة وصدرت عام 1991 بعنوان «كيف نتعامل مع القرآن» قد تضمنت رؤيته الكاملة لقضايا التعامل مع القرآن الكريم بدءاً من تجربة الغزالي في حفظ القرآن خلال طفولته وحتى أسلوب إدراك السنين الإلهية التي تضمنتها الآيات القرآنية كوسيلة للشهود الحضاري ومروراً بالعديد من القضايا المتعلقة بتعامل المسلمين مع القرآن الكريم فهما وتنزيلاً وتدبرا وتفسيراً وغير ذلك من مستلزمات التلقي القرآني والتعامل مع النص. وأول خطواته لتصحيح تعامل المسلمين مع القرآن تبدأ بتصحيح مفهوم قراءة كتاب الله، فهو ينتقد الوقوف عند الجانب الشكلي للقراءة دون التدبر والفهم «فأصبح المسلم اليوم يقرأ القرآن لمجرد البركة، كما يقولون، وكأن ترديد الألفاظ دون حس بمعانيها، ووعي لمغازيها، يفيد أو هو المقصود» ويرى أن هذا الموقف مرفوض من الناحية الشرعية، ذلك أن قوله تعالى: «كتاب أنزلناه إليك مبارك ليدبروا آياته وليتذكر أولوا الألباب» ص: 29. يعني الوعي والإدراك والتذكر والتدبر.. فأين التدبر وأين التذكر مع تلك التلاوة السطحية؟ وينبه الغزالي إلى شمول الرؤية القرآنية مبينا أنها تربط بين العقيدة والكون والنفس البشرية في وقت واحد فيقول: تتبعت كلمة: «أولوا الألباب» في القرآن الكريم في ستة عشر موضعاً أثناء الحديث عن النفس والكون، والتاريخ الماضي، والحديث عن الله. وجدت أن القرآن ليس كتاباً فنياً مقسماً على قضايا معينة، ثم تنقطع فيه الرؤية الشاملة، بل هو يعرض الكون وهو يبني العقيدة.. ويعرض الكون وهو يربي الخلق.. ويمزج الجميع بطريقة مدهشة. فالنظر في الكون والواقع والتاريخ يقود إلى الإيمان، ويؤصل التوحيد، ويبنى الخلق. فقوله تعالى:(ياأيها الناس اعبدوا ربكم) البقرة: 21. فهذا توحيد، فيه أمر للناس بالعودة لله، لكن (الذى خلقكم والذين من قبلكم لعلكم تتقون، الذى جعل لكم الأرض فراشا والسماء بناء وأنزل من السماء ماء فأخرج به من الثمرت رزقا لكم فلا تجعلوا لله أندادا وأنتم تعلمون) البقرة: 22. فالقرآن يعرض الكون ومظاهره، وحقائقه وهو ينفي الشركاء يؤسس عقيدة التوحيد، هذا في المدينة المنورة. كذلك نجد المسلك نفسه في مكة، حيث يقول الله تعالى: (الله الذى جعل لكم الليل لتسكنوا فيه والنهار مبصرا إن الله لذو فضل على الناس ولكن أكثر الناس لايشكرون ذلكم الله ربكم خلق كل شيء لا إله إلا هو فأنى تؤفكون كذلك يؤفك الذين كانوا بآيات الله يجحدون) -غافر: 61-63. وفى تصحيحه لفهم الخطاب القرآني يفرق الغزالي بين الخطاب الموجه للفرد والخطاب الموجه للدولة أو السلطة. فيقول: «الشعب يعاون الحكومة في تطبيق الأحكام، أما العمل الذي تقوم به الدولة، فلا يترك للأفراد ولا يطلب منهم، فكيف أنظم الجهاد مثلا؟ الجهاد لابد له من أجهزة تشرف عليها الدولة.. فمثلاً الأمر الإلهي: جاهدوا في سبيل الله.. كيف ينفذ؟ لا يمكن للإنسانأن يخرج ويقاتل من نفسه. لابد أن يسلم نفسه للدولة المسلمة. كذلك القضاء الأمر يحتاج في تحقيق الجرائم واثباتها ومعرفة الجدير بالعقاب أو من تاب الله عليه، كل ذلك يحتاج إلى تخصصات وأجهزة تشرف عليها الدولة. فإذا سقطت الدول الإسلامية، فجهد الناس إقامة الدولة التي تقوم بوظيفتها.. أي أن نصيبهم من الخطاب إقامة الدولة.. وفى غياب الدولة، لا يمكن أن أعطي الأفراد حقوق الدولة.. هذا باب إذا فتح فتحت معه أبواب الفوضى كلها، وأبواب الهمجية لأن كل انسان سيدعي أنه يقيم حكم الله وهو لايدري ماحكم الله. وتتعدد السلطة.. الخ. وانطلاقا من هذا التمييز بين الخطاب الموجه للفرد والخطاب الموجه للدولة، يوضح على سبيل المثال أن الخطاب القرآني الوارد في قوله تعالى: «والسارق والسارقة فاقطعوا أيدهما جزاء بما كسبا نكالاً من الله»- المائدة: 38- موجه للدولة وليس للأفراد. أما الإسهام المتميز الثاني في هذا الميدان، فقد قدمه للدكتور يوسف القرضاوي في كتابه بعنوان «كيف نتعامل مع القرآن العظيم ؟» ويؤكد فيه أنه حق هذا القرآن أن نحسن التعامل معه: حفظا واستظهارا، وتلاوة واستماعا، وتدبرا، وتأملا. وان نحسن التعامل معه فهما وتفسيرا، فليس هناك أفضل من أن تفهم عن الله مراده منا. وما انزل كتابه إلا لنتدبره، وننفقه أسراره، ونستخرج لآلئه، كل بقدر ما يتسع واديه. وينبه الى ضرورة أن نحسن التعامل مع القرآن اتباعا له، وعملا به، وحكما بشريعته، دعوة إلى هدايته، فهو منهاج لحياه الفرد، ودستور لسياسة الحكم، ودستور للدعوة إلى الله تعالى. ويلفت النظر إلى المقاصد التي دعا القرآن الكريم إليها ومن أبرزها: تصحيح العقائد والتصورات للألوهية والرسالة والجزاء. وتقرير كرامة الإنسان وحقوقه، وخصوصا الضعفاء من الناس. وتوجيه البشر إلى حسن عبادة الله تعالى وتقواه. والدعوة إلى تزكية النفس البشرية. وتكوين الأسرة الصالحة وإنصاف المرأة. وبناء الأمة الشهيدة على البشرية. والدعوة إلى عالم إنساني متعاون. كل هذه المقاصد تحدث عنها القرآن وأشار إليها في مواضع عدة، فعلى سبيل المثال يتجلى المقصد الاول (تصحيح العقائد والتصورات) في عدة أمور، من ابرزها: ارساء دعائم التوحيد.، تصحيح العقيدة في النبوة والرسالة. وتثبيت عقيدة الايمان بالآخرة والجزاء. وفى تناوله لتلاوة القرآن وسماعه، يعرض لآداب التلاوة و الترتيل وحكم التلحين والترجيع في القرآن، ومفهوم التدبر ولوازمه وآثاره، وكيفية التجاوب مع القرآن و الاستماع إليه. ونتوقف عند التدبر باعتباره من اعظم آداب التلاوة، ويعنى التدبر: النظر في أدبار الأمور، أي في عواقبها. فيؤكد الدكتور القرضاوي أن منزل القرآن سبحانه وتعالى لم ينزله إلا لتتدبر آياته وتتفهم معانيه، حيث يقول عز وجل بخطاب رسوله: «كتاب انزلناه اليك مبارك ليتدبروا آياته وليتذكر أولوا الألباب». وفي معرض الحض والتحريض على التدبر، يقول تعالى في سورة النساء: «أفلا يتدبرون القرآن ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا» ويقول في سورة محمد «أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب اقفالها». وروى ابن عبد البر في (جامع العلم) عن علي رضي الله عنه: ألا لا خير في عبادة ليس فيها تفقه، ولا في علم ليس فيه تفهم، ولا في قراءة ليس فيها تدبر. والمتأمل في القرآن يجده زاخرا بجوامع الكلم، وجواهر الحكم وكنوز المعارف، وحقائق الوجود، وأسرار الحياة وعوالم الغيب وذخائر القيم وروائع الاحكام وعجائب التوجيه وغرائب الامثال وبينات الايات وسواطع البراهين. ولذا قالوا: أن في القرآن علم الاولين والاخرين. وقال ابن عباس: لو ضاع لي عقال بعير لوجدته في كتاب الله. و ينبه إلى أن إدراك هذه الأمور إنما يتحقق بطول التأمل والتدبر، لا بالخطف والاستعجال. وإذا لم يتمكن القارئ من التدبر في الآية إلا بترديدها، فليرددها وهذا ماكان يفعله رسول الله -صلى اله عليه وسلم - وصحابته والصالحون من سلف الأمة: يرددون بعض الآيات تدبرا وتأثرا. د. محمد يونس