ما هي إلا لمسة زر حتى ارتسمت صورة الدكتور النجار أمامنا وهو يشير مرحّباً، وبعد أن قدمنا له أنفسنا وعرفناه بمقصدنا ونيتنا الصادقة في البحث عن حكايات الشطار والصعاليك، ومعايشتهم والتحاور معهم، رحّب كثيراً وسر لحماستنا ومثابرتنا في الوصول الى تلك الوجوه الغائبة. قلت للدكتور محمد النجّار قبل أن ندخل جميعاً تلك العوالم عليك أن تمهّد لنا وتفرش دروبنا بالمعلومات التي ستكون زادنا في مواصلة هذا الدرب، وأرى ان نتحاور قليلاً كي نأخذ فكرة وافية عن هؤلاء النفر من الناس أو تلك الطبقة. قال الدكتور: انه رأي جميل.. الكرة الآن في ملعبكم وما عليكم إلا أن تسألوا فأجيبكم دون نقصان. قلت: ما سبب نشوء طبقة الصعاليك والشطار والعيارين، وما الذي دعاهم الى شق عصا الطاعة، وأخذ امورهم بالحيلة والقوة والشطارة؟ ـ لكم أن تعلموا أيها السادة أن هذه الطوائف من اللصوص المتمردين ـ بهذا السلوك تاريخياً وفنياً ـ إنما تهدف إلى إدانة عصر بعينه والثورة على طبقات بعينها، قُدر لها في ظل ظروف سياسية وتاريخية معينة أن تستأثر لنفسها بالسلطة أو المال أو بهما معاً، ومن ثم فموقف أصحاب هذه الطوائف المتمردة من أحداث عصرها ومن الهيئتين الاجتماعية والسياسية موقف رافض، متمرد، وطبيعي أن يكون لهذا التمرد دلالاته الاجتماعية والثقافية، مثلما كانت له مبرراته ودوافعه وبواعثه السياسية والاقتصادية والاجتماعية، ولا سيما في عصور التمزق السياسي أو التحول التاريخي أو الاضمحلال الحضاري. ـ من الطبيعي يا دكتور محمد أن تلقى هذه الطوائف من ولاة الامور والحكّام والسلاطين مقاومة عنيفة، فهي من وجهة نظرهم جماعات مشاغبة، تتحدى القانون والسلطة والشرعية. ـ نعم، خاصة وأنهم نجحوا في مرات كثيرة في الاستيلاء على السلطة وجباية الأسواق والتحكم في الثروات التي هي شأن السلطة السياسية. ـ ولكن لماذا يحظى هؤلاء الخارجون على القانون باعجاب العامة وتعاطفهم والاشادة بفعالهم وأحياناً كثيرة التستر عليهم.. ألا ترى أن هذا تناقض مثير؟ ـ اعتدل الدكتور محمد وبدأ في إرجاع نظارته الطبية الى الوراء وهانز يصغي بكل عناية ودقة لتلك المداخلة فقال: ولأمر ما أيضاً يؤثر عن هؤلاء حكايات وقصص وأخبار ونوادر وبطولات يرددها الخاصة والعامة جميعاً، ويتناقلونها جيلاً وراء جيل، وهي في كل ذلك تخضع لما تخضع له الرواية الشفوية من حيث إيثار المبالغة والتضخيم، وهو أمر لا يخلو من دلالة من حيث لقاء الحلم بالحقيقة، والواقع التاريخي بالخيال الأدبي، وهو أيضاً أمر لا يخلو من دلالة. ـ لكن كتب التراث والاخبار والتاريخ والتراجم والطبقات والسير والادب والشعر والنوادر احتفظت لنا بكثير من حيل هؤلاء وخدعهم وأساليبهم وأنماطهم في احتفاء يصل إلى حد أن تفرد الكتب مؤلفات كاملة لذلك. ـ أوافقك الرأي وأضيف إلى أنه ليس من قبيل المصادفة أن يرتقي بعض الشطّار في تراثنا الشعبي إلى مرتبة البطولة شبه الملحمية على نحو ما نرى في سيرة أشطر الشطار، سيرة علي الزيبق، وليس محض مصادفة أيضاً أن يكون النمط البطولي المساعد، في جميع الملاحم والسير الشعبية العربية، عياراً من العيارين. ـ إذا تجاوزنا اللصوص الصعاليك في العصر الجاهلي لأنني قمت بزيارتهم مع الدكتور يوسف خليف، وأردنا أن ندخل أيام الحضارة الاسلامية، فمن أين نبدأ يا دكتور؟ ـ بصراحة، كتب التاريخ اشارت إلى عهد الخليفة العباسي الثالث (158 - 169ه)، فها هو «البلاذري» يحدثنا عن بدايات الظاهرة قائلاً: «فلما كثر الصعاليك والزعار وانتشروا بالجبل في خلافة المهدي، جعلوا هذه الناحية ملجأ لهم، وحوزوا، فكانوا يقطعون الطريق، ويأوون إليها فلا يطلبون». وغدا نكمل