دخل العالم المشهور والواعظ الكبير محمد بن صبيح المعروف بابن السماك على الخليفة العباسي هارون الرشيد ذات يوم، فبينما هو عنده إذا استسقى ماء، فأتى بقلة من ماء (إناء فيه ماء) فلما أهوى بها إلى فيه ليشرب قال له العالم الجليل: على رسلك يا أمير المؤمنين.. لو منعت هذه الشربة بكم كنت تشربها؟ قال: بنصف ملكي، قال: اشرب هنأك الله، فلما شربها قال له: لو منعت خروجها من بدنك بماذا كنت تشتريها؟ قال: بجميع ملكي! قال: العالم ابن السماك: يا أمير المؤمنين، ان ملكا قيمته شربة ماء لجدير الا ينافس فيه، وما قيمته ملك يشتري بشربة وبولة!! فبكى هارون الرشيد. أرأيت أخي القارئ إلى قيمة العلم والعلماء في الاسلام! انه العلم الذي يعرفك بنفسك وبربك ومن حولك، و بحقيقة الدنيا الزائلة الفانية التي لا تساوي عند الله جناح بعوضة، لكنها في الوقت نفسه مطية للآخرة ومزرعة للجنة، وهي السبيل الموصلة إلى مرضاة الله عز وجل إذا أطعناه فيها، واستقمنا على دينه وشريعته. ثم انظر إلى العلماء العاملين، والصادقين الصالحين، والناصحين المرشدين كيف كانت مجالسهم مع الخلفاء والأمراء، لا نفاق ولا مداهنة، ولا خوف ولا طمع، بل رحمة وشفقة وحكمة ولا تنس قدر الخلفاء والأمراء عندما كانوا يجلون العلماء، ويخضعون للدين والعلم الذي يحملونه، ويبكون عند وعظهم ونصحهم، وتخشع قلوبهم هيبة مما يقولون. ما أحوجنا إلى هذه المواقف وأهلها، وحينئذ يُعزّ المؤمنون وينتصرون وينتشر الحق والعدل في الأرض، وتلك سنة الله في خلقه، ولن تجد لسنة الله تبديلاً ولن تجد لسنة الله تحويلاً. د. علي مشاعل