ماذا يعني فقه الأقليات؟ والى أي العلوم الشرعية أو النقلية يمكن أن ينتمي هذا الفقه؟ لماذا سمي بهذا الاسم؟.. والى مدى تعتبر هذه التسمية دقيقة؟ كيف نتعامل مع القضايا التي يثيرها وجود المسلمين بكثافة خارج المحيط الجغرافي والتاريخي الاسلامي؟ مجمل هذه الأسئلة.. يقدم الاجابة عنها الدكتور طه جابر العلواني في كتابه الهام في فقه الأقليات المسلمة.. ويحدد في مطلع اجابته عن هذه التساؤلات، معنى هام، وهو.. أنه لا يمكن ادراج فقه الأقليات في مدلول «الفقه» كما هو شائع الآن.. أي فقه الفروع، بل الأولى ادراجه ضمن «الفقة» بالمعنى العام.. الذي يشمل كل جوانب الشرع اعتقادا وعملا.. بالمعنى الذي قصده النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: «من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين» أو الفقه الأكبر كما دعاه الامام أبو حنيفة رضي الله عنه، وأطلقه على الكتاب المنسوب اليه.. ولكل هذه الأسباب، رأى مؤلف الكتاب ربط فقه الأقليات بالفقه الأكبر وضعا للجزء في اطار الكل، وتجاوزا للفراغ التشريعي أو الفقهي. يستخلص المؤلف مما سبق معنى فقه الأقليات.. قائلا: أنه فقه نوعي يراعي ارتباط الحكم الشرعي بظروف الجماعة. وبالمكان الذي تعيش فيه.. فهو فقه جماعة محصورة لها ظروفها الخاصة، قد يصلح لها ما لا يصلح لغيرها، ونظرا لذلك فإن متناوله أو القائم عليه يحتاج اضافة الى العلم الشرعي، الى ثقافة واطلاع في بعض العلوم الاجتماعية، خصوصا علم الاجتماع والاقتصاد والعلوم السياسية والعلاقات الدولية. ويقول المؤلف.. أنه اذا أثار سؤال له صلة بفقه الأقليات على لسان فرد، أو دار على ألسنة جماعة.. فإن المفتي المعاصر يحتاج الى استيعاب وتجاوز الموقف الساذج البسيط الذي يحصر الأمر بسائل ومجيب.. سائل يعوزه الاطلاع الشرعي على حكم قضية يعيشها، ومجيب يعتبر الأمر منتهيا عند حدود تلقي الاستفتاء وتقديم الفتوى والافتاء، فهذا موقف غير علمي ورثناه عن عصور التقليد وكرسته عقلية العوام التي استسهلت التقليد واستنامت له واتخذته منهجا.. والمطلوب كما يقول المؤلف.. تبني موقف علمي يبحث في خلفية السؤال والسائل والعوامل الاجتماعية التي ولدت السؤال وأبرزت الأشكال.. وهل هو سؤال مقبول بصيغته المطروحة.. أو يتعين تعديل هذه الصيغة، واعادة صياغته في صورة اشكالية فقهية، ثم معالجته في ضوء رؤية شاملة تستصحب القواعد الشرعية الكلية، والمبادئ القرآنية الضابطة والقيم العليا الحاكمة، والمقاصد الشرعية الأساسية وتراعي كذلك غايات الاسلام في الانتشار والتمكين على المدى البعيد. مما سبق وكما يقول المؤلف.. نستطيع أن نفهم نهي القرآن المجيد عن إثارة أسئلة معينة من شأن إثارتها والاجابة عنها، كما هي أن تؤدي الى مشكلات اجتماعية خطيرة، لأن تلك الأسئلة صاغتها ظواهر سلبية.. فإذا أجبت عنها في ذلك السياق استحكمت تلك الظواهر، وتمكنت، وتنفيذا لهذه الخطوة المنهجية، اذا سأل سائل كما يقول المؤلف.. هل يجوز للأقليات المسلمة أن تشارك في الحياة السياسية في البلد المقيمة فيه مع أكثرية غير مسلمة، وفي ظل نظام حكم غير اسلامي؟ فإن الفقيه الواعي بعالمية الاسلام، وشهادة آمنة على الناس وبالتداخل بين الثقافات والحضارات في الحياة الدولية المعاصرة لن يقبل السؤال بهذه الصيغة، بل سينقله من منطق الترخيص السلبي الى منطق الوجوب والايجابية، انسجاما مع ما يعرفه من كليات الشرع، وخصائص الأمة والرسالة، فيصبح السؤال.. ما حكم الشرع في أمة من المسلمين وجدت بين أكثرية عددية غير مسلمة، وهذه الأمة المسلمة يبيح لها النظام العام أن تمارس سائر واجباتها الاسلامية التي لا تشكل تغييرا أو تهديدا للنظام العام كما يتيح لها النظام حق الحصول على بعض الولايات العامة، والتأثير في السياسات والقيام بواجب الشهادة على الناس والدعوة الى الله، وتأسيس المؤسسات المفيدة لها وللمجتمع، فهل يحق لهذه الأمة من المسلمين التنازل عن هذه الحقوق وعدم السعي للقيام بهذه الولايات خوف الاختلاط بالأكثرية غير المسلمة، أو التأثير ببعض ممارساتها. يشترط المؤلف لبناء فقه الأقلية، ضرورة الاجتهاد مشيرا في ذلك الى أن الاسلام استوطن في العقود الأخيرة، بلدانا كثيرة لا تدخل ضمن حيزه التاريخي الجغرافي.. فيما يعني هذا أن المسلمين يواجهون واقعا جديدا، يثير أسئلة كثيرة جدا، تتجاوز القضايا التقليدية ذات الطابع الجزئي الفردي المتعلقة بالطعام المباح، واللحم الحلال، وثبوت الهلال، والزواج بغير المسلمة، الى قضايا أكبر دلالة، وأعمق أثرا ذات صلة بالهوية الاسلامية، ومستقبل الاسلام وراء حدوده الحالية، وانطلاقه لتحقيق عالميته بعد توطين الدعوة في كل ركن من أركان الأرض. ويشدد المؤلف على أن مشكلات الأقليات المسلمة لا يمكن أن تواجه إلا باجتهاد جديد، ينطلق من كليات القرآن الكريم، وغاياته وقيمه العليا، ومقاصد شريعته، ومنهاجه القويم، ويستنير بما صح من سنة، وسيرة الرسول صلى الله عليه وسلم في تطبيقاتها للقرآن، وتنزيله لقيمه وكيانه في واقع عصر النبوة، وذلك لبلورة منهجية التأسي بالنبي الخاتم - صلى الله عليه وسلم - وجعل سنته محجة بيضاء، يستطيع المتقون التأسي بها واتباع نهجها في كل عصر وبلد. في باب جديد من الكتاب ويحمل عنوان نحو بناء أصول فقه الأقليات يشير المؤلف الى اقتراح له لأهل العلم، يشمل جملة من المحددات المنهجية أو الأصول التي ترى ضرورة ملاحظتها من قبل المفتي في فقه الأقليات، باعتبار خصوصية هذا الفقه، وباعتبار أن كل فقه يحتاج الى أصول، ويقول: ان علم أصول الفقه من أجل علوم المقاصد التي استطاع الأئمة المتقدمون انتاجها، وهو كما قال الحجة أبوحامد الغزالي: العلم الذي ازدوج فيه العقل والسمع، واصطحب فيه الراي والشرع فإنه يؤخذ من صفو الشرع والعقل سواء السبيل.. وأصول فقه الأقليات.. لا تتجاهل أدلة الفقه، ولا شروط الاستنباط منها، كما لا تتجاوز شروط الاجتهاد، ولا أركان العملية الاجتهادية، فذلك أمر نستعصم بالله تعالى أن نقع في مثله.. لكننا نريد تشغيل آلية الاجتهاد بالشكل الملائم لعصرنا، وما تفجر فيه من معارفه ووسائل وأدوات، لتستظل الحياة، بظل الشريعة الوارفة الظلال.