عن عبدالله بن مسعود رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: خير الناس قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم ثم يجيء أقوام تسبق شهادة أحدهم يمينه ويمينه شهادته». فى هذا الحديث بيان مهم للمسلمين، يوجه أنظارهم وقلوبهم إلى حقيقتين من أهم الحقائق الدينية، الأولى: عدالة الصحابة وأهل القرون الثلاثة، والثانية: أهمية الشهادة والحلف. فأما بالنسبة لعدالة الصحابة فقد ثبتت بالقرآن والسنة قال تعالى: (وكذلك جعلناكم أمة وسطا) والوسط هم الخيار والعدول وقال تعالى: (كنتم خير أمة أخرجت للناس) ويدخل في الخطاب الصحابة دخولا أوليا وقال: (السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار) وقال: (محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم) وفى السنة غير حديثنا هذا ماجاء في الصحيحين: «لاتسبوا أصحابي فوالذي نفسي بيده لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهبا ماأدرك مد أحدهم ولا نصيفه» وقال فيما رواه الترمذي وابن حبان في صحيحه: «الله الله في أصحابي لاتتخذوهم غرضا، فمن أحبهم فبحبي أحبهم ومن أبعضهم فببغضي أبغضهم، ومن آذاهم فقد آذاني، ومن آذانى فقد آذى الله. ومن آذى الله فيوشك أن يأخذه» وكأني بهذه النصوص الكريمة ـ وهم تفحم أولئك الجاهلين والمعاندين ـ وتنادى المسلمين الغيورين على دينهم وأمجاده وتراثه لنصد معا غارات المقتحمين وتخرص السنة أولئك الذين انتقصوا الكثيرين من الصحابة من أمثال أبي هريرة رضى الله عنه وغيره. وليستمعوا إلى ماقاله الإمام أبو زرعة الرازي: «إذا رأيت الرجل ينتقص أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ـ فأعلم أنه زنذيق، وذلك لأن الرسول حق وماجاء به حق، وإنما أدى ذلك إلينا كله الصحابة وهؤلاء ـ أى الزنادقة وأشباههم ـ يريدون أن يجرحوا شهودنا ليبطلوا الكتاب والسنة، والجرح بهم أولى وهم زنادقة». ويرى الجمهور أن الصحبة لايشترط فيها طول الوقت ولا الجهاد والإنفاق، ويرى البعض اشتراط طول الملازمة والمعاشرة والغزو. ولكن الجمهور مع عدم اشتراطهم هذا يرون أن من طالت صحبته أو سمع من الرسول صلى الله عليه وسلم أو غزا معه أو بذل نفسه أو ماله أولى بالتقدم من غيره وإن كان شرف الصحبة حاصلا للجميع. وفى قوله صلى الله عليه وسلم: «ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم» ترتيب في الأفضلية، أولا: الصحابة، وثانيا: التابعون، وثالثا: أتباع التابعين. ويرى الجمهور أن هذه الأفضلية بالنسبة للأفراد لا المجموع، ويرى ابن عبدالبر أنها بالنسبة للمجموع وهذا الخلاف في حق من لم يحصل له إلا مجرد المشاهدة فحسب أما من جاهد مع الرسول صلى الله عليه وسلم أو في زمانه أو أنفق من ماله فإنه لايعد له أحد في الفضل قال تعالى: (لايستوي منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل أولئك أعظم درجة من الذين أنفقوا من بعد وقاتلوا). وأما بالنسبة للحقيقة الثانية: وهي أهمية الشهادة واليمين «والشهادة إخبار عن شيء خاص بلفظ خاص كلفظ أشهد، بخلاف الرواية فإنها إخبار عن شيء عام لايختص بمعين نحو الأعمال بالنيات والشفعة فيما لم يقسم فإنه عام لايختص بمعين، بخلاف قول العدل أشهد أن لهذا عند هذا دينارا فإن الدنيار يلزم المعين ولايتعداه وهذا في الغالب». وقد تجتمع الرواية والشهادة في الإخبار عن رؤية هلال رمضان فهو من جهة أن الصوم لايختص بشخص معين بل عام على من دون مسافة القصر رواية، ومن جهة أنه مختص بأهل المسافة وبهذا العام شهادة. قال الكرماني: «ثم يجيء أقوام تسبق شهادة أحدهم بيمينه ويمينه شهادته» أي في الحالتين لا في حال واحدة، والمراد بهؤلاء الذين يهتمون بالشهادة ويحرصون عليها ويعملون على ترويجها فتارة يحلفون قبل الشهادة وتارة يشهدون ثم يحلفون، ويحتمل أن يكون هذا كناية عن إسراعهم في الشهادة واليمين حتى كأن أحدهم لايدرى بأيهما يبدأ. وقال النووي: واحتج به المالكية في رد شهادة من حلف معها. ولكن الجمهور على أنها لاترد. وفى رواية قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إن بعدكم قوما يخونون ولايؤتمنون ويشهدون ولايستشهدون وينذرون ولايوفون ويظهر فيهم السمن» والمعنى أنهم يحرصون على الدنيا والتمتع بلذاتها حتى تسمن أجسادهم أو تكثرهم بما ليس فيهم أو إدعاؤهم الشرف و المراد جمعهم المال، ولاتعارض بين هذا الحديث ومارواه مسلم: «ألا أخبركم بخير الشهداء؟ الذي يأتي بالشهادة قبل أن يسألها» لأنه محمول على من عنده شهادة لإنسان بحق لايعلم بها صاحبها فيأتى إليه فيخبره بها، أو يموت صاحبها العالم بها ويخلف ورثته فيأتي الشاهد إليهم أو إلى من يتحدث عنهم فيعلمهم بذلك، أو أن الأول في حقوق الآدميين وهذا في حقوق الله تعالى ونحوها مما يشهد فيه حسبه ا ه. من الفتح. فالحديث إذن يعالج بعض الجوانب المنحرفة في بعض الناس الذي يشهدون ويحلفون في كل شئ حقا كان أو باطلا دون اكتراث بما يشهدون عليه أو يحلفون، اما الذين يترتب على شهادتهم إظهار الحق وبيان وجه الصواب فإن الشاهد من هؤلاء هو خير الشهداء. ويؤخذ من الحديث: 1ـ عدالة الصحابة، ومن بعدهم، ومنزلة أهل القرون الثلاثة الأولى مع التفاوت في منازلهم. 2ـ التحذير من الحرص على الشهادة وترويجها باليمين من أجل منفعة شخصية أو منفعة لمن يشهد له، أو من يشهد زورا وبهتانا كمن يبيع دينه بعرض من الدنيا. 3ـ إن خير الشهداء من شهد بالحق وأبانت شهادته وجها من وجوه الصواب يترتب عليها إقامته العدل وإحقاق الحق وإبطال الباطل. ـ رئيس جامعة الأزهر