في مقدمة لهذا الكتاب (منهج الإصلاح الإسلامي في المجتمع)، يقول الدكتور عبد الحليم محمود، شيخ الأزهر، والعلامة الإسلامي الجليل الراحل، ان مشكلة الإصلاح الإسلامي لاتزال في حاجة إلى معالجتها في إجمالها وعمومها. متسائلا عما هو الأساس وما هي العناصر التي يقوم عليها الإصلاح الإسلامي في الأسرة.. في المدرسة. في الجامعات.. في المجتمع الكبير. مجتمع الأمة الإسلامية.. ويفند الدكتور عبد الحليم محمود في المقدمة ما يراه البعض فور الحديث عن قضية الإصلاح، حيث يتجهون عادة إلى أوروبا وأمريكا، أي الحضارة الحديثة.. يستلهمون هذه التجربة الحضارية في المنهج والموضوع، فيما يعني الرغبة في تطبيقها في الأمم الشرقية الإسلامية، غير مراعين في ذلك اختلاف البيئة، وإختلاف الدين، واختلاف العرف والتقاليد الكبرى، واختلاف الماضي والحاضر. في الفصل الأول (إسلام لوجه الله). يقول المؤلف أن الشخصية الإسلامية قد تحققت أكمل ما تكون في رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولهذا السبب فإن المنطق يقودنا إلى اتخاذه منارة نسترشد بضوئها في خطواتها، والحديث عن منهج التصريف بشخصية المسلم يتطلب الحديث عن الرسول عليه الصلاة والسلام من حيث شخصيته الإسلامية، والحديث عن الإسلام من الزوايا المتعلقة بهذا الموضوع.. وحول الحديث عن الإسلام يقول المؤلف، أن الإمام البخاري رضي الله عنه كان متابعا للقرآن الكريم مستدلا به حينما فرق بين الإسلام إذا لم يكن على الحقيقة، والإسلام إذا كان على الحقيقة فإذا لم يكن الإسلام على الحقيقة، وكان على الاستسلام أو الخوف من القتل، فهو الذي يؤخذ من قول الله تعالى (قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا) صدق الله العظيم.. أما إذا كان على الحقيقة فهو على قوله جل ذكره (إن الدين عند الله الإسلام..) ويحدد الدكتور عبد الحليم محمود من أننا وفي موضع تناول قضية الكتاب لسنا بصدد الإسلام إذا لم يكن على الحقيقة، ذلك أنه ليس من الإسلام في شئ، وإنما نحن بصدد الإسلام الذي يقول عنه الراغب الأصفهاني إنه فوق الإيمان وهو أن يكون مع الاعتراف اعتقاد بالقلب، ووفاء بالفعل، واستسلام لله في جميع ما قضى وقدر. ويشير بعد ذلك إلى معنى كلمة مسلم، والإسلام، ويقول: المسلم.. معناه المخلص لله في عبادته، من قولهم : سلم الشئ لفلان خلص له، فالإسلام معناه إخلاص الدين والعقيدة لله تعالى .. وسواء نظر الإنسان إلى المعنى الشرعي للكلمة، أو إلى المعنى اللغوي، فإنه يجد أن هذا اللفظ لا يشير إلى شخص معين، كما تشير اليهودية إلى شعب بذاته، ولا اقليم أو بلد معين كما تشير النصرانية. والدين الذي يدل أو ينتسب أو يشير إلى شخص معين، أو إلى شعب معين، أو إلى إقليم معين، يتحدد زمنه ضرورة، بابتداء الشخص أو الشعب،ويتحدد بالمكان، ولكن كلمة الإسلام لا تدل على زمان ولا مكان، فهي. لا تشير إلى زمن يحدها. ولا إلى مكان تتقيد به. وتضعنا كلمة الإسلام مباشرة في جو عالمي مطلق، بل في جو عالمي يتخطى حدود هذا العالم الأرضي - إذا أمكن ذلك - فلا يتقيد به، ولا يتحدد بحدوده. يصل الدكتور عبد الحليم محمود في الفصل الأول من كتابه وبعد التوضيحات السابقة، إلى نتيجتين هما.. أن الدين وإسلام الوجه لله، والتوحيد، والإسلام : كلها بمعنى واحد يفسر بعضها بعضا ويشرح بعضها بعضا، وكلها مطلقة عامة لا يحدها زمان ولا مكان، وكلمة الإسلام خير ما يعبر عنها في جرسها وفي كمالها.. أما النتيجة الثانية : هي أن جوهر الشخصية الإسلامية، أو شخصية المسلم، إنها هي إسلام الوجه لله أو التوحيد أو التدين الصادق أو الإسلام. وبمقدار قرب المسلم من الإسلام يكون كمال شخصيته. ينتقل المؤلف بعد ذلك وفي فصله الثاني (أول المسلمين)، إلى الحديث عن الرسول محمد بن عبد الله عليه الصلاة والسلام.. يأتي الحديث عنه لأنه أكمل شخصية إسلامية، وصفه الله بأنه أول المسلمين ولما سئلت السيدة عائشة رضوان الله عليها عن خلق رسول الله.. قالت: كان خلقه القرآن. في الباب الثاني من الكتاب والذي أطلق عليه أسس إسلام - الوجه لله.. وفي الفصل الأول من هذا الباب يتحدث الدكتور عبد الحليم محمود عن العلم، مشيرا إلى أن العلم في الإسلام ضرورة وليس ترفا، فهو شخصية المسلم.. العلم.. العلم بالكون. وبالإنسان. وبالنفس.. وبكل ما تتسع له الكلمة من معنى كريم. ينتقل الكتاب إلى فصل آخر بعنوان «العبادة» ويبدأ بالآية الكريمة «وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون» صدق الله العظيم. ويقول : إذا أراد الإنسان أن يذكر كل التفصيلات التي وضح بها القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة هذه الآية الكريمة لتوجيه الإنسان للتحقيق بها، فإنه يحتاج إلى الكثير.. لقد اراد الإسلام أن يعيد الحياة، في شكلها وجوهرها إلى عبادة، وليس معنى ذلك أن كل إنسان يلزمه أن يعتكف في المسجد عابدا، وإنما معنى ذلك أن كل ما يأتيه الإنسان، وكل عمل يدعه الإنسان يجب أن يتوافر فيه امران. الأول.. أن يصدر في العمل أو في الترك عن الدين قرآنا أو سنة. الثاني: أن يريد بعمله أو بتركه وجه الله. فإذا ما كان الأمر كذلك كان عبادة، ويقول رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما رواه الإمام البخاري: «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى.. فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله. ومن كان هجرته لدنيا يصيبها أو امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه» إن هجرة الإنسان بعمله إلى الله، أي : إرادته بعمله وجه الله، يجعل من عمله عبادة يؤجر عليها ويثاب.. أما من كانت هجرته بعمله - أي : إرادته به - لدنيا يصيبها أو امرأة ينكحها فهجرته أي : عمله المترتب على إرادته، إنما هو عمل دنيوي لا أجر عليه ولا ثواب، حتى ولو كان العمل يتفق في مظهره مع الأعمال الصالحة.