من طريف الشعر مقارنة ابن الرومي حالي الحياة من سهلة طيبة وصعبة شاقة وتشبيهها بالعسل من جهة والصبر (وهو مر شديد المرارة) من جهة أخرى قال: والعيش طعمان عند ذائقه مر التوالي مستعذب الأول من عسل تارة ومن صيبر لهفي لتأخير عقبة العسل! يقول ان المعتاد ان يتعاقب على الانسان الحلو والمر. فلماذا تأخر عنه وارد العسل؟ لقد طال عليه زمان الصبر المر! وقد تفنن العرب في استعمال كلمة العسل على الحقيقة وعلى المجاز وأطلقوا اسم العسل على غير ما تنتج النحل للمشابهة والمقاربة كتسميتهم صمغ شجر العرفط بالعسل، ودبس التمر وغيره بالعسل. وقالوا لما خلط بالعسل معسل كالزنجبيل المعسل. وفي الحديث: «اذا أراد الله بعبد خيرا عسله في الناس» أي طيب ثناءه فيهم. وروي انه قيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم: ما عسله؟ قال: «يفتح الله له عملا صالحا بين يدي موته (قبيل موته) حتى يرضى عنه من حوله. أي: جعل له من العمل الصالح ثناء طيبا. شبه ما رزقه الله من العمل الصالح الذي طاب به ذكره بين قومه بالعسل الذي يجعل في الطعام فيحلو لي به ويطيب، وهذا مثل (أي هذا الكلام يجري مجرى المجاز) والمعنى: وفقه الله لعمل صالح يتحفه به كما يتحف. وقال ابن فارس: أي طيب ذكره، وحلاه في قلوب الناس. وهكذا انتقلت الكلمة من معنى العسل المعروف وما يتعلق بجنيه وتحضيره الخ، ودخلت في جانب مجازي على التوسع، فقالوا: عسل فلان صاحبه اذا أطراه وطيب الثناء عليه. قال ابن الأثير: فهذا من العسل لأن سامعه يلذ بطيب ذكره. وفي الحديث انه صلى الله عليه وسلم قال لامرأة رفاعة القرظي وقد سألته عن زوج وتزوجته لترجع به الى زوجها الأول الذي كان طلقها، وكان الزوج الثاني لم يدخل بها: «أتريدين ان ترجعي الى رفاعة؟ لا! حتى تذوقي عسيلته ويذوق عسيلتك. كنى عن حال الجماع بذوق العسل وأنت العسيلة لأنه شبهها بقطعة العسل. وصغر الكلمة اشارة الى القدر القليل الذي يحصل به الحل. فهذا كلام ومجاز من مادة (ع س ل) لم يستعمله العرب قبل ان قاله رسول الله صلى الله عليه وسلم، والله أعلم