والزمن شيء ليس له معنى إلا في وجود الحركة التي تميزه فأدرك الإنسان الزمن الفيزيائي كإيقاع حركي منتظم حيث يدرك مرور الزمن بتعاقب الليل والنهار، والذي تتحكم فيهما الحركة الظاهرية للشمس لتحديد اليوم بالحركة الحقيقية لدوران كوكب الأرض أمام الشمس في الاتجاه من الغرب إلى الشرق، وهكذا تعرف الانسان الأول على اليوم، ثم تقدم الفكر الانساني لتحديد الشهر بتوالي أوجه القمر حيث يعتبر القمر نتيجة معلقة في السماء يمكن متابعتها ليلاً ونهاراً لتحديد بداية ومنتصف ونهاية كل شهر بكل دقة، وقد أشار القرآن الكريم إلى هذا المعنى بقوله تعالى: ( يسألونك عن الأهلة قل هي مواقيت للناس والحج) «سورة البقرة، آية 189». ثم عرف الانسان بعد ذلك السنة القمرية بتراكم الشهور القمرية، وقد حددها الله عز وجل بإثنى عشر شهراً بقوله: (إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهراً في كتاب الله يوم خلق السموات والأرض) «سورة التوبة، آية 36». وتمكن الانسان من رصد السنة الشمسية بمراقبة حركة الشمس الظاهرية مع نجم الحمل لتكون بدايتها في 21 مارس وتحديد الفصول الأربعة، واكتشف الانسان ان السنة الشمسية أطول من السنة القمرية بحوالي 11 يوماً والتي أشارت إليه الآية الكريمة: (ولبثوا في كهفهم ثلاث مئة سنين وازدادوا تسعاً) «سورة الكهف، آية 25». المكان والزمان اهتم العلماء بقياس الزمن باعتباره البعد الرابع الهام والخطير في حياة الانسان، فهو المخلوق الوحيد الذي يربط كل شيء في حياته بالزمن، فالمأكل والمشرب والملبس واللقاء والزواج والانجاب وطول الليل والنهار والفصول الأربعة وغيرها الكثير مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بدءًا من مولده إلى نهاية حياته بمماته، ومن جهل الانسان بأمر دنياه انه يحتفل كل سنة بعيد ميلاده، ولا يدرك انه قد بدأ بالعد التنازلي لعمره بمجرد خرجه من بطن أمه إلى دنيا كوكب الأرض، وانه بمرور سنة من عمره إنما يقترب من خط نهاية العمر ويدور ترس الزمن ليأكل عمره جاهلاً في ذلك تماماً بنهاية الأجل، ويستمر في سلسلة من مجاهل الجهل برزقه ثم بمن يتزوجها ثم أولاده من البنين والبنات أو العقم الكامل، ولكن الانسان يحاول بين الحين والآخر ان يعلن على الملأ انه يعرف ويعلم ويفهم ويقدر، وفي الحقيقة انه غارق إلى أذنيه في حياة كلها مجاهل وتملؤها علامات الاستفهام ثم علامات التعجب إلى ان تنتهي حياته بعلامة الوقف. والزمان مرتبط ارتباطاً وثيقاً بالمكان: حيث اكتشف العلماء حديثاً ان الزمن نسبي وليس مطلقاً، لأنه يتوقف على المكان الذي نعيش فيه، ونقيس منه الزمن، فعلى سبيل المثال: إذا كنا نعيش على كوكب المريخ فتكون السنة المريخية مساوية سنتين بمقياس السنة الأرضية، وإذا كنا نعيش على كوكب المشتري فالسنة عليه تساوي 12 سنة أرضية، وإذا كنا نعيش على زحل فإن طول السنة يساوي 30 سنة أرضية، وإذا أخذنا المجموعة الشمسية بالنسبة لدورتها حول نواة مجرة درب التبانة فإن السنة الكونية تساوي 250 مليون سنة أرضية، وهكذا يظهر اختلاف مقياس السنة بالنسبة لنقطة الذات مع اختلاف المكان. واستقر رأي العلماء أخيراً بأن ـ افتراضياً ـ خروج أي انسان من مجرة درب التبانة ودخوله إلى أرجاء الكون الفسيح من خلال الثقوب السوداء التي هي عبارة عن أعماق الكون المجهول ومقابر النجوم الضعيفة، فإن الزمن يتوقف لعجز العلماء عن متابعة ما هو ما وراء الطبيعة والمعروفة باسم «الميتافيزيقا». مقياس الحاضر والماضي الى الذين يدعون قراءة المستقبل وحظك هذا اليوم نقول لهم: قفوا مكانكم، وكفانا خداعا للبشر، فأنت ما تراه من حولك لهذا الكون العظيم ما هو إلا الماضي، أما الحاضر فأنت لا تراه أبداً، هذا ما أثبته علماء اليوم بأن رؤيتنا للنجم الفاقنطورس وهو أقرب نجم من مجموعتنا الشمسية، والذي يبعد عنا بمقدار 4.4 سنوات ضوئية، أي ما يعادل مسافة طولية منحنية بمقدار 26 مليون مليون ميل، أي اننا لا نراه الآن، كما هو اليوم ولكننا نراه حاليا كما كان منذ 4.4 سنوات أي ان الحاضر عندنا يكون ماضياً بسبب البعد الساحق للنجوم، وبنفس الحال النجم القطبي الشمالي الذي يبعد عنا 400 سنة ضوئية، فنحن نراه اليوم بالصورة الماضية التي كان عليها منذ 400 سنة. ويجب ان ننتبه إلى المعنى العلمي للسنة الضوئية، فهي وإن كان شكلها اللفظي مقياساً للزمن ولكن الحقيقة العلمية انها مقياس للمسافات ذات الأبعاد الكبيرة، مثل أبعاد النجوم والمجرات، وقد أعلن العالم العبقري «أينشتاين» استحالة وجود سرعة أكبر من سرعة الضوء، وذلك على مستوى الكون الحالي الملموس والمشاهد لسكان كوكب الأرض. وقد جاء ذلك في استكمال النظرية النسبية الخاصة والعامة بأن سرعة الضوء في الفراغ (أو الهواء) وقدرها 299792.5 كيلومتراً/ الثانية، أو للتقريب وسهولة التعبير سجلت بأنها تساوي 300 ألف كيلومتر/ ثانية، أو 186 ألف ميل/ ثانية، كما جاء في النظرية ان سرعة الضوء هو الحد الأقصى للسرعة في هذا الكون ولن يصل البشر في قياس سرعة اكبر منها لأنه من المستحيل ان نجد جسماً مادياً يتسارع حتى يبلغها ومن العبث ان نتحدث عن سرعة أكبر في هذا الكون العظيم، واختتم العلامة أينشتاين نظريته بأن سرعة الضوء ـ شئنا أم أبينا ـ هي المطلق الوحيد في الكون، ومن نتاج نظرية النسبية أطلق العلماء على العلامة أينشتاين لقب أعلم العلماء في القرن العشرين، ولكن نسي العلماء بما فيهم أعلم العلماء ما جاء في كتاب الله الكريم: (وفوق كل ذي علم عليم) «سورة يوسف، آية 76». اليوم في القرآن نحن لا نفسر القرآن، فقد سبقنا عظماء المفسرين الأفاضل السابقين في تفسير كتاب الله ولكننا نقترب فقط بالايضاح العلمي لبعض الأيات الكونية بعد أن ظهرت الأجهزة الحديثة، وبعد غزو الفضاء الذي صور بكل دقة العائلة الشمسية بجميع أفراد هذه العائلة من كواكب إلى مذنبات إلى كويكبات. وإذا كنا نقترب بإلقاء الأضواء العلمية على الآيات الكونية وذلك لإثبات ان آيات الله جل شأنه لكل العصور من الأزل وإلى الأبد، وهذه الأضواء العلمية ستزداد نوراً مع تقدم الوسائل العلمية والمعملية وتبقى آيات الله الكونية ثابتة وراسخة لا تتغير ولا تتبدل ولكن سيتغير بطبيعة الحال التفسير العلمي بتغيير الوسائل العلمية وتطورها المستمر، وكلمة اليوم جاءت في القرآن الكريم في أكثر من آية كونية، واختلف علماء التفسير والفيزياء والفضاء في تفسير معنى اليوم لكل آية فقد جاء اليوم في آيتين: الأولى: (يدبر الأمر من السماء إلى الأرض ثم يعرج إليه في يوم كان مقداره ألف سنة مما تعدون) «سورة السجدة آية 5». والثانية: (ويستعجلونك بالعذاب ولن يخلف الله وعده، وإن يوماً عند ربك كألف سنة مما تعدون) «سورة الحج، آية 47». أفاد المفسرون الأوائل «ابن جرير الطبري»، ان معادلة اليوم والألف سنة ليست في الزمن، ولكن في مسافة السير للدلالة على نفس الحد للسرعة الكونية، وقد أقر مؤتمر مكة المكرمة للعلماء في 1/5/1410 بهيئة الإعجاز العلمي برابطة العالم الإسلامي ان ما جاء في الآيتين: السجدة (5)، والحج (47) تسمحان لنا علمياً بحساب الحد الأقصى للسرعة الكونية المطلقة طبقاً للمعادلة القرآنية كما يلي: «المسافة التي يقطعها الأمر الكوني بالسرعة القصوى في السماء في زمن قدره يوم أرضي واحد تساوي تماماً المسافة التي يقطعها القمر في فلكه الخاص حول كوكب الأرض في زمن قدره ألف سنة قمرية، هذا والله أعلم. أما ما جاء في سورة المعارج: (تعرج الملائكة والروح إليه في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة) «سورة المعارج آية 4» فقد خلا النص القرآني من قوله تعالى: (مما تعدون) وأفاد علماء التفسير ان الملائكة والروح تنتمي إلى العالم غير المدرك أي في عالم ما وراء الطبيعة «الميتافيزيقا» أي ما يزيد عن سرعة الضوء وهو خلق غيبي محجوب عنا، وأفاد علماء الفيزياء ان السرعة في الآية 4 من سورة المعارج أكبر من سرعة الضوء ولهذا لن نستطيع عدها أو قياسها حيث اليوم بخمسين ألف سنة. ومجمل القول ان ما جاء في آية (5) بسورة السجدة، وآية (47) بسورة الحج، بنص الكلمة القرآنية (مما تعدون)، وهي السنة القمرية، والسرعة الكونية محددة بسرعة الضوء، وهي معروفة لأهل كوكب الأرض ومحددة تماماً، أما سورة المعارج آية «4» فهي ما ليس لنا به علم حيث سرعة الملائكة والروح .. لهذا فإن النصين مختلفين لاختلاف المتحركين، واختلاف السرعتين، واختلاف العالمين، ولنعلم ان الله على كل شيء قدير، وانه رب العالمين. قاسم لاشين