هو علم على لون من البشر تطلعت نفوسهم الى أخذ شيء من حق غيرهم خلسة تحت ستار الكيل او الميزان، باخسار الشيء الموزون او الكيل، وهذه الخصيصة في الاختلاس الخفي، بخفة اليد، والتدليس على الناس مع الايهام بغير ما يفهم من الظاهر، وقد هدى الشيطان اليها اقواما قبل الاسلام، قص القرآن قصتهم وكيف جاءهم رسول من عند ربهم ينهى عن هذه الخصلة الذميمة، فسخروا منه وكذبوه وتمسكوا بما هم فيه وعليه من فساد ذمة وأكل اموال الناس بالباطل، فضلا عن فساد عقائدهم، فأخذتهم الرجفة أو الزلزلة المدمرة، او الصيحة الصاعقة، التي وضعت ختاما لحياتهم وأصبحوا خبرا كأن لم يغنوا فيها من قبل..! هؤلاء هم اهل مدين قوم شعيب عليه السلام الذين كانوا يقطنون شمال الحجاز وهم ابناء مدين بن ابراهيم عليه السلام، وألقى الشيطان في روعهم انهم لا غنى لهم عن اقتناص الحرام من الكيل والميزان، وأن الذي ينهاهم عن ذلك السلوك لا يمكن ان يكون طبيعيا، ولا مكان له بينهم بعد ان استقرت حياتهم على ذلك، فيقول عنهم رب العزة: «وإلى مدين أخاهم شعيبا قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من اله غيره قد جاءتكم بينة من ربكم فأوفوا الكيل والميزان ولا تبخسوا الناس أشياءهم ولا تفسدوا في الارض بعد اصلاحها ذلكم خير لكم ان كنت مؤمنين» الأعراف: 85. وقال عز وجل: «وإلى مدين أخاهم شعيبا قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره ولا تنقصوا المكيال والميزان اني أراكم بخير وإني أخاف عليكم عذاب يوم محيط. ويا قوم اوفوا المكيال والميزان بالقسط ولا تبخسوا الناس أشياءهم ولا تعثوا في الارض مفسدين. بقيت الله خير لكم ان كنتم مؤمنين وما أنا عليكم بحفيظ » هود: 84 ـ 86. وقال رب العزة: «وإلى مدين أخاهم شعيبا فقال يا قوم اعبدوا الله وارجوا اليوم الآخر ولا تعثوا في الارض مفسدين، فكذبوه فأخذتهم الرجفة فأصبحوا في دارهم جاثمين» العنكبوت: 36 ـ 37. وحينما انتقم الله من مدين، ارسل شعيبا الى قوم آخرين، هم اصحاب الايكة، الذين تشابهت تصرفاتهم مع تصرفات مدين، فواجههم شعيب بما هم عليه وما يرجوه لهم، قال تبارك وتعالى: «كذب أصحاب الأيكة المرسلين. اذ قال لهم شعيب ألا تتقون. اني لكم رسول أمين. فاتقوا الله وأطيعون. وما أسألكم عليه من اجر ان اجري الا على رب العالمين. أوفوا الكيل ولا تكونوا من المخسرين. وزنوا بالقسطاس المستقيم. ولا تبخسوا الناس أشياءهم ولا تعثوا في الارض مفسدين» الشعراء: 176 ـ 183. وحينما يقص علينا القرآن قصص السابقين ونقائصهم وعقاب الله عز وجل لهم، فإنه لا يذكرها تسلية او تزجية للفراغ عند المترفين الباحثين عن متعة الحديث، وإنما يذكر ذلك عبرة للمسلمين حتى الابتعاد عن عقوبات عذاب الله ونقمته وشر عقابه، ومن هذه المقدمات، بلا مراء فساد العقائد اولا، وثانيا فساد الذمم بالخيانة في البيع والشراء، وامتصاص حقوق الناس بخداعهم..!! وهذا قرآننا بعد ان ذكر خلال آياته ما كان من اهل مدين، ثم من اصحاب الايكة، وذكر نهي الاسلام القاطع والحازم عن اقتراف ذلك الفعل الشائن والخسيس الذي تسمح فيه الذمم بالامتصاص لأرزاق الناس ودمائهم، فقال عز وجل في سورة الاسراء: «وأوفوا الكيل اذا كلتم وزنوا بالقسطاس المستقيم ذلك خير وأحسن تأويلا» الاسراء: 35. لأن المسلم يجب ان يتنزه عن هذه الصفات الخبيثة.. قال الاستاذ سيد قطب: وإيفاء الكيل والاستقامة في الوزن، أمانة في التعامل ونظافة في القلب، يستقيم بهما التعامل في الجماعة، وتتوافر بهما الثقة في النفوس، وتتم بهما البركة في الحياة «ذلك خير وأحسن تأويلا».. خير في الدنيا وأحسن مآلاً (مصيرا) في الآخرة.والرسول صلى الله عليه وسلم يقول: «لا يقدر رجل على حرام ثم يدعه، ليس به الا مخافة الله، الا أبدله الله به في عاجل الدنيا قبل الآخرة ما هو خير من ذلك». علي عيد