في رصدنا لتجديد الفكر الإسلامي نتوقف عند أحدث تفسير للقرآن الكريم وقد اختار له صاحبه الدكتور سيد دسوقي ان يطلق عليه «لمحات في التفسير الحضاري للقرآن الكريم» وينطلق فيه إيمانه بأن القرآن المجيد قد جاء برؤية كونية وحضارية واجتماعية ونفسية ينبغي على المسلمين فهمها وهضمها. وهذا التفسير لا يزال في مرحلة الإعداد وعلى الرغم من أن قصة هذا التفسير قد بدأت من الخمسينيات من هذا القرن بالولايات المتحدة الأمريكية، فإن مرحلة الكتابة لم تبدأ ألا في مؤخرا. يؤكد د. سيد دسوقي في هذا التفسير أنه لا يمكن سجن القرآن الكريم في تفسير تاريخي فقط، لأن ذلك سيؤدي بالأمة إلى فقدان مصدر إشعاعها المتجدد، مستشهداً بقوله تعالى: «لو كان البحر مداداً لكلمات ربي، لنفد البحر قبل أن تنفد كلمات ربي، ولو جئنا بمثله مددا» . وينبه إلى نقطتين.. الأولى: أن القرآن الكريم هو كتاب هداية في آفاق النفس البشرية والمجتمع، والثانية: أن مهمة كل الرسل أن يعلموا الناس الكتاب والميزان موضحا أن الكتاب هو جماع الحقائق الثابتة سواء تعلقت بعالم الغيب، أو بعالم الشهادة «الحياة الدنيا» ، سواء وصفت لنا النفس البشرية في تقلباتها المختلفة، أو وصفت لنا ظواهر في الاجتماع الإنساني، أو وصفت لنا مشاهد من الكون المحيط بنا.. أو الكون البعيد عنا. أما الميزان فهو جميع القيم الأخلاقية التي يدعو إليها الدين لتسود داخل النفس البشرية، وفي المجتمع وفي الكون، وهذه القيم تضبط كل أعمالنا، وتزن كل تصرفاتنا حتى تقوم بالقسط، وهذا ما يعبر عنه قوله سبحانه وتعالى «لقد أرسلنا رسلنا بالبينات، وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط، وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد ومنافع للناس، وليعلم الله من ينصره ورسله بالغيب إن الله قوي عزيز» . ولكل إنسان نصيب من هذه البينات - المشار إليها في الآية السابقة - التي تهديه إلى الله، والإنسان مطالب بألا يفسد.. فالكتاب الذي هو جماع الحقائق في عالم الغيب والشهادة يعطينا الجدوى الربانية للميزان الرباني. ولتوضيح هذه الفكرة يقول: إذا قارنا القيم الرأسمالية «الميزان الرأسمالي» بالقيم الإسلامية «الميزان الإسلامي» سنجد أن القيم الرأسمالية تقف وراءها فكرة المصلحة في الحياة الدنيا كجدوى رأسمالية، أما الميزان الإسلامي «القيم» فتقف وراءها فكرة الفلاح في الحياة الدنيا والفلاح في الآخرة كجدوى ربانية.. ولذلك فإذا اضطربت المصلحة العائدة على الفرد في النظام الرأسمالي - وهو نظام يمر بطبيعته بمراحل متعددة من الانقباض والاتساع - فأن سلوك الإنسان في مراحل الانقباض، ينقلب على عقبيه، بينما أصحاب الجدوى الربانية ثابتون وراء ميزانهم في السراء والضراء، لأنهم لا يرجون النجاة في الدنيا فحسب، ولكن يرجونها في الدنيا والآخرة. وهنا يؤكد صاحب هذا التفسير أن البديل الإسلامي لأي نهضة معرفية في المستقبل ينبغي أن يقوم على فهم كامل للكتاب والميزان، كما أن أي نهضة حضارية سوف تقوم على تحويل هذه المعرفة إلى سلوك يشيع بين الناس. وبعد هذا التقديم.. يوضح المقصود بالتفسير الحضاري للإسلام.. فيقول أنه التفسير الذي يبحث عن الميزان في القرآن - على النحو المشار إليه آنفا- وهذا الميزان نجده منشوراً ظاهراً جلياً في بعض الآيات، ومكنوناً في قصة قرآنية أو مثل قرآني في احيان أخرى. وهذا التفسير لا يقف عند أسباب النزول، ولا يلهث وراء التاريخ فحسب، ولا يتتبع فقط الإعجاز البياني أو الإشارات النفسية، وإنما يركز على العبر والدروس التي ينبغي أن نخرج بها من أجل آفاق حياتنا على هدي القرآن الكريم.. وهذا لا يتصادم مع الجهود التي بذلت في التفسيرات الأخرى.. مثل التفسير البياني للقرآن الكريم للدكتورة بنت الشاطئ، ولا مع «في ظلال القرآن» للأستاذ سيد قطب، ولا تفسير أن الشيخ محمد متولي الشعراوي، إنما يتكامل معها. فإن أهل البيان يبحثون في القرآن الكريم عن الدرر البلاغية، والإعجاز البياني، وأهل الحقيقة يبحثون عن أسرار وأشواق وتجليات. أما هذا التفسير فيدعو الى أن تنظيم عملية التفسير الحضاري على النحو الذي بيناه. وهذا الاتجاه في التفسير ليس مبتدعاً، وإنما هو أحد الاتجاهات التي ذهب إليها بعض المسلمين من قبل، ولكنها تناثرت في كتب التفسير العديدة، كما أن التفسير الحضاري ينمو مع الحضارة، ويتأثر بنموها، فكلما أوغلت في التقدم، أوغلت في التفسير، وكلما أوغلت في التفسير أوغلت في الحضارة، ولذلك تأتي الإضافات في هذا التفسير مستمرة ومتجددة. ونعرض نموذجاً لهذا التفسير الحضاري للقرآن الكريم، وهو تفسيره للآيات التي تعرض قصة سيدنا داود والخصم، و هي قوله تعالى في سورة ص «وهل أتاك نبأ الخصم إذ تسوروا المحراب. إذ دخلوا على داود ففزع منهم قالوا لا تخف خصمان بغى بعضنا على بعض، فأحكم بيننا بالحق ولا تشطط واهدنا إلى سواء الصراط، إن هذا أخي له تسع وتسعون نعجة ولي نعجة واحدة فقال، اكفلنيها وعزني في الخطاب، قال لقد ظلمك بسؤال نعجتك إلى نعاجه وإن كثيراً من الخلطاء ليبغي بعضهم على بعض إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وقليل ما هم وظن داود أنما فتناه فاستغفر ربه وخر راكعاً وأناب. فغفرنا له ذلك وأن له عندنا لزلفى وحسن مآب. يا داود انا جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بين الناس بالحق ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله أن الذين يضلون عن سبيل الله لهم عذاب شديد بما نسوا يوم الحساب». وقد استخرج من هذه الآيات سبعة دروس في القضاء هي: الدرس الأول: أن محراب القضاء محراب مقدس، ينبغي عزله عن المؤثرات الجانبية التي ربما تحيط بالقضاء، فتؤثر عليهم وتفزعهم بضغوطها فيخافون، ولا جدال أن القاضي الخائف لا يستطيع أن يستجمع شتات نفسه وعقله ويركز على ما بين يديه من الحقائق المجردة. ولهذا انعكاساته على الواقع المعاش حيث نجد أن الإعلام كثيراً ما يتسور محراب القضاء فيفزع القضاة.. بل أننا أحيانا نستمع لمسئولين من كبار القوم يعلقون على قضايا بعينها تعليقات من شأنها أن تفزع القضاة.. أن تسور محراب القضاة جريمة يجب أن نقف ضدها، وأن نطور من أساليب الحماية ما يمنع هذا التسور. الدرس الثاني: أن القاضي لا يقضي حتى يستمع إلى جميع المتخاصمين. الدرس الثالث: أن القاضي ينبغي أن يحكم بالحق، والحق هنا هو الشريعة الحقة، وما استخرجه الفقهاء منها من قوانين، لأن اكبر مصدر للسوء في المجتمع هو ان يتقاضى الناس بغير الحق، أي بقوانين جائرة، وضعتها قوى ظالمة، أو قوى جاهلة لتحقق بها مصلحة قريب لها.. الدرس الرابع: أن القاضي ينبغي ألا يشطط وهو يستخدم هذا الحق، فليس هناك قوانين منطبقة تماماً على حالة بعينها، وانما يحتاج الأمر إلى تفسير وتقريب ومماثلة وتشبيه.. وكل ذلك يستوجب مهارة للقاضي تحول بينه وبين الشطط.. فالشطط ربما يكون في تطبيق قانون لا يناسب الحالة التي بين يدي القاضي، والشطط يمكن أن يكون في حجم العقاب أو في حجم التعويضات التي يقضي بها القاضي. وفي كل الأحوال ينبغي على القاضي أن ينتبه قدر استطاعته إلى احتمالات الشطط، وانه قد ينزلق إليها بسهولة ويسر وبنية طيبة، ويرى أن القاضي في صغره يحتاج إلى عملية تدريب عقلية، كي يقلل الشطط قدر الإمكان أن لم يستطع أن يمحوه تماماً. الدرس الخامس: ألا تكتفي العملية القضائية بإصدار حكم قاصر، وإنما ينبغي أن تهدي المتخاصمين إلى سواء الصراط، فكم من أحكام تصدر وتحول الظروف الاجتماعية أو النفسية أو الاقتصادية دون تنفيذها، وربما يحتاج الأمر إلى منظومة جديدة في النظام القضائي مهمتها التوجيه والهداية في تنفيذ الأحكام. الدرس السادس: ينبغي على القاضي أن ينزع نفسه من ظروفه الخاصة، ولا يسقطها على ما بين يديه من حالات، فربما كان القاضي سيئ الحظ في بيته مع زوجته أو أولاده.. فإذا جاءته قضية شبيهة سيطرت عليه ظروفه الخاصة، وحالت بينه وبين الموضوعية فيحكم حينئذ بهواه، ومن اجل ذلك ينبغي أن لا ينفرد قاض واحد بالحكم في قضية، وانما يكون من حوله مساعدون قضاة يحولون بينه وبين الهوى الخفي الناشئ عن ظروفه الخاصة، والذي ربما يتسرب إلى عقله وضميره دون أن يدري. الدرس السابع: ينبغي على القاضي ان يجعل لنفسه نظاماً استغفارياً، يراجع فيه قضاياه من وقت لآخر قبل أن ينفذ الحكم، أو أن يكون ذلك نظاماً عاماً يعمل به في الدولة، وهو ما آلت إليه الأنظمة القضائية في معظم بلدان العالم، ولكن ننبه إلى أن القرآن يطالب بهذا الاستغفار على مستوى الفرد الذي يمارس القضاء، وبالطبع يرحب بأي نظام استغفاري يعين الفرد والجماعة على الأدب إذا حدث خطأ مقصود أو غير مقصود، فالاستغفار والإنابة «وهي حسن الأدب» أمران مطلوبان على مستوى الفرد القاضي، وعلى مستوى النظام القضائي. د. محمد يونس