يشكل مسجد الملك فيصل في اسلام أباد بباكستان تصورا مختلفا لمسجد الدولة، يتسم محرابه بشكل خاص بأنه يقطع الشوط كاملا في تحقيق القطيعة البصرية مع التقاليد المعمارية، ويلفت نظرنا بشكل خاص ان هذا المسجد يمثل اعادة تفسير مدهشة للقبة، بما يعكس تناغما بين المسجد وبين التلال التي تشكل خلفية عامة له. ويمكننا تفهم هذا الايغال في التجديد، على الرغم من انه يأتي في سياق مسجد للدولة، اذا ادركنا انه مع قيام باكستان عقب تقسيم شبه القارة الهندية غدت كراتشي عاصمة لها، وفي عام 1959 اختارت لجنة يرأسها جنرال محمد يحيى خان رئيس اركان الجيش موقعا للعاصمة الجديدة، اسلام أباد، عند سفح تلال مارجالا على هضبة بوتور قرب روالبندي. واختير موقع تبلغ مساحته اربعة وأربعين فدانا ليشغله المسجد الوطني الكبير. تلقى المشروع دفعة كبيرة، عندما تبرع العاهل السعودي آنذاك (عام 1966) باجمالي التمويل اللازم لانشاء المسجد، الذي حمل اسمه عقب ذلك، وفي 1968 اقيمت مسابقة عالمية اقتصرت على المعماريين المسلمين لوضع تصميم للمسجد باشراف هيئة تطوير العاصمة الباكستانية وبرعاية الاتحاد الدولي للمهندسين المعماريين الذي يتخذ من فرنسا مقرا له. فاز في المسابقة تصميم تقدم به المهندس التركي فيدات دالوقاي يتخذ شكل خيمة عملاقة تؤطرها اربع منارات، فجاء هذا التصميم بمثابة الابتعاد الاول في باكستان عن القبة والعقد التقليديين. كان المطلوب ابتداء، في كراسة الشروط والمواصفات ان يضم المسجد بيت صلاة صرحى الابعاد، غير انه تقرر في عام 1970 ان يشمل المبنى مقر معهد الابحاث الاسلامي، وفي عام 1982 تقرر كذلك اضافة فضاء كاف لاستيعاب كليات الجامعة الاسلامية الدولية، الأمر الذي ادى الى ما يزيد على ضعف المساحة المخصصة للمشروع اصلا. لقاء الصرحية والحداثة كفل المخطط الشامل لاسلام أباد جعل المسجد يقع على الطريق الرئيسي الشمالي المفضي الى المدينة، بحيث يمكن رؤيته من مسافة بعيدة على طريقي الاقتراب المحوريين الرئيسين من المدينة وهو بهذا المعنى ـ شأن مساجد الدولة الاخرى ـ يتحول الى هدف، الى مقصد، وليس الى معلم مركزي مندرج في الوسط الحضري المحيط به. بهذا المعنى يمكننا ان نتبين الملامح البارزة التالية في مسجد الملك فيصل باسلام اباد، مع تركيز خاص على جماليات المحراب، التي هي مناط اهتمامنا هنا في المقام الاول: ـ أولا: يجمع المسجد بين سمتين نصت عليهما بوضوح كراسة الشروط والمواصفات، هما الصرحية والحداثة، فأنت اذا نظرت اليه بإزاء التلال التي تشكل خلفيته العامة لوجدت انه يشبه جبلا صغيرا او خيمة بيضاء هائلة تؤطره المنارات الاربع الرشيقة، كل منها تشمخ عند ركن من اركانه. لكي نتفهم الابعاد الصرحية الهائلة لهذا المسجد يكفي ان نتذكر ان بيت الصلاة الرئيس يستوعب عشرة آلاف مصل، وان مصلى النساء الذي يعلو المدخل مباشرة يستوعب 1500 مصلية، وصحن المسجد يتسع لأربعين ألف مصل وثمة مساحة الى الشمال محاطة بسور خفيف تستوعب سبعة وعشرين ألف مصل وأروقة معمدة تتسع لاثنين وعشرين ألف مصل ومساحات خضراء يمكن ان تستخدم كمصليات في الهواء بسعة مئتي ألف مصل لعل أبرز تجسيدات الحداثة في التصميم هي الخيمة التي تتألف من ألواح جدارية، شيدت في وقت واحد بحيث تلتقي عند القمة بالضبط وبينها انقطاعات مزججة تسمح بتدفق النور الطبيعي الى بيت الصلاة، وتضفي طابعا اثريا وروحانيا سمحا على المبنى بكامله، وقد استخدمت احدث التقنيات في تنفيذ هذا كله، وبصفة خاصة الألواح الجدارية المطوية، خاصة مع غياب المتوافرة بسهولة محليا، كالحجر والطوب. ـ ثانيا: يلفت النظر بقوة التشديد داخل بيت الصلاة على الجانب الرأسي، فالمحور الرأسي هو سمة يجري ربطها عادة بالعمارة العثمانية، وبالتالي فهي اثيرة لدى المعماريين الاتراك على حساب الامتداد الافقي للفضاء، وهو الامتداد الكامن في صميم عملية التوجيه نحو الكعبة المشرفة ذاتها. والفضاء الهائل في بيت الصلاة بهذا المسجد يعيد اصداء ابداعات المعماريين العظام، وعلى رأسهم سنان. ـ ثالثا: هذا الفضاء الهائل لبيت الصلاة ما كان يمكن الا ان يكتسح المحراب والمنبر الى حد التقزيم ربما، ومن المحقق ان هذا كان اختيارا واعيا عمد اليه المعماري التركي دالوقاي، تماما كما فعل في حالة حائط القبلة الذي اختلف عن باقي المكونات اختلافا لا سبيل الى ان تخطئه العين، حيث نلاحظ ان المعماري عمد الى كبح جماح المشروع الزخرفي الداخلي عامة، اما في حائط القبلة فهناك الاعتماد على الخط وعلى وفرة من الاجر الاضنى، الذي يجمع بين اللونين الازرق والذهبي في تكوينات زخرفية خطية بديعة من ابداع فنان الاجر التركي منجا ارتل. ـ رابعا: فيما يتعلق بالمحراب لابد من ان نلاحظ ان الطابع الصرحي لمسجد الدولة يميل الى تقزيم العناصر التي يضمها بيت الصلاة، وفي مقدمتها المحراب والمنبر، وقد سبق لنا ان رأينا في النموذجين الكويتي والتركي ان المعماري يدرك ذلك، ويجد ان من المحتم عليه ان يقدم اقتراحا يأتي بمثابة حل لهذه المشكلة. هكذا فإن محمد مكية عمد في حالة مسجد الدولة الكويتي الى تصميم محراب صرحي بدوره يأخذ شكل حنية مستطيلة المسقط، مع ايجاد حل للتناقص بين صرحية المحراب ووظيفته بالتجزئة الداخلية وصولا الى الابعاد الانسانية. وفي النموذج التركي تم ابتكار محراب مختلف تماما يوظف التصميم نفسه والزجاج والنور للتغلب على مشكلة التناقض بين الصرحية وطبيعة الوظيفة. اما في حالة محراب مسجد الملك فيصل في اسلام اباد فإن المحراب يعكس منطقا مختلفا تماما. ويبدأ هذا المنطق من مقدمة لا مجال الا الى التسليم بها، فالمحراب في العمارة الاسلامية هو تقليديا حنية في جدار القبلة، وحتى اذا اخذت هذه الحنية ابعادا هائلة، كما في مسجد قرطبة الكبير، حيث تحولت الى مقصورة بديعة التكوين والزخرفة، فإنها في النهاية تظل حنية في جدار القبلة، وهكذا فإن كل تجديد او تغيير في اطار هذا المفهوم يظل تنويعا على موضوعة ثابتة ايا كان الشوط الذي يقطعه هذا التنويع. يمضي هذا المنطق الى الاشارة الى ان اي تجديد في هذا المفهوم سيظل مراوحة في المكان، ولن يمضي بالعمارة الاسلامية الى افق مختلف ومفتوح في هذا المعلم من معالم المسجد الذي لا غنى عنه ولا سبيل الى تهميشه الا بالوقوع في سقطة فنية ووظيفية لا تغتفر. ما العمل اذن؟ وكيف السبيل الى التحليق نحو افق مختلف هنا؟ ان الاقتراح الذي يقدمه المعماري التركي فيدات دالوقاي يمر اولا بالقطيعة البصرية التامة مع مفهوم الحنية في جدار القبلة، وينطلق الاقتراح في معرض ايجاد البديل الى تقديم محراب سامق وغير مألوف، هو في جوهره عبارة عن عنصر نحتي، يأخذ شكل مصحف مفتوح في وضع رأسي يحمل عموده الفقري لفظ الجلالة مكررا كأنما يعكس بروزا على صقال مرايا، وتحمل الصفحتان المفتوحتان القائمتان بشكل حر آيات من الذكر الحكيم. وهذه الوحدة النحتية على الرغم من انفصالها عن جدار القبلة وقيامها ازاءه بشكل حر، الا انها تجتذب ابصارنا اليه، حيث نتوقف عند نطاق ضيق من الزجاج يتواصل على امتداده، ويتوهج الجدار بحياة اضافية من خلال ضوء متألق غير مباشر منعكس من البحيرة المترامية في الخارج. ـ خامسا: دعنا نسلم بأن مسجد الملك فيصل في اسلام اباد يشكل معلما فريدا من معالم العمارة في العالم الاسلامي. لكن هناك امرا محيرا لا يفتأ يلح على ذهني وخاطري في ما يتعلق به. فالمسجد لا يحمل احالة، ولو عرضية، الى التراث المغولي شديد الثراء الذي تملأ تجلياته المعمارية آفاق شبه القارة الهندية، وربما كان ذلك راجعا الى موقف متردد من هذا التراث، فهو هندي وليس بهندي، وهو لنا، ولكنه ايضا للهنود، ومن قلب هذا التردد يأتي القرار بقفزة عالية الى المستقبل، والاحالة الى التراث المعماري الاسلامي من خلال المقولات العثمانية التي ترتبط برمز اسلامي لم يعرف الهزيمة ولا الانكسار. تجسيد الهوية الاسلامية تختلف المساجد التي شيدت كإفصاحات رمزية عن الوجود الاسلامي في الغرب تلك التي تستخدمها الجاليات الاسلامية بصورة يومية. ولذا فإن النوعية الاولى من المساجد تبرز في العواصم والمدن الكبرى في الغرب، وهي قد وجدت منذ مرحلة مبكرة، ومنها على سبيل المثال مسجد ووكنج في سراي في انجلترا، الذي شيد في عام 1889، واستلهم نموذج تاج محل والعمارة المغولية بشكل عام. غير ان هذه النوعية من المساجد برزت مع خمسينيات القرن العشرين بالتزامن مع توالي استقلال العديد من دول العالم الثالث وتركيزها على هويتها كدول مستقلة اسلامية في المقام الاول، وقد بدأ الافصاح عن الاحساس لهذه الهوية في العمارة كما رأينا في مساجد الدولة، ولكنه تجلى في مساجد المراكز الاسلامية في العواصم والمدن الكبرى الغربية مع بروز موجة ثانية من المهاجرين المسلمين الى اوروبا وأمريكا الشمالية. لابد لنا من ان نلاحظ ان المساجد التي شيدت في سياقات ثقافية اجنبية تعكس وجود ثلاثة اتجاهات رئيسة، هي على التوالي: ـ يتأثر تصميم هذه المساجد بالسياق المحدد الذي تطل الى النور فيه، حيث يجري تعديل هذا التصميم بما يكفل الاستجابة للضغوط المفروضة من المجتمع غير الاسلامي الذي تقوم هذه المساجد بين ظهرانيه او التي يعود مصدرها الى القوانين واللوائح المعمول بها. ويكفي ان نتذكر في هذا الصدد انه لم تتم الموافقة من قبل السلطات الايطالية المعنية على اقامة مسجد المركز الاسلامي في روما الا بشرط استجابة القائمين على انشائه للشروط والضوابط التي اصر عليها الفاتيكان، وفي مقدمتها الا يكون المسجد مرئيا من اي مكان في كنيسة سان بيتر، وألا تكون منارته اكثر ارتفاعا من قبة هذه الكنيسة على وجه التحديد. ـ يقوم التصميم، وبصفة خاصة في النماذج المبكرة من هذه المساجد، باحالات لا تخطئها العين الى تقاليد اسلامية اقليمية محددة، حيث تأثر الشكل المعماري الخارجي في معظم الحالات بأسلوب واحد سائد من بلد بعينه او منطقة بذاتها، اعتمادا على هوية رعاة المشروع، او مموليه او مصمميه هكذا فإن التصميم قد يعكس الهوية الذاتية والتطلعات والطموحات كما تتصورها المجموعة التي اخذت بزمام المبادرة في المشروع. وهنا يلفت نظرنا ان المخطط الداخلي لهذه النوعية من المساجد يتبع بصورة عامة مخطط العمارة الخارجية، ولكن الزخرفة الداخلية غالبا ما تكون انتقائية، وتستمد الهامها من خليط من الاساليب لا يرتبط في الغالب ارتباطا مباشرا بالشكل الخارجي. وبينما يتعين جعل الاطار الخارجي يتسق بشكل او بآخر مع السياق الثقافي غير الاسلامي الذي تنهض هذه المساجد فيه فإن دواخلها غالبا ما تزين على نحو متألق بعناصر زخرفية اسلامية بامتياز، وذلك للتشديد على ان الفضاء الذي تحتازه جدران هذه المساجد ينتمي الى المسلمين، ويشكل جزءا من عالمهم، وبهذا المعنى فإن هذه المساجد تتماثل في هذا الجانب مع مساجد الجماعات المحدودة التي تشيد في الغرب. ـ منذ الثمانينيات من القرن العشرين، ظهر بحث واع وجاد عن تعبير اسلامي معماري معاصر يحاول الوصول الى نوع من الخلاصة او المركب للمباديء التقليدية والاشكال الحديثة في عالم العمارة. ويلاحظ ان المساجد والمراكز الاسلامية التي بنيت في أوروبا وأمريكا الشمالية قد انتمى عدد كبير من نماذجها الاقدم عهدا الى النموذج او النمط الاسلامي التارخي، بينما كانت قلة محدودة تعكس توجها حداثيا وشكلت المساجد التي اقيمت في وقت لاحق محاولة لتحقيق نوع من الخلاصة او المركب الذي يضم الاتجاهين. تحت آفاق واشنطن اذا شئنا القاء نظرة على جماليات المكان بالنسبة لمحاريب المساجد الاسلامية في الغرب، لوجدنا ان هناك العديد من النماذج البارزة في هذا الصدد، منها المسجد والمعهد الاسلامي في باريس ومسجد لندن المركزي المعروف باسم مسجد ريجنت بارك ومسجد المؤسسة الثقافية الاسلامية في جنيف. غير انني يهمني ان اشدد على جماليات المكان في محاريب مسجد المركز الاسلامي في واشنطن، ومسجد المركز الاسلامي في روما ومسجد المركز الاسلامي في نيويورك على التوالي نظراً لتميز هذه المحاريب ولان كلا منها يعد نموذجا لتيار في الفكر المعماري الاسلامي الحديث. من الناحية التاريخية يمكن القول ان انشاء مسجد المركز الاسلامي في واشنطن تعود فكرته الى نوفمبر عام 1944 غير ان انشاءه لم يكتمل إلا في عام 1957، وقد كان بحسب احصاءات منتصف الثمانينيات ـ واحدا من ستمئة مسجد تخدم ثلاثة ملايين مسلم ، واقيم لاداء ثلاث وظائف رئيسية، اولها ايجاد مسجد يلبي الاحتياجات الدينية للجالية المسلمة في العاصمة الامريكية، وتطوير عملية تفهم الاسلام في بلاد كان الاسلام حتى ذلك الوقت لايزال بعيداً عن ان يكون معروفا بشكل واضح لغالبية كاسحة من ابنائها، كما اريد له ان يكون قناة لتحسين العلاقات بين الولايات المتحدة والعالم الاسلامي. هذا المسجد الذي شيد على موقع مميز في قلب حي السفارات في واشنطن بمساحة 2800 متر تم شراؤه مقابل مبلغ خمسة وتسعين الف دولار تبرع بها الملك فاروق الاول والحكومة المصرية وبني بتبرعات من الجالية والحكومات والافراد المسلمين يتميز بمجموعة من العناصر المهمة، منها: ـ النظاق العريض للوظائف التي تم تصور امكانية اضطلاع المسجد والمركز بها، وقد بلغ سقف الطموح في هذا الشأن حدا لم يقدر معه لبعض الوظائف ان تتحقق او ترى النور قط، ومن المؤكد ان عدم التحقق هذا مرده الى الضوابط المالية وضوابط اخرى غيرها، ويكفي في هذا الصدد ان اكمال هذا المبنى قد استغرق عقداً ونصف العقد، و قد شمل التصور الاولى للمشروع نطاقاً عريضاَ من الخدمات، من بينها متحف لعرض اعمال فنية من مختلف ارجاء العالم الاسلامي، ومعهد للدراسات العليا في التاريخ، الفن، الشريعة، اللغة العربية، الدراسات الدينية للصغار، اصدار مجلة اكاديمية واصدارات مختلفة تتناول القضايا الاسلامية وتسهيلات تشمل مكتبة وقاعة للمحاضرات، ولم يقدر للمتحف أو المعهد او اصدار المجلة ان يرى النور، وقسمت قاعة المحاضرات الى اقسام فرعية، لتوفير المجال لفصول دراسية صغيرة ولكن ذلك كله جرى تعويضه من خلال الاستخدام المكثف للمركز على نحو ما جرى تشييده بالفعل. ـ من المعروف تاريخيا ان السفير المصري لدى واشنطن في وقت اطلاق المشروع، محمود حسن باشا، قد بذل جهوداً كبيرة لاقناع وزارة الاوقاف المصرية بأن تقدم تصميما للمشروع وان تعد رسومات البناء، وبدورها عهدت الوزارة الى المعماري الايطالي الشهير ماريو روسي بهذه المهمة، ولم يأت ذلك ـ بالطبع ـ اتفاقا ولا بمحض الصدفة، فقد كان روسي معماريا له ثقله في ذلك الوقت في مصر، وارتبط اسمه بصفة خاصة بعمارة المساجد وزخرفتها ومن بين اشهر تصميماته تلك التي وضعها لمسجدي الزمالك وعمر مكرم في القاهرة، ولمساجد محطة الرمل ومحمد كريم والمرسى ابي العباس في الاسكندرية. ويمكن القول بصفة عامة ان تصميمات روسي لهذه المساجد تعكس تمسكا بالتقليد وبصفة خاصة في استخدامه المتكرر لنمط القبة المركزية العثمانية، اما الجانب التجريبي في عمله فيبرز في الاداء المؤسلب في مشروعات زخرفة المساجد وفي شكل المنارة. ونلاحظ انه في معظم تصميماته قد ضرب صفحاً كلية عن الصحن المفتوح، وعمد الى رفع المسجد بصورة ملموسة عن مستوى الشارع الذي يطل عليه الموقع، الامر الذي يكفل التعامل مع المسجد كصرح تحتازه الجدران بالكامل، ويتم الوصول اليه عن طريق درج يفضي الى بهو معمد بدلا من مدخل الإيوان المألوف في العديد من المساجد القاهرية، ومن التجديدات البارزة التي ادخلها روسي الاشكال الجديدة للزخرفات القائمة على التوريق والزخرفة بالتخريم والتثقيب في وجهيات المساجد التي استخدمها بكثافة وغدت مألوفة في العديد من المساجد المصرية ، كما يلاحظ اهتمامه بالمنارات بصفة خاصة التي كثيرا ما كان يهتم في شكلها وفي ارتفاعها وهو ما يبدو بوضوح في حالة منارة مسجد محطة الرمل التي تشمخ الى 73 قطرا فوق مستوى الارض ويلفت النظر ان تصميم روسي لمسجد واشنطن يعكس هذا التوصيف بصورة جوهرية. ـ اذا انتقلنا الى الجانب الذي يعنينا هنا، وهو المتعلق بجماليات المكان بالنسبة لمحراب هذا المسجد فإن علينا ان نتذكر اننا هنا بازاء بيت صلاة مربع تقريبا تعلوه قبة وعلى الجزء الاسفل من الجدران الخارجية نطاق مزخرف على نحو بديع بارتفاع مترين مؤلف من القرميد التركي الذي يستمد اساسه من تصميمات اضنية، والذي تبرعت به الحكومة التركية كمساهمة منها في المشروع، ونفذه فريق من الحرفيين الاتراك الاختصاصيين في هذا الفن والذين قدموا من تركيا خصيصا لهذا الغرض، وانجزوا عملهم تحت اشراف المعماري حقي عزمة الاستاذ بمعهد غازي في انقرة، والقطاع الوسيط من الجدران الخارجية هو من الجص الابيض، مع وجود ستائر جصية في الجدران الجانبية بما يسمح بدخول الضوء الطبيعي الى بيت الصلاة، وفي اعلى الجدران هناك ستائر مخرمة، واجزاء قرميدية مستقلة مزخرفة، اما بالنسبة للمحراب نفسه فإنه ينتمي الى تلك النوعية من المحاريب التي يمكن ان نتوقعها من ماريو روسي في ضوء منجزاته المعمارية العديدة في القاهرة والاسكندرية، فهو عبارة عن حنية في جدار القبلة يكسوه قرميد تركي وابداع زخرفي لا سبيل الى وصفه بالافراط، او الاغراق، وهو يردد اصداء الزخارف النمطية العملاقة المنفذة برقائق الرخام الموجودة في مدخل المسجد الرئيسي والتي يغلب عليها اللون الازرق الفاتح. وهنا نلاحظ على الفور تقريبا التكامل المدهش بين هذا المحراب مملوكي السمت والإهاب وبين منبر المسجد، الذي تبرعت به الحكومة المصرية، والذي يتوقف الكثير من الخبراء امامه، فهو مؤلف من عشرة آلاف قطعة جميعها نتاج شغل يدوي من الخشب المطعم بالعظم والعاج، وكلها مركبة بطريقة العاشق والمعشوق المعروفة في النجارة العربية، نفذها حرفي مصري ارسل الى واشنطن خصيصا لهذا الغرض، وخرج المنبر من تحت يده، كما يقول التعبير الحرفي الشهير، من دون استخدام مسمار واحد. تحت سماء روما اذا انتقلنا الى دراسة جماليات المكان في محراب مسجد المركز الاسلامي في روما، فإننا نجد انفسنا امام تعبير معماري مختلف تماما، حيث ان المفهوم المعماري الذي يأتي المحراب تجسيداً لاحدى جزئياته هو مفهوم اكثر حداثة وعصرية مما رأيناه في واشنطن. من الناحية التاريخية اضطرت الجالية المسلمة في روما، التي بلغ قوامها عشرين الف مسلم بحسب احصاء عام 1990 الى استئجار شقق في العاصمة الايطالية لاقامة الصلاة فيها، واستخدم المركز الاسلامي الموجود هناك لايواء اللاجئين وكذلك لاقامة الشعائر وفي عام 1963 ابدى الفاتيكان عدم ممانعته لاقامة مسجد في روما بالشروط التي اشرنا الى بعضها. وشكلت زيارة العاهل السعودي آنذاك ـ اوائل السبعينيات ـ الملك فيصل بن عبدالعزيز المنعطف الذي توالت انطلاقاً منه الاحداث في هذا الشأن حيث بادرت الجالية المسلمة الى اتخاذ خطوات محددة حتى يرى المشروع الكبير النور. اجريت مسابقة دولية في عام 1975 للوصول الى تصميم للمسجد والمركز الاسلامي فاز فيها المعماريان الايطاليان باولو بورتوجيزي وفيتوريو جيلجليوتي لاقامة المشروع على موقع تبرع به مجلس مدينة روما في عام 1974 تبلغ مساحته ستة افدنة في منطقة مونتي انتين وبدأ العمل التنفيذي في يناير 1979 وتوقف لعدم توافر الارصدة اللازمة ثم استؤنف في عام 1984، وافتتح المشروع للاستخدام في منتصف 1992 ثم افتتح رسمياً في 1994 . كان المطلوب من وجهة نظر رعاة المشروع ان يكون التصميم مقاوما للزلازل ومتسما بالقوة والقدرة على الصمود، وذلك على الرغم من ان روما ليست مدرجة رسميا في قوائم المناطق المعرضة لاخطار الزلازل. كما شدد الرعاة كذلك على ضرورة تمتع المشروع بالعناصر الجمالية وبطول العمر وظيفيا. وقام المعماريان والمهندسون المنفذون باختبار المواد لتلبية ما اراده رعاة المشروع، وحظي الجهد الذي بذلوه في هذا الاطار بالعديد من الجوائز الاوروبية في دراسة الاسمنت ومعالجته وكذلك التصميم المترتب على هذه الدراسة. ومن المهم، في هذا الاطار ان نشير الى مجموعة من النقاط، مع التركيز بصفة خاصة على ما يعنينا هنا وهو جماليات المكان بالنسبة لمحراب هذا المسجد. ـ في مواجهة المشكلة المتصلة باقامة الصلة بالماضي، وهي مشكلة لابد من حلها حتى لو كان هذا الحل يمر بالقطيعة البصرية مع الماضي، عمد المعماريان بورتوجيزي وجيجليوتي الى تجنب المواقف الحداثية التي تميل اساسا الى ايثار الفضاءات الداخلية المفتوحة ذات الاسقف الممتدة، وعمدا بدلا من ذلك الى استلهام النموذج التاريخي البارز المتمثل في مسجد قرطبة الكبير من حيث التشديد على الافقية والصورة العضوية الخاصة بغابة الاعمدة التي شعرا بأنها تستحضر مناخا روحيا مؤثرا، وجمعا بين التأثير الاندلسي والصور التركية والفارسية والايطالية وبخاصة الرومانسية وذلك لتحقيق انعكاس الخلفيات المتعددة لابناء الجالية الاسلامية في روما وللتأكيد على عبقرية المكان فيما يتعلق بالعاصمة الايطالية. ـ يرى الكثير من الباحثين ان بيت الصلاة هو العنصر الاكثر نجاحا في هذا المشروع، حيث صمم لاستيعاب الفي مصل، وهو يقع في محور متعامد على صفوف الاعمدة، ويمكن الوصول اليه مباشرة من الفناء المرتفع او عبر المدخل الرئيسي الواقع تحته، وتبلغ مساحته 2500 متر مربع وتعلوه قبة مركزية وتحف به مجنبات بارتفاع طابقين، وهو يجمع بين تصميم بيت الصلاة العربي المعمد ونظيره العثماني المقبب، ويلفت النظر استلهام السقف للتجارب التاريخية الاسلامية البارزة كما في سقف مسجد قرطبة الكبير ومسجد تلمسان من الجزائر، حيث يتألف السقف من قبة مركزية ذات ضلوع وست عشرة قبة فرعية جميعها تستند الى نظام معقد من الاعمدة والعقود المتداخلة. ـ يتميز المحراب في هذا المسجد بأنه عبارة عن حنية مرتفعة في حائط القبلة تكسوه قرميدات زخرفية مزججة بديعة ونطاق من الخط منفذ بالقرميد الازرق والاخضر والاحمر القاتم وتحقق التوازن معه التناغمات المختلفة للون الابيض في داخل بيت الصلاة، اما من الخارج فإن مكان المحراب مميز في حائط القبلة بحنية تتراجع للداخل على نحو تدريجي، ولكن مع عدم الوصول الى الابعاد الانسانية حيث تظل الحنية الاكثر ايغالا في الحائط شديد الارتفاع ويلفت النظر وجود نطاق افقي متألق على كل من جانبي هذه الحنية. ـ على الرغم من النقاش المحتدم الذي يدور حول مدى اهمية هذا المجمع من حيث كونه مساهمة كبرى في العمارة الاسلامية الحديثة، فإنه يظل مبنى صرحيا لا تنقصه الاهمية بكل المعايير، ولسنا ندري امن قبيل الانتقاد الشديد ام المديح البالغ والاطراء المفرط ما يشار اليه دائما في هذا الصدد من ان مسجد روما بدلا من ان يقدم احالات الى تقاليد او اساليب اقليمية معمارية محددة، فإنه يمثل محاولة لتقديم تعبير محايد عن النزعة الاسلامية في عمومها من خلال توظيف اسلوب معماري يتفاعل المسلمون معه بغض النظر عن الاطار الجغرافي الذي قدموا منه.