ونحن في هذه الحياة المتواثبة وهذا الصراع المحموم والسباق في كل مروع وفي اطار هذه المتغيرات المستمرة في مواكبة الحياة ومسيرة الزمن يحتاج الانسان إلى تربية خاصة يقابل بها المفاجآت والأحداث حتى يوطن نفسه على مواجهة الدنيا في كل أحوالها. وحتى يثري الاسلام هذه الملكات عند المخلصين ذوي الهمم العالية والنفوس الزكية والأرواح الخيرة فتح أبواب فضله لمن يطرقها على مدار العام بالترغيب في الصوم ووعد على ذلك الثواب الجزيل كما شدد النكير على من يقصر أو يفرط في أداء الصوم. وليس كالصوم وسيلة لتدريب النفس على جهاد النفس من أجل ذلك كان الصوم بمدرسته أهم مراكز الاعداد لخوض المعارك وملاقاة الأعداء وكان الصائمون حقا لهم العدة القوية ليوم النزال وهم الدرع الحقيقية الحصينة في ميادين القتال ووسيلة الأمان التي في ظلها تسود السكينة ويعم السلام ذلك لأن من مقدمة ما يراضون عليه الصبر والتحمل وقوة الارادة ومضاء العزيمة والاستعداد عن رضى لمواجهة الحياة بحلوها ومرها وسائر تقلباتها كما لا يتذوق المرء طعم الحرية ويدرك قيمتها ولا يرى لنفسه وجوداً إلا من خلالها. ان الصوم من أهم الوسائل التي تحرر انسانية المؤمن الصادق من سلطان المادة وتسمو به حيث لا تؤثر فيه زهرة الحياة الدنيا وزينتها وتأبى على جاذبية الأرض ان تشده إليها أو إلى من عليها أو إلى ما يكتنزه تراثها وتظل تلك الانسانية تسمو بالصائم فوق طبيعته البشرية التي يعيش بها إلى عالم جديد غير عالمها الذي كانت تتنازعها فيه تيارات مختلفة تقودها شهواته ونزواته وميوله وغرائزه وتلك هي انسانية المؤمن الصادق الذي انتصرت فيه روحه على جسمه وحيوانيته وأعلن على الدنيا بهذه النية حربه على كل ما يشوب علاقته بخالقه القادر الذي تبهر قدرته طاقات العوالم وانه وحده المستحق للعبادة، وكأن الله عز وجل قد جعل من الصيام سبيلاً لانتصار الروح على كل مطالب الحياة المادية التي هي كالظل للانسان لا تفارقه ، ثم كان شهر رمضان شهر الجهاد جهاد النفس. ان مجتمع الصائمين هو ذلك المجتمع الذي يتذرع بمجاهدة نفسه والتغلب عليها إلى مجاهدة العدو على أرضه ولهذا سمي جهاد النفس الجهاد الاكبر لأنه جهاد يستمر مع الانسان طيلة حياته ولا يفارقه ما دبت على الأرض قدمه وذلك يفتقر الى بذل اكبر وجهد اعظم ويقظة اتم خصوصا والعدو لاصق بكيانه مقيم بداخله وهو معه في حله وترحاله في ليله ونهاره في يقظته ومنامه ومن ثم كان ميدان هذا الجهاد ميدانا لا يكابد ما فيه من مشقات ولا يقوى على خوضه الا اقوياء الايمان الاسوياء وكان النجاح فيه مؤشرا الى النجاح في الجهاد الاصغر وهو جهاد الاعداء فإذا اضفنا الى ذلك الاخلاص الذي هو سر النجاح في جميع الاعمال ومراقبة الله في السر والعلن كان ذلك حريا ان يصوغ انسانا كاملا في نفسه وعقله وجسمه يستطيع ان يتحمل تبعات النهوض بمجتمعه عن جدارة وكفاءة كما يهون عليه البذل والتضحية في سبيله لو كلفه ذلك حياته ومن انتصر على نفسه وجنبها موارد الهلكة فلم يستسلم لها فقد امسك بيده ازمة النصر في جميع معاركه. ان المسلم بهذا الاقتران بين الانتصار على النفس والانتصار على العدو يدرك ان النصر الاول هو طريق النصر الثاني ووسيلته فمن انتصر على نفسه انتصر على عدوه لا محالة وماذا تفعل اسلحة الدنيا اذا كانت بيد فاجرة او نفس منحلة؟ أحمد عبدالتواب أحمد