شكلت قضية رفع المسيح عليه السلام وإعادة بعثه الى الارض من جديد منعطفا حادا في مسار العقيدة، بل العقائد والملل كلها على حد سواء. ففي حين تتشوه صورة المسيح في الفكر التوراتي بما يضيفه هذا الفكر من تهم للسيدة البتول مريم عليها السلام، فضلا عن ادعائهم قتل المسيح نفسه وصلبه. وفي حين تؤكد تعاليم الاناجيل البابوية هذه الصورة مع اضافة زيادة عليها تتمثل في قيامة المسيح بعد اليوم الثالث من مقتله وصعوده الى السماء، يأتي القرآن الكريم موضحا هذه الحادثة بكل ملابساتها وتفاصيلها، وملقيا اللوم على اولئك الذين استباحوا لانفسهم تزوير الحقائق الدينية وتغيير النصوص الالهية. لقد فصل القرآن الكريم هذه الحقيقة وكشف عنها غبار الزمن الذي حجب صحتها، واعطى كلمته الفصل فيها. لقد كان القرآن الكريم صريحا كل الصراحة، واضحا كل الوضوح في شرح هذه القضية وبيان ابعادها، فضلا عما اضافته السنة النبوية الشريفة من تفاصيل اخرى سنعرض لها في ثنايا هذه المقالة. اما عن موقف العلماء المسلمين من هذه القضية فيمكن ايجازه بما يلي جوابا على التساؤلات التالية: هل توفي عيسى بن مريم عليه السلام ام لا؟ هل قتل وصلب ام لا؟ هل رفع الى السماء بالجسد والروح ام بالروح فقط؟ وهل هو الآن حي فيها؟ وهل سيعود وينزل الى الارض من جديد؟ وكيف سيتم بعثه؟ وبماذا يحكم؟ الى غير ذلك من التساؤلات التي ترد على ذهن الانسان وهو يقارن بين تعاليم الرسالات السماوية. لقد انقسم موقف العلماء المسلمين من هذه القضية الى ثلاثة اتجاهات: 1) اتجاه يقول بأن ذلك من قبيل المتشابه الذي لا يعلم حقيقته الا الله تعالى، فينبغي الا نخوض فيه، ونفوض الامر فيه الى الله. وعلى ذلك اعتبر اصحاب هذا الاتجاه كل الاحاديث النبوية التي وردت في هذه المسألة من قبيل المشكل وقد ذكر ذلك سيد قطب في تفسيره «في ظلال القرآن» عند تفسيره الآيات القرآنية التي تحدثت عن هذه القضية، فلم يتكلم فيها بشيء اكثر من ذلك، لكنه اكتفى بذكر ان عيسى من علامات الساعة. 2) واتجاه يقول بأن عيسى بن مريم لم يقتل ولم يصلب، وانما رفعه الله تعالى الى السماء بجسده وروحه وأنه حي، وسينزل الى الارض حينما يأمر الله بذلك، وسينزل ليحكم بشريعة النبي محمد صلى الله عليه وسلم، ويقيم الحق، ويقضي على المسيح الدجال، ويكسر الصليب، ويقتل الخنزير، فيؤمن به اهل الكتاب جميعا، وسيكون ذلك علامة كبرى من علامات الساعة. انه وعد الله ووعد رسوله، ولا يخلف الله وعده، كما لا ينطق نبينا محمد عليه السلام عن الهوى. وهذا الاتجاه يمثله موقف الصحابة رضي الله عنهم وكبار التابعين وتابع التابعين، وجم غفير من الفقهاء وعلماء اهل السنة والجماعة فضلا عن المفسرين. كذلك فإن الاتجاه السلفي يتبنى هذا الموقف. 3) واتجاه ثالث يقول بأن عيسى عليه السلام لم يقتل ولم يصلب، ولكن الله توفاه ورفعه اليه بروحه فقط. وهو عبارة عن ارتفاع الدرجة والمكانة العالية التي اعدها الله لهذا النبي الكريم. وهذا الاتجاه الذي ينكر رفع عيسى بالجسد، ينكر ايضا نزوله الى الارض من جديد، كما يرفض ان يكون علما من علامات الساعة الكبرى، ضاربا بذلك الآيات القرآنية والاحاديث النبوية التي صرحت بما لا يقبل الشك ولا التشكيك بحقيقة الحادثة. وهذا الاتجاه يتبناه المتأولون للنصوص والمبتدعة، قديما وحديثا، وهو اتجاه لقي صدى واسعا في مدرسة الامام محمد عبده وبعض تلامذته. اما عن تفصيل المسألة، فنبدأ اولا بعرض الآيات القرآنية، ثم نتبع ذلك بذكر بعض الاحاديث النبوية، معقبين عليها كلها بالشرح والايضاح. ولكي تتضح رؤيتنا لهذا الموضوع بصورة اكثر جلاء، فنسارع الى القول بأننا من اصحاب الاتجاه الثاني القائل برفع عيسى جسدا وروحا ونزوله الى الارض من جديد، عندما يأذن الله بذلك، كعلامة من علامات الساعة الكبرى. أولا: في القرآن الكريم عرض القرآن الكريم للقضية في مواضع عديدة. ففي سورة آل عمران الاية 55 يقول الله تعالى: «اذ قال الله يا عيسى اني متوفيك ورافعك إليّ ومطهّرك من الذين كفروا، وجاعل الذين اتبعوك فوق الذين كفروا الى يوم القيامة...» بعدما ذكر الله تعالى في السورة نفسها من الآيات (33 ـ 54) قصة امرأة عمران ومريم وزكريا وعيسى وما لاقاه من بني اسرائيل. وفي سورة النساء (الآيات 156 ـ 159) يقول الله تعالى: «وبكفرهم وقولهم على مريم بهتانا عظيما. وقولهم انا قتلنا المسيح عيسى بن مريم رسول الله وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبه لهم وإن الذين اختلفوا فيه لفي شك منه ما لهم به من علم إلا اتباع الظن وما قتلوه يقينا بل رفعه الله اليه وكان الله عزيزا حكيما. وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به قبل موته ويوم القيامة يكون عليهم شهيدا». وفي سورة مريم (الآيات 33 ـ 34) يقول الله تعالى: «والسلام علي يوم ولدت ويوم أموت ويوم أبعث حيا. ذلك عيسى بن مريم قول الحق الذي فيه يمترون». وفي سورة الزخرف (الآيات 57 ـ 61) يقول الله تعالى: «ولما ضرب ابن مريم مثلا اذا قومك منه يصدون. وقالوا أآلهتنا خير أم هو، ما ضربوه لك الا جدلا بل هم قوم خصمون. إن هو إلا عبد أنعمنا عليه وجعلناه مثلا لبني اسرائيل. ولو نشاء لجعلنا منكم ملائكة في الارض يخلفون. وإنه لعلم للساعة فلا تمترن بها واتبعون. هذا صراط مستقيم». وتعليقا على هذه الآيات الكريمة تجدر الاشارة الى ان الصورة التي رسمتها لنا عن عيسى بن مريم عليه السلام تتمثل بما يلي: 1) التأكيد على عدم قتله او صلبه بصيغة التأكيد المطلق للنفي. (وما قتلوه وما صلبوه... وما قتلوه يقينا). 2) ان عيسى ولد ولم يمت بعد. ففي حين استخدم القرآن صيغة الماضي للدلالة على ولادته (وُلِدْتُ)، فإنه استعمل المضارع عند الحديث عن الموت والبعث. ومعلوم ان المضارع للحال او الاستقبال، فلا يفيد معنى تحقيق الحدث، فضلا عن القرائن الاخرى الموجودة في الآيات التي تنفي عنه الموت. 3) اما الآية في سورة آل عمران «اني متوفيك» فلا شك انها تدل دلالة واضحة على عدم موته، لكن الموت واقع عليه فيما بعد، وذلك باستخدام اسم الفاعل. واسم الفاعل يفيد في اللغة معنى الحدث مجردا عن الزمن، بمعنى ان الحدث سيقع حتما لا محالة، لأن الموت حق على كل نفس، لكن متى؟ الله اعلم بذلك. 4) ان عيسى قد رفع الى السماء وذلك باستخدام صيغة اسم الفاعل «ورافعك الي» التي تفيد الحدث، ثم باستخدام صيغة الماضي «بل رفعه الله اليه» الذي يفيد تحقق وقوع الحدث في الزمن الماضي. كما لا ننسى حرف الاضراب «بل» في سياق الآية وما يفيده من تقوية المعنى حيث نفى ما اعتقده بنو اسرائيل من قتلهم لعيسى وصلبهم له، بل ان الله تعالى انقذه من بين ايديهم وذلك برفعه اليه. 5) ان عيسى عليه السلام سيبعث حيا من جديد «ويوم أبعث حيا» وبعثه هذا هو علامة كبرى من علامات الساعة التي اخبرنا عنها القرآن والسنة. ثم ان الآية واضحة في تأكيد هذا المعنى «وإنه لعلم للساعة». 6) ان عيسى بن مريم بعثه ونزوله الى الارض سيموت بعد ذلك، شأنه شأن البشر، بعدما يكون قد ادى ما اراده الله تعالى منه، فيؤمن به جميع اهل الكتاب على ما يقضي به الدين الاسلامي الحنيف، بدليل الآية: «وإن من اهل الكتاب الا ليؤمنن به قبل موته». وواضح ـ ومن دون تعليق اكثر ـ ماذا تفيده هذه الألفاظ: إن ـ إلا، ثم التوكيد الثقيل في الفعل (ليؤمنن) مع اتصاله باللام (لَ) المؤكدة ايضا، مع افادة معنى القسم المحذوف والمفهوم من سياق الآية وتقديره: (والله ليؤمنن...) وهذا الايمان بالمسيح من قبل اهل الكتاب سيكون حتما بعد نزوله الى الارض وحكمه فيها قبل موته وذلك بصريح الآية المذكورة وما قبلها من آيات. الاحاديث الواردة عن النبي صلى الله عليه وسلم في هذه القضية كثيرة، تزيد على سبعين حديثا متواترا او مشهورا، روتها لنا كتب الصحاح، وصرح ائمة الحديث وعلماء الجرح والتعديل بصدقها وصدق رواتها وعدالتهم، وثبوتها بحيث لا يدفع مجالا لانكارها او الشك فيها، او حتى تأويلها وتأويل معناها، ناهيك اذا ما ربطنا بين الآيات المذكورة وهذه الاحاديث، مما يفيد الخبر اليقين الصادق. وسأكتفي بذكر بعض هذه الاحاديث، ومن اراد الاستزادة منها ومعرفتها كلها فليرجع الى كتاب: «التصريح بما تواتر من نزول المسيح» تأليف العلامة المحدث الشيخ محمد أنور شاه الهندي وتحقيق العلامة الشيخ الدكتور عبدالفتاح أبي غدة. فضلا عن كتب السنة والاحاديث نفسها مثل: صحيح البخاري، صحيح مسلم، مسند احمد بن حنبل، صحيح الترمذي وغيرها باب علامات الساعة وظهور الدجال ونزول المسيح وغير ذلك. ومن هذه الاحاديث ما يلي: 1ـ ما رواه الشيخان (البخاري ومسلم) وغيرهما بطرق مختلفة كثيرة عن ابي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «والذي نفسي بيده ليوشكن ان ينزل فيكم ابن مريم حكما عدلا فيكسر الصليب ويقتل الخنزير ويضع الحرب ويفيض المال حتى لا يقبله احد، حتى تكون السجدة الواحدة خيرا من الدنيا وما فيها» ثم يقول ابو هريرة: واقرأوا ان شئتم قوله تعالى: «وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به قبل موته ويوم القيامة يكون عليهم شهيدا». 2ـ ما رواه مسلم وأبو داود والترمذي وابن ماجة عن حذيفة بن اسيد الغفاري رضي الله عنه قال: «طلع النبي صلى الله عليه وسلم علينا ونحن نتذاكر، فقال: ما تذاكرون؟ قالوا: نذكر الساعة. قال: انها لن تقوم حتى تروا عشر آيات: الدخان والدجال والدابة وطلوع الشمس من مغربها ونزول عيسى بن مريم ويأجوج ومأجوج وثلاثة خسوف: خسف بالمشرق وخسف بالمغرب وخسف بجزيرة العرب، وآخر ذلك نار تخرج من اليمن تطرد الناس الى محشرهم». 3ـ روى مسلم وأبو داود والترمذي وأحمد وابن ماجة في حديث طويل من حديث النواس بن سمعان رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بشأن الدجال. وفي هذا الحديث: «فبينما هو كذلك ـ اي الدجال يعيث في الارض فسادا ـ اذ بعث الله المسيح بن مريم، فينزل عند المنارة البيضاء شرقي دمشق بين مهرودتين (أي ثوبين او حلتين تضربان الى الصفرة)، واضعا كفيه على اجنحة ملكين، إذا طأطأ رأسه قطر، وإذا رفعه تحدر منه جمان كاللؤلؤ، فلا يحل لكافر يجد ريح نفسه الا مات، ونفسه ينتهي حيث طرفه، فيطلبه حتى يدركه بباب لد فيقتله، ثم يأتي عيسى قوم قد عصمهم الله منه، فيمسح عن وجوههم ويحدثهم بدرجاتهم في الجنة...» الخ الحديث. 4ـ ما رواه احمد وابو داود وابن جرير بطرق مختلفة عن ابي هريرة قال: «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: الانبياء اخوة لعلات. أمهاتهم شتى ودينهم واحد. وإني أولى الناس بعيسى ابن مريم لأنه لم يكن بيني وبينه نبي. وإنه لنازل. فإذا رأيتموه فاعرفوه رجل مربوع، الى الحمرة والبياض، عليه ثوبان ممصران كأن رأسه يقطر وإن لم يصبه بلل، فيدق الصليب ويقتل الخنزير ويضع الجزية ويدعو الناس الى الاسلام ويهلك الله في زمانه الملل كلها الا الاسلام، ويهلك المسيح الدجال، فيمكث في الارض اربعين سنة، ثم يتوفى ويصلي عليه المسلمون». وهناك احاديث اخرى كثيرة مروية بطريق التواتر عن الصحابة الكرام لا مجال لذكرها لكثرتها. وهي رواية ابي هريرة وابن مسعود وعثمان بن ابي العاص وأبي امامة الباهلي والنواس بن سمعان وعبدالله بن عمرو بن العاص ومجمع بن حارثة وحذيفة بن أسيد وغيرهم، رضي الله عنهم اجمعين. ولسنا بحاجة الى التعليق على هذه الاحاديث، فهي تكشف لنا بذاتها وألفاظها وصيغها وتراكيبها عن معناها الذي اكدنا عليه قبل من خلال الآيات القرآنية وهو نزول عيسى عليه السلام الى الارض. ولا شك سيكون النزول بالجسم والروح. فهو الآن في انتظار الإذن الالهي له بنزوله. ومن كان منتظرا، ولا شك فهو ينتظر بجسمه وروحه وحواسه. ومن كان كذلك فهو اذن حي. د. علي دحروج