ورد ذكر الفوم (الثوم) في القرآن الكريم في معرض المطالب التي طلبها بنو اسرائيل من نبيهم موسى عليه السلام، وكذلك ارتبط في السنة النبوية الكريمة انه مكروه لرائحته الكريهة، لكن هذه الرائحة المكروهة التي نهى عنها النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: «من أكل ثوماً أو بصلاً» وفي رواية «من هاتين الشجرتين الخبيثتين» فلا يقربن مصلانا، فهذه الرائحة يمكن التغلب عليها، ويمكن تفاديها أيضاً، فالنيئ لا يؤكل إلا للتداوي، أما إذا أكل طبخاً فإن رائحته الكريهة تزول، ولذلك ورد في الحديث «أميتوها طبخاً». فالطبخ إذن يذهب برائحته الكريهة، وتبقى فائدته، ولكن له فائدة في طبخه، وفائدة لا توجد فيه إلا نيئًا. قال العرب فيه: الثوم ملين يحل النفخ جيداً، ينفع من تغير المياه ورماده إذا طلي بالعسل على البهق ذهب، وينفع من داء الثعلب، ومن عرق النساء، وطبخه ومشويه يسكن وجع الأسنان، وينفع من السعال المزمن ومن أوجاع الصدر من البرد، ويخرج الديدان من الأمعاء وإذا أضيف إلى اللحوم أذهب دهونها وسمنتها، وقال بعض الأطباء:إذا أضيف إليه الليمون وأكل في أي وقت نفع من الزكام والسعال، ولا يؤكل على الريق فإنه يضر جدران المعدة والأمعاء وقالوا أيضا: إذا أكل معه البقدونس أذهب رائحة الثوم، وزاد في مقاومة الجسم للزكام، وهذا للأجسام الباردة أما الأجسام الحارة فلا يذهب البقدونس رائحة الثوم، ومنهم من قال: ان الكمون يذهب رائحته. وهذه قضية يثيرها الأطباء العرب قبل الاطباء المحدثين، كما قالوا أيضاً انه مقرح للجلد وقالوا انه عسر الهضم، إذا ابتلع ابتلاعاً، لكن بعض الأطباء لم يشترط هذا الشرط فأوهم كلامه ان الثوم عسر الهضم، لكنه في الواقع إذا دقّ وسحق فإنه ليس عسيراً في الهضم، وعليه فإن الثوم لا يأكله من عنده قرحة المعدة والأمعاء لأنه قوي لاذع فيقرحها، ورائحته قد تؤدي بعض وظائفه، يقال ان عرب الصحارى كانوا يعلقون الثوم في أعناق الأطفال للاسهال والديدان المعوية وبعض الأمراض الأخرى، ويجدونه كلما ضعفت رائحته، وقالوا في الطب الحديث: يحتوي على عناصر مطهرة ومعقمة تتركز في خلاصة كبريتية مؤلفة من الكبريت واكسيد الآليل وهي التي تعطيه رائحته الخاصة النفاذة. وقالوا: إذا شرب مع اللبن الرائب يطهر الأمعاء ويعالج السعال الديكي والربو، وينشط القوة الجنسية، ويستعمل لخفض ضغط الدم، وأكله يمنع تجمع الكولسترول على جدران الشرايين وللسعال الديكي يدهن أسفل الرجلين والعمود الفقري، كما ينقي الدم نفسه من الدهون والكولسترول، ويقتل الجراثيم التي تسبب السل والدفتريا، وفي بعض الحالات يكون أقوى من البنسلين وبعض المضادات الحيوية وفي توتر الشرايين يؤكل مع خبز وزبد ويهرس الثوم ويؤكل صباحاً. كما انهم نصحوا بعدم الاكثار منه خاصة لمن عنده ضغط الدم فيكفي منه فصان كما ينصح الحوامل بألا يكثرن منه نيئاً. وقالوا: إذا خلط بالزيت والملح وترك مدة ثم دهنت به فروة الرأس فإنه يمنع تساقط الشعر، وبعد فترة من الاستمرار لا تزيد على 40 يوماً ينبت الشعر الجديد. وقالوا ان الثوم يحتوي على 25% زيوت طيارة فيها مركبات كبريتية وعلى 49% بروتين، و 2% دهن و 47% أملاح و 6% ماء، ويتفق جميع الأطباء ان الثوم مضاد حيوي قوي جداً، وقاتل للجراثيم وكانوا قديماً يستعملونه مع الخل لتطهير الجروح. وهكذا نرى ان منافع الثوم كثيرة جداً، وهو نبت رخيص الثمن يوجد في كل بيت، ومعنى ذلك ان الصيدلية الربانية في متناول الجميع متاحة للفقير والغني، ولو أدرك الفقراء ذلك لما احتاجوا إلى تحكم الأغنياء فيهم والتسلط عليهم، وإنما جعل الله في الغذاء دواء وحماية لكيلا يخضع الفقير لتسلط الغني والتحكم فيه لأن المرض مذل للنفوس، فقد يخضع الانسان لأجل دوائه فجعل الله سبحانه وتعالى الدواء أو معظمه في تناول العامة، وهم يتناقلون فيما بينهم منافع طعامهم، فكثيراً ما تجد الفقير إذا أحس بمغص تناول الكمون وأما الغني فيهرع إلى الدواء المرتفع الثمن، وهذا نوع من تقسيم المعيشة التي قسمها الله بين خلقه بقوله تعالى: «نحن قسمنا بينهم معيشتهم في الحياة الدنيا» 23 الزخرف. د. أبو بكر علي الصديق