عدت من جديد أنقّب وأبحث عن بداية أخرى للوصول إلى عالم الشطّار العرب، ووقف هانز يحثني على مواصلة السير والانتقال مباشرة إلى التفاصيل الصغيرة والحكايات المتناثرة في دهاليز التاريخ وأوراقه. كانت لهفة هانز في معرفة كل شيء، وبأي طريقة، لهفة اندفاع مثيرة وجميلة في الوقت نفسه، فهي تدل على شغف حقيقي ورغبة صادقة في معايشة الأشياء والاقتراب منها إلى حدّ الالتصاق والتوهج، فكلما نظرت في عينيه وجدتهما تلمعان، وتحاولان أن تختصرا الزمن لكي تلتقطا التفاصيل الغائبة، وكأنهما تريدان أن تمسحا دقائق الأشياء وتختزلاها للأيام المقبلة. التفت إلى هانز متسائلاً بخبث.. هل حقاً تريد أن تنتقل إلى تلك الأزمنة لتعرف حكايات وقصص الشطار والصعاليك؟ ـ أجاب هانز ساخراً.. وما الذي قادني إلى هنا، هل تعتقد أنني أتيت هكذا للنزهة؟! ـ لا، بل جئت من أيامك المقبلة في السجن! ـ شكراً على تشجيعك لي، وقدراتك المثيرة في رفع المعنويات! ـ عفواً هانز، أنا لا أقصد، فقط كنت أداعبك بكلامي هذا. ـ لا عليك.. الخدمة الوحيدة التي أريدها منك بحكم معرفتك بقومك أن تأخذني إلى تلك الأزمنة.. ـ حسناً سأبدأ البحث عن حكايات الشطار والصعاليك.. وما هي إلا ثوانٍ معدودات حتى ارتسمت على شاشة الجهاز، كلمات جعلتني، أقفز من مكاني كما قفز أرخميدس. صارخاً.. وجدتها، وجدتها.. كانت الكلمات عبارة عن عنوان لكتاب «حكايات الشُطّار والعيارين» في التراث العربي للدكتور محمد رجب النجار الذي صدر ضمن سلسلة عالم المعرفة التي تصدر شهرياً عن المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب بالكويت. ـ قلت لهانز: لقد قطعنا نصف المسافة، والمعرفة كما تعلم تبدأ بخطوة. ـ أريد الخطوة التالية لكي أعبر النصف الثاني من المسافة. ـ يا صديقي، الخطوة التالية تكمن في معرفة الشخصية التي ستأخذنا وتدلنا على مناخات ذاك الزمن، فكما تعرف فان الدخول في أجواء تلك الأزمنة مخاطرة كبرى. ـ إذن هيا بنا نستجلي الأمر ونتعرف عن قرب على شخصية الدكتور محمد رجب النجار؟ قلت: ما دمنا نتخاطب ونتخاطر من خلال هذا الصندوق السحري الذي أمامنا، فلا علينا، فكل شيء متاح لنا والمعلومات سنتحصل عليها بسهولة ويسر. ـ وماذا ننتظر؟ ـ لا شيء أيها الصديق، سيكون أمرك مجاباً في الحال. ـــ هكذا حددنا اسم الدكتور النجار وبدأنا بكتابة اسمه في الخانة المخصصة للبحث، وكانت النتيجة مذهلة، فالدكتور من مواليد مصر 1941، تخرج من كلية الآداب بجامعة القاهرة في العام 1962، وحصل على درجة الماجستير عام 1972 والدكتوراه عام 1976 في الأدب الشعبي العربي من كلية الآداب جامعة القاهرة، له بحوث ودراسات متنوعة في الأدب الشعبي نشرت في المجلات العلمية المتخصصة. من مؤلفاته: كتاب جحا العربي، شخصيته وفلسفته في الحياة والتعبير، وكتاب «أبو زيد الهلالي» دراسة نقدية في الابداع الشعبي العربي. قال هانز معجباً: لقد أثارتني السيرة الذاتية للدكتور النجار، فنحن أمام عالم كبير في التراث العربي، وهذا سيسهل كثيراً من مهمتنا المنشودة. ـ قلت: بالتأكيد يا هانز، فمن خلال كتب وابحاث ودراسات الدكتور النجار ستكون مهمتنا سهلة، خاصة واننا من خلال كتابه حكايات الشطار والعيارين في التراث العربي سنتعرف على جوانب خفية وحكايات ونماذج، ربما كانت هي النواة التي نسج عليها الآخرون حكاياتهم. ـ اذن علينا بالدكتور النجار كي يرافقنا للتسكع في جنبات ذاك الزمن القديم وممراته المتعرجة وأزقته وحواريه، سواء أكان ذلك في أحياء بغداد أم اسواق دمشق أم أبواب مصر القديمة. ... وغداً نكمل