في صلح الحديبية الذي تم فيه الاتفاق مع المشركين على هدنة لمدة عشر سنين يأمن فيها الناس ويكف بعضهم عن بعض، وانه لا غدر ولا خيانة، بل وفاء بالعهد، وكان من شروط هذه الهدنة: انه من أحد ان يدخل في عهد محمد وعقده فعل، وان من أحد ان يدخل في عهد قريش فعل، فدخلت قبيلة بكر في حلف المشركين، ودخلت قبيلة خزاعة في حلف المسلمين ومكثوا على تلك الهدنة نحواً من ثمانية عشر شهراً، كان المسلمون فيها مثالاً للوفاء بالعهد، إلا ان قريشا لم تف بالعهد بعد هذه المدة، فعاونت قبيلة بكر حينها، على حرب قبيلة خزاعة حليفة المسلمين، فغارت بنو بكر على خزاعة وقتلوا منهم ثلاثة عشر رجلاً، وألجؤوهم إلى الحرم، فخرج أحدهم وهو عمرو بن سالم الخزاعي وذهب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يطلب منه النصر، ومعه أربعون راكباً . فقام رسول الله باعطاء الأمة الدرس الأول في هذه العزة وهو درس الوفاء بالعهد وإغاثة المستغيث واجارة المستجير، ونصرة المظلوم، وقام بجر ثوبه، وهو يقول: «لا نصرت إن لم أنصر بني كعب مما أنصر منه نفسي»، ثم قام بتلقين الدرس الثاني: فأعلن التعبئة العامة، واستدعى المسلمين إلى المدينة، ليثأر لحلفائه الذين استغاثوا به وبالمسلمين من أتباعه، حتى تجمع المسلمون من كل صوب وحدب وبلغ الجيش عشرة آلاف، ثم قام بتلقين الدرس الثالث: وهو اختيار الزمن الصالح للغزوة فاختار شهر رمضان، شهر الفتوحات الربانية، والتعبئة الروحية، وخرج من المدينة في العاشر من شهر رمضان معمياً الأخبار عن وجهته حتى يفاجئ المشركين في ديارهم، حتى وصل إلى مر الظهران فعسكر بالجيش وقام بتلقين الدرس الرابع، وهو إعلان الحرب النفسية على العدو، لكي يحطم قواه المعنوية، فأمر العشرة آلاف الذين خرجوا معه ان يشعل كل ألف ناراً عظيمة، ليبعث الرعب في قلوب المشركين وتم له ماأراد، فعندما انبعثت أضواء النيران العشرة وأضاء وهاد مكة بعثت قريش أبا سفيان في نفر من المشركين ليتحسسوا الأخبار فأسرهم المسلمون وأتوا بهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما رأى أبو سفيان جيش المسلمين قال للعباس: لقد أصبح ملك ابن أخيك عظيماً، فقال العباس: إنها النبوة يا أبا سفيان، وظل به حتى أسلم، وجاء به إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأعلن إسلامه. وهنا يلقي الرسول الدرس الخامس، فعندما قال العباس لرسول الله ان أبا سفيان رجل يحب الشرف والفخر فاجعل له نصيبا فقال الرسول : نعم، وبعثه برسالة إلى قومه يزيدهم بها رعباً، ويطالبهم بالاستسلام. ل