قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «البكر تستأذن والثيّب تستأمر» قيل يا رسول الله إن البكر لتستحي؟ قال: «إذنها سكوتها فإن أبت فلا جواز عليها». هذه قاعدة شرعية عامة عمل بها جميع الفقهاء على اختلافهم في سُنيّة الاستئذان أو وجوبه، فالبكر إذا خطبت فعلى أبيها أن يخبرها عن الخاطب وأهله وأحواله وما رأيها في ذلك، لكن هذا الكلام عام، قد لا نصل فيه الى النتيجة المطلوبة، لأننا يجب أن نعرف رأي الفتاة بالتحديد حتى لا نظلمها أو نسجنها في سجن مقفّص مدى الحياة، ولذلك أرشدنا النبي صلى الله عليه وسلم إلى أن نستشير الأمهات، فالأم قد تعلم رأي البنت مسبقاً، أو قد تستطيع أن تُبدي رأيها أمام أمها، ولا تستطيع أن تبوح بذلك أمام أبيها، أو قد تبوح بذلك لإحدى اخواتها وتعرف الأم ذلك لكن لا أحد يستطيع أن يخبر الأب إما حياء أو مهابة أو خوفاً، وإدخال رأي الأم هنا مهم جداً خاصة فيما بعد الزواج، لأن الأم إذا لم تكن لديها الرغبة في ذلك الزواج فإنه سينقلب الى جحيم من المضايقات والمؤامرات والمشاكل التي لا تنتهي إلا بالطلاق أو الموت، والعياذ بالله تعالى. لكن عندما تكون موافقة منذ البداية فإنها ستكون عاملاً مساعداً في إنجاح ذلك الزواج وبناء البيت السعيد، إلا أن هذا لا يعني أن يستسلم الأب لرغبة الأم والبنت، فقد تكونان على خطأ، وقد يكون هذا الخطأ مدمراً للأسرة بأكملها بل قد يكون مدمراً للقبيلة كلها، كما إذا كان الخاطب نصاباً محترفاً يخفي أساليب احتياله وراء هذا الزواج، فإذا وصل الى مأربه امتدت يده الى أموال زوجته ثم إلى أموال أمها ثم أبيها، ثم من يلوذ بتلك الأسرة، تحت ستار المصاهرة، ثم ما يلبث ان يذهب مع الريح، ويبحث عنه الكل فلا يجدون سوى رائحته الخبيثة التي خلفها وراءه. ومثل هذه الحكاية نجدها في كل مدينة فهنا مئات الأمثلة. ومن لم يصدق فليذهب الى المحاكم ليعرف المزيد. ولذا أعطى الإسلام الحق للولي في الموافقة فإن لم يوافق فالزواج باطل، كما أن الفتاة لها الحق وإن لم توافق فالزواج باطل. لكن هل يملك الولي إجبار البنت على الزواج، اختلف الفقهاء فمنهم من أجاز له إجبارها، ومنهم من أبطله إذا صرحت بالرفض، وحتى الذين أجازوا الإجبار قالوا: إذا كانت صغيرة غير بالغة يجوز إجبارها، فإذا بلغت فهي بالخيار إن شاءت طلبت فسخ هذا الزواج فالقاضي يجيبها إلى ذلك. إلاّ أن الإمام أبا حنيفة رحمه الله تعالى كفانا هذا الهم ووجع الدماغ ومشاكل القضاء، ولم يجز النكاح بغير إذن البنت وبالتالي لم يجز إجبار البنت على الزواج واعتبره باطلاً، وهو رأي عند بعض الحنابلة ـ كما في المغني لابن قدامة ـ وهؤلاء عندما لم يجيزوا إجبار الفتاة واعتبروا رأيها لم يهملوا رأي الولي، لأنهم جعلوا الكفاءة شرطاً من شروط الزواج، فللولي أن يرفض الخاطب إذا لم يكن كفؤاً والكفاءة من كل جوانبها مطلوبة، كفاءة في النسب والشرف، وكفاءة في الناحية المالية والمهنية، وكفاءة من حيث الوضع الاجتماعي، فقد قالوا، من حق القرشي أو الهاشمي أن يرفض زواج ابنته من قبيلة وضيعة، ومن حق الغني أن يرفض الخاطب الفقير ومن حق الصائغ أن يرفض الخاطب الزبّال، لأن طريقة الحياة سوف تختلف بينهما، فالغنية تعودت على نمط من الحياة يصعب عليها تغييره وقد تظهر ذلك سهلاً لكن الزواج ليس شهراً ولا سنة انما هو حياة طويلة، فلن تأخذ زوجها وتعيش في جزيرة بعيدة، بل سيأتي أهلها إليها وتذهب إليهم وتجد نفسها في النهاية قد تسرّعت في زواجها وتعيش نادمة بقية حياتها أو تطلب الطلاق. وكذلك الشريفة بنت الأشراف تعوّدت على نمط من الأدب في الحديث والمعاملة والتلفظ ما يجعلها ترفض عمل شيء لم تتعوده، وقد يكون إهانة لمثلها، كما لا تتحمل بعض الألفاظ التي يستعملها الآخرون، وكذلك قد ترفض كلمة نابية توجه إليها. وهكذا، كما تقدم في الكفاءة، فالإجبار ضرر كبير على الفتاة، والضرر يكون أكبر وأخطر إذا كانت في مدينة كبيرة وخاصة في مجتمعاتنا اليوم، فقد حرضت الوسائل الإعلامية الفتاة على التمرد وعلمتها كيف تفعل وزيّنت لها الحرية القاتلة. فماذا لو أجبرها أبوها فهربت من بيته؟؟ أليست كارثة عليها وعلى أهلها، فإن عاشت تعيش منبوذة، وإن وجدها أهلها قتلوها، بينما الزواج الذي نبحث عنه هو البيت السعيد، الذي تذهب إليه الفتاة راضية طيبة النفس قريرة العين، تجد في بيتها كل المواصفات التي تحلم بها، فإن لم تجد كل المواصفات فعلى الأقل المواصفات الأساسية الثابتة التي لا تستغني عنها.