من بين العشرين أثراً التي صمدت بوجه عاديات الزمن في مجموعة (شاهي زندة) ضريح أمير زاده الذي لم يعثر على ترجمة له ولعله أحد أمراء البيت التيموري الصغار وقد شيد هذا الضريح في عام 788ه-1386م وهو يتميز بين منشآت المجموعة بمدخله الضخم المهيب الذي تتوسطه فتحة دخول متوجة بعقد مدبب من النوع الذي يرسم من أربعة مراكز وتزدان كتلة المدخل بزخارف رائعة نفذت باستخدام بلاطات القاشاني وقطع الفسيفساء الملونة بالإضافة إلى زخارف كتابية استخدم خط النستعليف الفارسي في تنفيذها. والضريح الذي نجده مباشرة بعد فتحة المدخل عبارة عن بناء مربع تغطيه قبة (مخوصة) كأنها نبته صبار والحقيقة أن كتلة المدخل تغطي بارتفاعها الشاهق على جمال هذه القبة التي تبدو ضئيلة ومتوارية خلف عقد المدخل.ضريح تومان آفا : شيد هذا الضريح عقب وفاة الفاتح العظيم تيمورلنك، إذ يرجع تاريخه إلى عام 808هـ 1405م ويعتبر هذا الضريح نموذجا كاملا لابتكارات أهل سمرقند في مجال تشييد الأضرحة، وتتجلى فيه نفس المفردات التي نراها في ضريح جور أمير الشهير والذي شيد في نفس الفترة تقريبا وليس من المستبعد أن فريق عمل واحد هو الذي قام على تصميم وزخرفة هذين الضريحين. ويتألف الضريح من مساحة مربعة لها جدران تزدان ببلاطات من القاشاني المزخرف، وفي نهاية جدران المربع نجد منطقة انتقال مثمنة نتجت عن استخدام حنيات ركنية لتسهيل تحويل المربع إلى مثمن تقام فوقه رقبة القبة. ورقبة القبة هنا من الطراز السمرقندي المشهور بطول ارتفاعه واستدارته التامة وقد زخرفت هذه الرقبة أو الطبلة بقطع من الفسيفساء الخزفية وبلاطات القاشاني التي تمتاز بغلبة درجات اللون الأزرق على زخارفها وكأنها تحاكي زرقة السماء من حولها. وفوق الرقبة تأتي خوذه القبة ذات القطاع المدبب والتي تبدو على البعد وكأنها بيضة دجاجة تقبع فوق الرقبة وقد ازدانت هذه الخوذة ببلاطات من القاشاني المزخرف بمختلف درجات اللون الأزرق مع لمسات من اللون الأبيض والاسود. ولإبراز جمال هذه القبة فقد حرص المعماري على تقليل ارتفاع كتلة المدخل حتى لا تحجبها كما رأينا في ضريح أمير زاده. وكتلة المدخل بوسطها عقد مدبب ذو أربعة مراكز، وكانت تزدان هي الأخرى ببلاطات من القاشاني المزخرف ومن أسف أنها فقدت معظم أجزاء هذه الكسوة الفنية البديعة حتى لم يتبق منها سوى عدد يسير من البلاطات الخرفية. وبصدر حجر المدخل فتحة باب مستطيلة متوجة بعقد مدبب يمثل ترديدا لإيقاع عقد كتلة المدخل. وقد أدت الأحداث الدامية التي صاحبت الغزو الروسي لمدن التركستان الى تحطم وتهدم العديد من أجزاء مجموعة شاهي زندة، ذلك أن القوات القيصرية التي استخدمت المدافع دون هوادة لقصف سمرقند وبخارى وغيرها من مدن خوارزم وأوزبكستان بدءا من القرن العاشر الهجري (16) قد تركت المساجد والمدارس والروضات تنعي من بناها، ثم جاءت الثورة البلشفية التي شملت روسيا وورثت أيضا ممتلكاتها في وسط آسيا، لتقضي على كل أمل في إعادة العمائر الإسلامية في هذه الأصقاع إلى سابق ازدهارها لأن خطة السوفييت كانت تعتمد شعارا واحدا في آسيا وهو الدين أفيون الشعوب ومن ثم فقد راحوا يتخلصون من بعض العمائر التي تحتاج لتكاليف مالية كبيرة لاعادة تأهيلها ونظر الحكم السوفييتي إلى المساجد باعتبارها آثار، فربما امتدت إليها يد الترميم إذا كانت بحالة جيدة من الحفظ أو تركت حتى تموت في مكانها وهذا كان حال معظم درر الفن الإسلامي في كل مدن وقرى جمهوريات آسيا الوسطى، تترك نهبا للبلى ويصرف الناس عن الإيمان صرفا فتتحول المساجد والمنشآت الدينية إلى شواهد قبور تزول من تلقاء نفسها بفعل الزمن. وقد لاقى قبر القاسم بن العباس الفتح أو شاهي زندة نفس المصير إذ ترك نهبا للزمن، فتهدم المسجد الملحق به وتشعثت قبته وتساقط من فوقها جميع بلاطات كسوتها الخزفية ولربما اقتلع عنوة، ولولا بعض العناية التي أخذ الحكم السوفييتي يوجهها إلى المجموعات المعمارية الكبيرة والشهيرة تحت تأثير العلاقات الحسنة مع بعض الدول العربية والإسلامية في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي، لكانت (شاهي وندة) وقبر القثم قد عفيت أثارها وانمحت. ومن المعروف أن باب ضريح القثم مكتوب عليه باللغة العربية قال النبي العربي الهاشمي القرشي المكي المدني عليه السلام: القثم بن العباسي أشبه الناس بي خلقة وخلقا وصحب هذا الحديث النبوي الشريف تاريخ بناء الضريح والمسجد والملحق به وهو عام 777هـ 1375م والضريح ليس سوى حجرة مربعة صغيرة تعلوها قبة كانت تزدان ببلاطات من القاشاني الأزرق الفيروزي فقد معظمها الآن. ومن المعروف أن (القثم) رضي الله عنه قد استشهد في إحدى الحملات المبكرة التي أرسلت لفتح بلاد ما وراء النهر في سنة 7 هـ (677م). وقد نشرت مؤخرا مجموعة من الصور الفوتوغرافية التي قام بالتقاطها عسكريون في الجيش الروسي القيصري الذي اجتاح سمرقند في 14 مايو عام 1868 على أثر هزيمة قوات مظفر الدين الأوزبكي. وتوضح هذه الصور مدى الخراب الذي أصاب (شاهي زندة) وغيرها من المعالم التاريخية في سمرقند بسبب الزحف الروسي الذي اثار الذعر بين السكان الآمنين إلى درجة أن اندفعت جموع بأكملها من السكان المسالمين لتهجر دورها ومواطنها التي ولدت وعاشت فيها لأجيال. وكانت وحدات الجيش الروسي آنذاك تحت قيادة الجنرال (كاوقمان) الذي دخل سمرقند على رأس حاشية كبيرة كان فيها الأمير الأفغاني (اسكندر خان) نجل صاحب مدينة حيرات ويقال أن هذه الأمير كان قد أتى في الأصل لشد أزر بخارى الشريفة (استسلمت للروس في 3 نوفمبر 1869م) في دفاعها عن الإسلام، حتى إذا لم يتمكن أهلها من أن يدفعوا له ما اتفقوا عليه من المال نظير خدماته مضى إلى خدمة الصليب المزدوج بعد أن قرأ الفاتحة على روحه. ومهما يكن من أمر فقد تركت أضرحة شاهي زندة بتصميماتها المعمارية والزخرفية أثرا واضحا على العمائر الجنائزية في الأقطار القريبة من آسيا الوسطى وبخاصة في إيران وخراسان بل وفي مصر ذلك أن اضطراب الأحوال في أواسط آسيا نتيجة للصراعات القبلية بين الأتراك والمغول كان يدفع بأرباب الحرف والصنائع إلى مغادرة مدنهم بحثا عن الرزق وقد شكلت إيران بثرائها المعروف وقربها الجغرافي نقطة جذب رئيسية لهؤلاء الفنانين المبدعين ودخلت مصر المنافسة معها ليس فقط للقرابة القريبة التي تربط بين أتراك آسيا الغربية ومماليك مصر من الجراكسة ولكن أيضا للثراء العريض الذي اصابته دولة المماليك بفضل سيطرتها على طريق التجارة البحرية بين الشرق الآسيوي وأوروبا. وبالفعل نجد في مصر صدى لعمائر شاهي زندة وجور أمير وبخاصة في القباب المخصصة التي تتوج قمم مأذن مملوكية بل ومقابر مملوكية مثل التربة السلطانية (القرن 8ه) بل أن هناك بعض القباب التي شيدت على نمط القباب السمرقندية الشهيرة برقبتها الطويلة وقبتها التي تبدو على البعد كما لو كانت بيضة دجاجة، مثلما نرى في قبة صرغتمش الملاصقة لجامع أحمد بن طولون بحي السيدة زينب، وكانت هناك قبة مماثلة لها تتوج ضريح السلطان حسن الملحق بمدرسته إلا أنها انهارت بعد تأسيسها بعدة سنوات وتم تشييدها من جديد بهيئة مختلفة. د. أحمد السيد محمد