وروى البخارى: «فقال أحدهم: أما أنا فأصلى الليل أبدا، وقال آخر: أنا أصوم الدهر ولاأفطر، وقال آخر: أنا أعتزل النساء فلاأتزوج أبدا» ويلاحظ في هذه الرواية أنه أكد على المصلي ومعتدل النساء بالتأييد، ولكنه لم يؤكد بالنسبة للصيام أبدا، وذلك لأنه لابد من إفطار الليالي، وبعض الأيام كالعيدين وأيام التشريق، وتعدد هذه الأقوال منهم، وإختلاف الروايات يدل على زيادة عدد القائلين عن ثلاثة، لأن أكل اللحم أخص من مداومة الصيام واستغراق الليل بالصلاة أخص من ترك النوم على الفراش. ولما علم رسول الله صلى الله عليه وسلم بما قاله هؤلاء القوم، وما اعتزموا على فعله، من التشدد والتغالي الذى يتنافى مع روح الإسلام كما قال تعالى: (يريد الله بكم اليسر ولايريد بكم العسر) وقال: (وماجعل عليكم في الدين من حرج). لما علم عنهم ذلك حمد الله وأثنى عليه، كما هو معروف عن خطبه صلى الله عليه وسلم في مثل هذه المواقف إذا كره شيئا فخطب له وذكر كراهيته ولا يعيب فاعله، سترا لحاله، وحتى لايحصل توبيخ صاحب الفعل في الملأ، ويكون المقصود بتوجيه الشخص وجميع الحاضرين وغيرهم، وهذا من مكارم أخلاق الرسول صلى الله عليه وسلم قال: «ما بال أقوام قالوا كذا وكذا لكني أصلى وأنام وأصوم وأفطر وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني». وفى رواية البخارى: «أما والله إنى لأخشاكم لله وأتقاكم» قال الحافظ ابن حجر: فيه إشارة الى رد مابنوا عليه أمرهم من أن المغفور له لايحتاج إلى مزيد في العبادة بخلاف غيره، فأعلمهم أنه مع كونه لم يبالغ في العبادة أخشى لله وأتقى من الذين يشددون، وإنما كان كذلك لأن المتشدد لايأمن من الملل بخلاف المقتصد فإنه أمكن لاستمراره، وخير العمل ماداوم عليه صاحبه. وقد أرشد إلى ذلك في قوله في الحديث الآخر: «إن المنبت لاأرضا قطع ولا ظهرا أبقى». والخشية: وهى الخوف من الله مع تعظيمه بالعبادة، وطاعته في كل ماأمر به ونهى، فهى خشية تعظيم، وليست خوفا من العذاب فقد غفر الله ماتقدم من ذنبه وماتأخر. وأتى بحرف الإستدراك «لكن» ليفيد أنه مع ماهو عليه من أسمى درجات الخوف والتقوى مما قد يوهم التشدد في الطاعة، والمبالغة في العبادة مع هذا، لكنه ويصوم ويفطر.. إلخ مستدركا على ذلك المعنى المتبادر الى الأذهان من قوة خشيته. أو أن الإستدراك هنا من شيء محذوف يفهم من سياق الحديث أى أنا وأنتم بالنسبة إلى العبودية سواء لكن أنا أْفعل كذا. «والسنة» مفرد مضاف يعم فيشمل الشهادتين وباقى الأركان والمراد بها الطريقة، وليس مايقابل الفرض. والرغبة عنها: هى الإعراض عنها وتركها إلى غيرها، أى أن من ترك طريقة رسول الله صلى الله عليه وسلم وهى الحنيفية السمحة وأخذ بطريقة سواه كطريق الرهبانية فليس منه وليس من الإسلام في شئ. وتتضح طريقته صلى الله عليه وسلم بما بينه في الحديث من يسر وسماحة؛ إنه يصوم ويفطر ليتقوى على الصيام بعد ذلك، ويقوم وينام ليتقوى على القيام، ويتزوج لتحقيق أهداف الشريعة من الزواج. ونقف عند قوله: «فمن رغب عن سنتى فليس منى» لنتساءل: هل يلزم من هذا أن من أعرض عن طريقته يعتبر خارجا عن الإسلام أم لا ؟ والجواب عن هذا هو: إن كانت الرغبة عن ذلك بضرب من التأويل كالورع لقيام شبهة الوقت أو عجز عن ذلك بحيث يعذر فيه، فالمعنى: أنه ليس على طريقتى ولايلزم أن يكون خارجا عن الإسلام. أما إن كان راغبا عن طريقة الرسول صلى الله عليه وسلم، إعراضا عنها، واعتقادا لأفضلية عمله وأرجحيته فالمعنى: أنه ليس على الملة الإسلامية، لأن اعتقاده هذا ضرب من الكفر والعياذ بالله. ويستفاد من هذا الحديث بعض الأحكام: 1 ـ استحباب النكاح لمن تاقت نفسه إليه ووجد المؤنة وأفضلية النكاح والترغيب فيه. 2 ـالسؤال عن أحوال الأكابر للاقتداء بأفعالهم الحميدة وإذا تعذر الوقوف عليها من الرجال جاز معرفتها من النساء. 3 ـ عظيم خلقه صلى الله عليه وسلم ورأفته بأصحابه. 4 ـ سمو منزلة الرسول صلى الله عليه وسلم في الخشية من الله وفى التقوى. 5 ـ لا بأس أن يظهر الإنسان مايعتزم عليه من أعمال البر إذا احتاج الأمر بشرط أن يأمن على نفسه من الرياء. 6 ـ الاعتدال في الأمور، بلا إفراط ولاتفريط. 7 ـ تقديم الحمد والثناء على الله تعالى عند إلقاء مسائل العلم. 8 ـ قال الطبري: فيه الرد على من منع استعمال الحلال من الأطعمة والملابس، وآثر غليظ وخشن المآكل. قال عياض: هذا مما اختلف فيه السلف، فمنهم من نحا إلى ماقاله الطبري، ومنهم من عكس، واحتج بقوله تعالى: (أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا). قال: والحق أن هذه الآية في الكفار وقد أخذ النبي صلى الله عليه وسلم بالأمرين. وقال الحافظ في الفتح: لايدل ذلك لأحد الفريقين إن كان المراد المداومة على أحد الصفتين، والحق أن ملازمة استعمال الطيبات تفضى الى الترفه والبطر ولايأمن من الوقوع في الشبهات، لأن من اعتاد ذلك قد لايجده أحيانا فلا يستطيع الإنتقال عنه فيقع في المحظور، كما أن تناول ذلك أحيانا يفضي إلى التنطلع المنهى عنه، ويرد عليه قوله تعالى: (قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق) كما أن الأخذ بالتشديد في العبادة يفضي إلى الملل القاطع لأصلها وملازمة الاقتصار على الفرائض مثلا، وترك التنفل يفضي الى إيثار البطالة وعدم النشاط إلى العبادة وخير الأمور الوسط أ. ه. من الفتح. 9 ـ إن خير الاقتداء إنما هو برسول الله صلى الله عليه وسلم وهو على حسب طاقة المسلم، (فلا يكلف الله نفسا إلا وسعها). 10 ـ ليست مقاييس الخشية والتقوى بتكليف العبد نفسه المشقة وكثرة الإنهماك في العبادة، فقد يورث هذا العمل عدم الإستمرار، ويقطع مواصلة السير في الطاعة، وإنما مقياس الخشية والتقوى في المداومة على الطاعة والإقبال عليها بحب ورغبة، وتذوق لحلاوة الإيمان والطاعة وإدراك لعظمة الخالق سبحانه مما ينتج الخشية والتقوى مع التعظيم لله رب العالمين. ـ رئيس جامعة الأزهر