في كتابها ترجمات القرآن الى أين؟.. وجهان لجاك بيرك الذي صدر مؤخرا ضمن سلسلة فضائح الحضارة الغربية عن دار النهار للطبع والنشر تقول د. زينب عبد العزيز أن أول ترجمة لاتينية للقرآن لم تظهر الا في القرن الثاني عشر الميلادي أي بعد خمسة قرون من ظهور الاسلام، وقد تمت بناء على مبادرة من بطرس المبجل وتحت اشراف اسقف ديركلوني، وهذه الترجمة وغيرها من الترجمات التي تلتها لم تكن لها أي هدف سوى أن تكون الأساس في توجيه المزيد من الادانات ضد القرآن. ولقد اختارت المؤلفة ترجمة المستشرق الفرنسي جاك بيرك للقرآن التي صدرت عام 1990 لكي تناقش من خلالها حملة المغالطات والتشويه التي قام بها المستشرقون عند ترجمتهم للقرآن وذلك لخدمة أغراضهم الخاصة المؤلفة أشارت الى أن المحاور الأساسية التي تناولها بيرك في المقدمة التحليلية لترجمته تكفي لادانة هذا العمل المغرض ففيها تشكيك في نزول وترتيب القرآن وايمانه بأن القرآن تأثر بالشعر الجاهلي وبالفكر اليوناني القديم، وانه تأثر بمزامير داود، وافتقاده لمعيارية القرآن وأنها أبعد ما تكون عن التقنين بمعنى أن كل مالم يتم تحريمه يعد مباحا، وأن القانون الاسلامي أو الفقه حاليا مكون من تراكمات قضائية غير واردة في القرآن الذي لا يتضمن الا حوالي خمسمئة آية تتضمن الأحكام، فبيرك يرى أن القرآن قد استقى تشريعه من القوانين السائدة في تلك الفترة دون الاشارة الى ذلك. ولم يتوقف في مقدمته عند هذا الحد بل أثار قضية فتنة خلق القرآن من جديد، وزعمه بتحريف القرآن للهوية الأساسية بالطريقة التي يتناول بها الأساطير الانجيلية واتهام المفسرين بالغاء بعض الآيات أو تحريفهم لمعناها، وأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يختار مما يوحى به اليه، ويختتم المقدمة قائلا أن مشكلة الاسلام اليوم هي اذن ذلك الانفصال الذي يمكنه أن يتفاقم بين مواقف العقيدة ومسيرة العالم الفعلية، بل مسيرة العالم الاسلامي نفسه، في الاسلام يبحث عن ملجأ باتجاهه الى الأصول، الا أن عدم امكانية اخضاعها الى النقد التاريخي ونقلها الى الحاضر، لا يعيد لها قوتها الأصلية اذ أن الذكر الحقيقي هو الذي يحول الذكرى الى مستقبل وهي عملية خلاقة تدمج العصرية بالأصالة وتبدو لا غنى عنها في مواجهة التجديدات التي يجب على كل نظام في العالم الحالي أن يقترح حلولا ممكنة. وتورد د. زينب عبد العزيز نماذج من ترجمة جاك بيرك الخاطئة للقرآن فمثلا مما يؤكد سوء نيته أنه لم يستخدم أبدا كلمة مسجد في الترجمة ولها ما يقابلها في الفرنسية وهي ممُّح بل راح يكتب مكانها كلمة مْيفٍكَفس وهي كلمة مشتقة من اللاتينية وتعني جزء من الكنيسة حول المذبح حيث تتم المراسم الطقسية، وسورة الملك ترجمة بكلمة مفٌّفزفٌ وتعني الملكية علما بأن كلمة الملك ومنها ملكوت الله موجودة في الفرنسية ومستخدمة في الانجيل بعهديه، أما سورة الروم فترجمها باسم العاصمة روما اذ كتب مٍُز ، وسورة الفتح التي يتضمن معناها الجلي دلالة النصر فقد ترجمها بتعبير فشصمُْ وهي تعني ان كل شيء ينفتح أما اصراره على ترجمة كلمة الألباب بكلمة النخاع فيفوق أي تعليق، فهذه الكلمة وردت ست عشرة مرة في القرآن ورغم ذلك لم يلتزم المترجم الدقة في أي مرة منها. وقد اختارت المؤلفة من كم المغالطات الموجودة في الترجمة عبارتين أساسيتين أرادت من خلالهما أن توضح عدم أمانة هذا المستشرق في ترجمته للقرآن وهما التنزيل والقرآن، ففي ترجمة لمعان في القرآن وفي المقدمة الطويلة المصاحبة له يصر بيرك على استخدام عبارة نزول بالفرنسية بمعنى نزول السلالم، رغم أنه لو كلف نفسه وفتح المعجم الوسيط الصادر عن مجمع اللغة العربية الذي هو عضو فيه في صفحة 951 من الجزء الثاني لقرأ عند كلمة نزل ما يفيد أن نفس العبارة يختلف معناها وفقا للمضمون الذي تقع فيه، ولوجد أن أنزل الشيء أي جعله ينزل، ويقال أنزل الله كلامه على أنبيائه أوحى به، وهذه الملاحظة تعد من أبجديات دروس الترجمة، وهي أن اختيار العبارات المقابلة يتم وفقا للمعنى وليست العملية مجرد وضع اللفظ المرادف أيا كان معناه، وهو ما اتبعه بيرك طوال ترجمته للقرآن تقريبا تحت زعم الترخيم حينا، أو نقل الايقاع حينا آخر. أما فيما يتعلق بكلمة القرآن ورغم أنه من أبجديات الترجمة أيضا استخدام اللفظ الواحد للعبارة الواحدة طالما المقصود واحد لم يتغير لعدم تشتيت ذهن القارئ، وكلمة القرآن جرى العرف الغربي على كتابتها َفُْ، ولكن في ترجمة بيرك تراه راح يتلاعب على التنويعات اللغوية التالية بدلا من الثبات على كلمة َفُْ، فقال عنه حينا ٌيمكمْمج أي ديوان الشعر، ومٌف مٌ أي المجلد، وتارة ممممٌ أي النص، وكأن القرآن يختلف من طبعة الى أخرى، بل أنه أحيانا كان يستخدم مجرد عبارة مْيٌمٌ أي الكتاب العادي، وكلها تنويعات لا تكشف حتى عن براعة لغوية كما يحاول ايهام القارئ، وانما تكشف عن موقفه المغرض واستهزائه المتواصل ومحاولاته الدائبة للتشكيك والترجيح الى جانب محاولة فرض أن القرآن المنزل يتضمن ما ينص الأناجيل من مآخذ وهذه وحدها تعد من أحد ما يحاول تيار التعصب الغربي دسه على القرآن والاسلام في هذه الأيام. القاهرة ـ مكتب «البيان»