اذا انتقلنا الى الحديث عن مساجد الدولة، فإن ذلك يعني الانتقال ـ على الفور تقريباً - الى نوعية مختلفة من القضايا، تفرض نفسها بمزيد من القوة والالحاح، وفي مقدمتها ثلاث قضايا، على وجه التحديد، اولاها يدور حول نمط الصورة التي تختار لبناء مثل هذه النوعية من المساجد، وثانيها يتركز على بناء المسجد الجديد باعتباره ساحة وفرصة لممارسة الفنون والحرف الاخرى وثالثها يتعلق بتحديات القياس المعماري وتحقيق تناسقه مع الوحدة البصرية والسمعية داخل فضاء المسجد. في قلب هذا الاطار هناك مشكلات تتعلق بمحاريب هذه النوعية من المساجد، ذلك ان التركيز التقليدي، الذي يحظى به المحراب في اي مسجد باعتباره عامل التوجيه الاكثر بروزاً، يكون عرضة للضياع، بصريا على الاقل، في بيت الصلاة في مساجد هي بحكم طبيعتها ذات ابعاد صرحية هائلة. لكن قبل ان نتطرق الى جوانب هذه القضايا يتعين علينا ان نلقي نظرة، ولو عاجلة، على طبيعة المقصود بمسجد الدولة، من ناحية، وكذلك بالصورة الاسلامية التي ترتبط بهذا المسجد، على النحو الذي يعرف به هذا المفهوم في العمارة الاسلامية من ناحية اخرى. ملامح الصورة الاسلامية دعنا نتذكر، ابتداء، انه مع انطلاق المسلمين حاملين راية التوحيد في الامصار جرى الاتجاه الى بناء مساجد جامعة، بخلاف مساجد القبائل والاحياء لتقام فيها صلاة الجمعة والعيدين ولتلبي العديد من الوظائف الكبرى التي ستعهد تقليديا في وقت لاحق الى المساجد الجامعة في مختلف ارجاء دار الاسلام. غير ان تطور الدولة ـ الامة الاسلامية ـ وهو مفهوم حديث له تأثيره على طبيعة المساجد وانماطها، وعلى سبيل المثال فإن اعلان كمال اتاتورك للدولة العلمانية في عام 1923 ادى الى فصل السلطة السياسية عن المسجد وحذا الايرانيون في ظل حكم آل بهلوي حذو النموذج التركي، ولكن بصورة جزئية، حيث لم يتم قطع الشوط كاملا قط باتجاه اعلان علمانية الدولة، وذلك على الرغم من تحدي الحكومة لسلطة ما يعرف بالمؤسسة الدينية وتصديها لنفوذها ولمصادر تمويلها. في اطار التجارب الاشتراكية التي شهدتها مصر وسوريا والعراق والجزائر ودول اسلامية اخرى عديدة، لم تبذل محاولات مبكرة لبلورة معادلة تربط القومية بالتجسيد الرمزي المتمثل في مسجد الدولة، غير انه برزت في هذه الدول ومن قبلها في تركيا فكرة سيطرة الدولة على العديد من جوانب الحياة اليومية، وتحولت مركزية عملية صنع القرار كذلك الى سمة من سمات الحياة السياسية في دول اسلامية اخرى الى الشرق من العالم العربي ومنها باكستان وماليزيا واندونيسيا. ومن الناحية العملية فإن انشاء مسجد الدولة بطابعه الصرحي الهائل وبرنامج البناء الذي اطلقته الحكومة المركزية، بالتوازي مع فروعها المحلية شكل محاولة للسيطرة على «الجامع» مع ترك مشروعات «المساجد» للمبادرات الاكثر اتساما بالطابع المحلي. خلافا لما قد يتصوره البعض، بفعل الطابع الصرحي الهائل لمسجد الدولة، فإن المطالب الالزامية في مشروعات مساجد الدولة تعتبر، في جوهرها، مطالب جد محدودة. ومن البديهي ان المطلب الاول هو توجيه المحراب وبالتالي حائط القبلة بكامله توجيها صحيحا نحو الكعبة المشرفة، وكذلك وجود المنبر، الذي من فوقه تلقى خطبة الجمعة والعيدين ويتم الدعاء للقائم على امر البلاد، في استمرار مذهل لتقليد يضرب في اعماق الزمن حتى عصور الدولة الاسلامية، اي رحيلاً عبر ما يتجاوز الف عام، وكذلك وجود التسهيلات الضرورية وفي مقدمتها الميضأة اخذا في الاعتبار بالحقيقة القائلة ان معظم مساجد اليوم تقوم في مواقع بينها انقطاع ليس باليسير مع الكتلة الحضرية للمدينة التي تشيد تحت افاقها. والعديد من العناصر الاخرى التي قد يتصور البعض انها لا غنى عنها وفي مقدمتها القبة والمئذنة، اللتان كما نعرف جميعا تحظيان بحضور كلي فائق في طغيانه البصري يظل وجودها من عدمه اختيارا مطروحا. الآن وقد قلنا هذا فلابد لنا من الاستدراك الفوري لنعيد الى الاذهان الحقيقة المتمثلة في ان ما قلناه لن يعدو ان يكون رؤية تبسيطية اذا لم نضف اليه التشديد على وجود ما يعرف في دراسات العمارة الاسلامية باسم «الصورة الاسلامية». لكن ما هي هذه الصورة الاسلامية حقا؟ ما هي عناصرها؟ وما هي ابرز تجلياتها المعمارية؟ هذا الاصطلاح لم ينحته المعماريون ولا الباحثون ولا الاختصاصيون وانما رأى النور بفعل تواتره وبروزه الملح في قوائم الشروط المدرجة في كراسات مسابقات تصميم المساجد، والملاحظ في حالة مساجد الدولة ان صياغة مثل هذه الكراسات الخاصة بالشروط والمواصفات يعهد بها الى لجان من الاختصاصيين. وحتى في حالة مطالبتهم للمعماري بوضع تصميم حديث، فإن ذلك غالبا ما يترادف مع الاعراب عن رغبة صريحة في ان يقدم التصميم النهائي «صورة اسلامية». ومن يتصدون لايضاح ما تعنيه هذه الصورة غالبا ما يشيرون ابتداء الى تضمنها لعناصر السقف القائم على العقود بما في ذلك وجود القبة وايضا تحقيق التواصل الرمزي بين تصميم هذا الصرح وبين السماء في صورة منارة وفي الغالب لا يغيب عن هذه الصورة وجود مخطط زخرفي خارجي وداخلي معاً. الامر، اذن، يبدو بسيطاً، مفهوماً، وموضع تعاطف، هذا صحيح؟ ولكن ما الذي يترتب عليه؟ في دنيا الناس، على ارض الواقع الجهم، وفي سياق التنفيذ الفعلي يترتب على هذا كله انه حتى بالنسبة للمعماريين الذين عادة ما يعبرون عن افكارهم وتصوراتهم الابداعية من خلال مقولات حداثية، فإنهم يجدون انفسهم عادة مضطرين الى العودة الى نماذج تاريخية يستلهمون منها على الاقل بعض جوانب ما يقدمونه، وربما الاكثر خطورة من ذلك انهم يعودون الى هذه النماذج لضمان صحة تصميماتهم على اساس السوابق المعمارية. بالنسبة للبعض قد يبدو هذا امراً بسيطاً، او يمكن قبوله من دون تحرج كبير، بل وقد يراه البعض ضروريا، لكننا لو تأملناه عن قرب لوجدناه عنصراً من عناصر تسرب حيوية العمارة الاسلامية الحديثة وضياع قدرتها على الابتكار والتجديد والابداع. المشكلة الحقيقية فيما يسمى في السياق المعماري بـ «الصورة الاسلامية» هي ان هذه الصورة في جوهرها مجموعة من التعميمات الموجودة في خيال رعاة المشروعات او من يمثلونهم من الاختصاصيين وربما في خيال بعض المعماريين، وجدت بفعل الترحال في ارجاء العالم الاسلامي، وكذلك صدور سلاسل من الكتب والمراجع التقليدية التي تعود للقرنين التاسع عشر والعشرين عن المساجد الصرحية البارزة في العالم الاسلامي، وهي الاصدارات التي تجد اصداء قوية لها في كتب تصدر بصفة خاصة منذ سبعينيات القرن العشرين. هذه الرحلات والاصدارات تحولت الى وسيط والى جسور لابد ان يمضي المعمار الحديث عليها عائداً الى ماض بعيد فيما يتعلق بتقاليد البناء والتفكير المعماري، انقطع عنه المعماري الحديث، بفعل مرور الزمن والانتقال من المجتمع السابق للصناعة الى المجتمع الغارق الى الآذان في التطوير الصناعي والتقنيات الحديثة. يطرح ريناتا هولود وحسن الدين خان في كتابهما «المسجد والعالم الحديث» تصوراً جديراً بالاهتمام والمناقشة عن وجود ثلاث صياغات مختلفة لـ «الصورة الاسلامية الجديدة» قدر لها الانتشار على امتداد العالم، وهي على التوالي: ـ الصورة الاندلسية ـ المغربية. ـ الصورة العثمانية ـ المملوكية ـ الصورة الهندية ـ الفارسية وهما لا يترددان في القول ان الصلة بالماضي ـ في هذا السياق ـ ليست صلة حقيقية وانما هي «اسطورة صيغت بشكل يعكس الرغبة والتمني سمحت بتحقيق التعبير الجديد، وهو تعبير اطلق عليه اسم العمارة عموم الاسلامية او العمارة ما بعد الاسلامية». ولا يترددان في القول ان هذا التعبير يستمد مادته بلا تمييز من العديد من المصادر، ويعمد غالباً الى تجريد المعاني الاصلية من وحدات وعناصر زخرفة وشكل معينة وفي بعض الاحيان اسناد تفسيرات وتواريخ حديثة الصياغة اليها، وبهذا المعنى فإن وصف «اسلامي» في هذا السياق يكتسب معنى جديدا عندما يطبق على التجليات البصرية المعاصرة، فهو تجميع لمصادر متنوعة وعناصر مختلفة تصاغ للاستخدام الراهن بما يوجد مفردات تصميم ذات طابع اسلامي عمومي، وهذا النوع من القصد الذي يعانق كافة العناصر يشيع استخدامه من قبل المعماريين ورعاة المشروعات على نطاق بالغ الاتساع. اذا استقر ما تقدم، فإن المجال ينفتح امامنا رحبا لمناقشة ثلاث تجارب في مساجد الدولة، من خلال التركيز على جماليات محاريبها، لنخرج بمجموعة بالغة الاهمية من الدروس المعمارية المستفادة وهي تجارب مسجد الدولة الكويتي، ومسجد البرلمان التركي، ومسجد الملك فيصل في باكستان. التجربة الكويتية تكمن الاهمية الحقيقية لمسجد الدولة في الكويت في الاطار العام لمسار العمارة الاسلامية الحديثة في انه يقدم لنا تجسيدا لمحاولة لاستخدام مقولات معمارية حداثية في سياق يرى البعض انه بطبيعته يفرض نزوعا كلاسيكيا، ولسوف نرى ان التباين بين هاتين الرؤيتين سوف يصل الى حد ان رعاة المشروع والقائمين عليه سوف ينحون جانبا المشروع الزخرفي الذي وضعه المعماري محمد مكية ليتجانس مع المفهوم الحداثي للمعمار، ويقومون باستقدام حرفيين من مصر والمغرب وباكستان لتنفيذ اطار زخرفي لم يتردد مكية، في وقت لاحق في وصفه بأنه مبالغ فيه وغير متعاطف مع المعمار، وهو ما يبرز كأوضح ما يكون في المحراب. هذا التناقض يضرب جذوره في بداية المشروع ذاتها، فالراعي ممثلا في وزارة الاشغال العامة خفف من الاصرار على الحداثة في المشروع بطلب ابراز المبنى للاصالة الاقليمية، واشترط صراحة ان التصميم ينبغي ان «يتبع الاسلوب العربي ـ الاسلامي» وهو ما تم تحقيقه اساسا في برنامج زخرفي يتسم بالثراء والامتداد ويقوم على استخدامات الخط على وجه التحديد، فضلا عن توظيف الاقواس كعناصر تجميلية. لكي ندرك بدقة طبيعة ما نتحدث عنه هنا وما كان مطلوبا وما تم تنفيذه وجماليات المحراب كما برزت للعيان في نهاية المطاف، لابد لنا اولا من الالمام بأننا ازاء موقع تصل مساحته الى احد عشر فداناً غير بعيد عن شاطيء البحر، وبالقرب من قصر السيف، ولا تفصله مسافة كبيرة عن حي انشطة الاعمال المركزي في الكويت. لقد نصت كراسة الشروط والمواصفات على انشاء بيت صلاة رئيس مساحته خمسة آلاف متر مربع، يسع سبعة آلاف مصل، مع وجود مصلى للنساء يشغل مساحة مئتي متر مربع ومدخل خاص ومنطقة استقبال للامير، ومكتبة وقاعة مؤتمرات، ومكاتب ادارية، ومنارة، ومرأب يتسع لسبعمئة سيارة وقد أضيف بيت صلاة للاستعمال اليومي يتسع لخمسمئة مصل، في وقت لاحق من برنامج التنفيذ، وبالطبع لم يكن هذا هو كل ما اراده رعاة المشروع وانما تم التشديد، الى جوار المتطلبات الوظيفية، على ان يقدم المعماريون المشاركون في المسابقة رسومات تفصيلية للمشروع الزخرفي المقترح للبناء. اننا نعرف ان فكرة هذا المسجد تعود الى صدر الستينيات، غير ان الفكرة لم يتم احياؤها إلا في عام 1976 بدعوة ست عشرة شركة عالمية لدخول المسابقة، اختيرت من بينها قائمة قصيرة تضم ثماني شركات ثم من بينها اختير مرشحان نهائيان هما مكية وشركاه، وقد ارتبط اسمها تقليديا بمشروعات عملاقة مثل مسجد الخلفاء في بغداد ومسجد الصديق في الدوحة، وكذلك سير فريدريك جيبرد وهي الشركة البريطانية التي صممت مسجد ريجنت بارك. تم ارساء عقد الاستشاري على الشركة الفائزة في 1977 وعقد البناء في 1979 وتم تسليم المسجد في نهاية المطاف في 1984 والقصة التي تواصلت فصولها بين هذه السنوات اطول واكثر تعقيدا من ان نرويها هنا، حتى ولو في خطوطها العريضة. دعنا، اذن، نبادر بالاشارة الى مجموعة مهمة من النقاط، تدور في جوهرها حول اهتمامنا بمحراب هذا المسجد، بصفة خاصة. ـ اولا: كان لابد للطبيعة الحضرية للموقع وسياقها العام ان يفرضا نفسيهما بقوة على تصميم المسجد، فهو موقع يطل على جادات عريضة، تمتد بلا انتهاء تقريبا مع خفة ملحوظة في تواتر المباني بالمنطقة، في مدينة يغلب على مواطنيها والمقيمين فيها استخدام السيارات، وهكذا عكس التصميم محاولة تستهدف الاستفادة من القابلية الكبيرة التي يتمتع بها الموقع لاستقطاب الانظار، وفي اطار هذه المحاولة احيط البناء الصرحي الهائل بمناطق رتبت ملامحها الطبيعية بعناية لتتيح فضاءات اضافية وقدرة اكبر على تأمل المسجد، واخذ في الاعتبار ان قلة محدودة للغاية من المصلين هي التي تصل الى المسجد سيرا على الاقدام، وبالتالي فإن تجربة مشاهدته وتأمله والوصول اليه ستتم عبر سيارات تتحرك مسرعة، ومن هنا فإن المعماري مكية حرص على جعل تصميمه من نوعية انبساطية تنفتح على كل ما هو خارجي، وتركز على ما يتمتع به الموقع من قابلية للرؤية من بعيد. ـ ثانيا: يتألف مجمع مسجد الكويت الجامع الكبير من ثلاثة عشر مكوناً سنوردها على التوالي بحسب ما تخطر لنا، وليس وفقا لأي اعتباري فني، وهذه المكونات هي بيت الصلاة الرئيسي الذي تبلغ مساحته 72 متراً طولاً ومثلها عرضا، مصلى النساء الذي يقع فوق المدخل ويسبقه رواق معمد بعمق ست بلاطات يضم ايضا بيت الصلاة المخصص للاستخدام اليومي بمساحة اربعمئة متر مربع، الصحن الامامي الكبير الواقع الى الشمال الشرقي والذي يردد اصداء ابعاد بيت الصلاة الرئيسي، تسهيلات الوضوء التي يضمها مبنى يقع الى الشمال، المركز الثقافي الواقع الى الجانب الجنوبي الشرقي من المجمع، المنارة بالصحن الخاص بها وهي تشمخ عاليا غير بعيد عن المدخل المخصص للأمير، منطقة الاستقبال الواقعة في الركن الشمالي الغربي، ممرات مقنطرة مسطحة الاقواس يصل اجمالي مساحتها الى الفي متر مربع تربط الاجزاء المختلفة للمجمع القبة المركزية التي قد تكون بأوسع المعاني احالة اسلوبية عامة الى المساجد القاهرية، وان كانت المقارنة تغدو صعبة نسبيا مع الملمح الجديد للقبة والنطاق الهائل لجوهر المشروع وتأتي اخيرا المساحة المخصصة كمرأب للسيارات عند المدخل الرئيسي للمجمع، الى الجانب الشمالي الشرقي والتي تمتد تقريبا الى نصف مساحة الصحن تحت الارض. ـ ثالثا: قسم المعماري محمد مكية الفضاء الداخلي لبيت الصلاة الرئيسي الى تسع بلاطات ذات احجام مختلفة تحددها الاعمدة المركزية، وهي مفصولة عن الرواق المعمد بحائط فاصل مؤلف من كتل الزجاج الملون، وتسمح نوافذ مظللة بالزجاج الملون بدخول الضوء الطبيعي، ولكن مع تفريق حزم الاشعة. هدر الامكانية ـ رابعا: يتموضع المحراب والمنبر داخل اطار مستطيل، يتميز بالثراء في زخرفته بآيات الذكر الحكيم المكتوبة بالخط الكوفي، وعلى الرغم من الجهد الكبير المبذول في المحراب، بصفة خاصة، حيث وضع في وسط حائط القبلة، وزخرف سطحه بالكامل، ولفت النظر إليه عن طريق عناصر الاضاءة في أعلاه، وتم بذل جهد مكثف للتغلب على التناقض بين الحجم الصرحي الهائل الذي يتسم به وبين القياس الانساني، عن طريق تقسيمه داخلياً الى وحدات متدرجة، تنتهي باطار مناسب، حيث موضع قيام الامام، إلا أنني لا اعرف مسجداً صرحياً في العالم كله يضيع المحراب من ناظري من يدخل بيت الصلاة فيه على نحو يصل الى ما هو حادث في هذا المسجد، وعبثا تمضي عناصر الاضاءة العلوية والتركيز اللوني والزخرفي في محاولة التعويض عن هذا الاحساس بالضياع. وعلى الرغم من العناصر العديدة التي وجه اليها الانتقاد في هذا العمل الصرحي الهائل، إلا أنني احسب ان اكثرها جدارة بالانتقاد يتمثل في المحراب، الذي يظل، في نهاية المطاف، نموذجاً لهدر الامكانية في العمارة الاسلامية الحديثة. ـ خامساً: عمد المعماري محمد مكية الى التوظيف المكثف للتقنيات الحديثة المتعلقة بكتل الاسمنت مسبقة التجهيز وتجميعها، وقدم في غمار ذلك تفسيرا جديداً لعناصر لغة التصميم المختارة، فقد سعى في مفهوم التصميم الى الفصل بين العناصر ذات التكامل والاندماج الهيكليين والعناصر التي تعكس وظيفة التضخيم والاجتياز الاكبر للفضاء، ولكي يحقق هذا الهدف طور وحدة حائط بلاطة قابلة للتكرار، يبلغ عمقها ستة أمتار، وتتألف واجهاتها من قوس مدبب يحتويه قوس مسطح حر مشيد في لوحات من الأسمنت مسبق التجهيز، مع لمسات نهائية من الحجر الطبيعي، وساد الاحساس بأن هذا العنصر يعيد توليد فكرة المحراب التقليدي، ولكن بطريقة جديدة، الامر الذي يكسب المجمع فضاء ونوراً اسلاميين بامتياز. وفضلا عن ذلك فإن استخدام هذا العنصر سمح للمعماري بأن يعفي الجدران الخارجية والعقود من وظيفتهما المعتادة. ـ سادسا: من المعروف أن المعماري صمم لهذا العمل الصرحي مشروعاً زخرفياً يتفق مع اللغة الشكلية القوية لهذا المجمع المسجدي، غير ان رعاة المسجد والقائمين عليه نحوا هذا المشروع جانباً، وعمدوا بدلاً من ذلك الى تشطيب المسجد من خلال الاستعانة بحرفيين من المغرب يتولون عناصر الجص والقرميد والزليج، ومن مصر ليتولى عناصر الخط ومن باكستان لتولي عملية نحت الحجر، ومن الهند لتولي تنفيذ عملية الزخرفة ونقش الخشب، وفي المراحل النهائية عمد الرعاة الى اضافة المزيد من الزخرفة الى السطوح الخارجية للمسجد ومنطقة الاستقبال الخاصة بالأمير. وأوصى المهندس المشرف التابع لوزارة الاشغال العامة الكويتية بأن تتم تكسية بعض السطوح الاسمنتية المعرضة بكسوة من الحجر، وبأن توضع أطر من الحجر نفسه حول بعض اللوحات الاسمنتية في المنطقة المخصصة كمنطقة استقبال للأمير، وتمت عمليات الزخرفة الاضافية، اي الاعمال الجصية، المطلية والتوريق بالزليج المستلهمة من نماذج مغربية من دون استشارة المعماري، الذي اعتبر في وقت لاحق ان الزخرفة متجاوزة للمطلوب وغير متعاطفة مع السياق الذي نفذت فيه. وهنا لا نملك الا ان نلاحظ تناقضا حقيقياً، عبر عنه المعماري بلغة دبلوماسية، كما لو كان مجرد خلاف في التفسير للغة العمارية للمجمع، إلا أن واقع الأمر انه من وجهة نظر رعاة المشروع لم يكن هناك حافز أو اهتمام جوهري يدفعهم الى السعي وراء إطار حداثي لمسجد الدولة الكويتية، وبتعبير آخر لم يكن هناك حماس للافصاح عن احساس بالحداثة وتقديمه بهذه الصرحية تحت آفاق كويت السبعينيات. وبالمقابل كان المعماري صريحاً وواضحاً مع نفسه، فهو إذ أقام عملاً معمارياً مؤسلباً يعكس نزوعاً حداثياً قويا اراد ان يقدمه في قالب مؤلف من مشروع زخرفي يسعى لاعادة ابتكار لغة زخرفة جديدة، وكان مصيره ـ كما رأينا ـ تنحيته جانباً، ليحل محله توظيف هائل لمهارات تقليدية جرى حديثاً احياؤها وتوسيع نطاقها. وما من جزء في هذا المجمع يعكس ذلك التضارب ـ التناقض ان شئت ـ والعجز عن الامساك بجوهر الأمر قدر محراب هذا المسجد. مسجد البرلمان التركي أطل مسجد الجمعية الوطنية الكبير في سياق مختلف تماماً عن ذلك الذي برز مسجد الدولة الكويتي فيه، فهذا الأخير هو بيان سياسي في إهاب معماري يفصح عن طموح الروح الوطنية الكويتية في إطار النهوض القومي العربي، بينما جاء إكمال مسجد الجمعية الوطنية، أو البرلمان التركي، في عام 1989، إعادة تأكيد للصورة الجمهورية الحداثية التركية. في حالة المسجد التركي، لم يكن هناك خلاف حول المدى الذي سيتم المضي إليه في قطع مشوار الرؤية الحداثية والذي رأيناه في النموذج الكويتي ينعكس على مشروع الزخرفة ويترك بصمته على المحراب بشكل خاص، وإنما كان هناك تناقض جوهري. منذ البداية، كان هناك تناقض بين ادراج مسجد في مجمع البرلمان التركي وبين الطبيعة العلمانية للدولة التركية التي يجسدها البرلمان، أو على الاقل قال بهذا من بادروا الى الاحتجاج علنا على هذا الادراج. وذلك على الرغم من ان البرلمان لم يرد عملاً صرحياً يردد أصداء الاعمال المساجد العثمانية الشامخة، وإنما أراد مسجداً يشكل جزءا من مبنى العلاقات العامة التابع لمجمعه يتكامل مع مكتبة تدخل في الاطار نفسه. هكذا عهد البرلمان الى المعماريين برويز وقان سينسي من شركة «التوج» في عام 1985 ببناء مسجد يعرف باسم مسجد الجمعية الوطنية الكبير، وشدد على مطلب وظيفي واحد تحتم على المعمارين تحقيقه، وهو أن يضم المسجد بيت صلاة ليتسع لخمسمئة مصل، أما باقي برنامج البناء فقد ترك لحكمة المعماريين وتقديرهما. غير ان المسألة، في واقع الأمر لم تكن على مثل هذا القدر من البساطة، فنظرة واحدة على المجمع الذي يضم البرلمان بوضعية البناء القائمة بالفعل لدى التكليف وعلى الموقع المخصص لبناء المسجد والمكتبة توضح ان على المعمارين ان يعالجا مشكلة معقدة هي مشكلة عمل معماري ديني يقام عند طرف مجمع هو رمز للعلمانية بامتياز، كانت شركة هولتزمايستر قد صممته في الثلاثينيات، اي قبل ما يزيد على نصف قرن من تكليف المعماريين بتصميم المسجد. وقد عهد المعماريان الى مخطط يعكس قدراً لايستهان به من الحساسية والمهارة فقد جعلا المسجد ينهض بزاوية مع مبنى المجمع، فأوجدا نوعاً من الكاونتربوينت الديني المتميز لكتلة بناء كانت لولا ذلك ستغدو رمزاً علمانياً صرفاً. واختارا حلا هو في واقع الأمر ابتكار تنظيمي يضرب جذوره في التقاليد المعمارية العثمانية، ويتألف من فناء كبير يحدده مبنيان هما المسجد والمكتبة، وبدأ بناء المشروع في 1987 وانتهى، كما قلنا في 1989، بتكلفة اجمالية لم تتجاوز 1.7 مليون دولار. يلفت نظرنا في هذا المسجد عدد من العناصر، التي سنحاول ان نركز فيها على جماليات المكان بالنسبة للمحراب، وذلك على الرغم من ان هذا النموذج التركي يفتح المجال لحشد يبدأ ثم لا ينتهي من الملاحظات: ـ أولا: تبلغ مساحة الموقع ستة افدنة تقريبا، تحيطه منطقة حديثة منحدرة في طابعها العام، وقد عمد المعماريان الى جعل المسجد في وضعية تعكس خصوصية وانعزالاً فاستغلا الانحدار الطبيعي لأرض الموقع لاخفاء المبنى عن العيان من جانبين على الاقل من جوانبه، وتركا الجانب الذي يواجه الساحة المثلثة مفتوحاً، وجعلا للمكتبة والمسجد غطاء تزينياً بامتداد طول كل منهما. ـ ثانيا: كثف المعماريان من التأكيد على اللغة الحداثية للمسجد من خلال طابعه الانكساري ولم يترددا في اقتحام افق القطيعة البصرية مع تقاليد الماضي المعمارية، فالمسجد نفسه يتميز عن المكتبة بسقفه التنازلي الذي يوشك ان يكون هرميا، وثمة ركن يشترك فيه المبنيان يتحدد بشرفتين منحدرتين يأخذ شكل موشور مربع، أريد به ان يضطلع بوظيفة المنارة، وهناك قبة صغيرة لا علاقة لها بالبقية التقليدية من قريب أو بعيد تستند على عقود مؤسلبة. ـ ثالثا: تبلغ مساحة بيت الصلاة خمسمئة متر مربع، وهو يستوعب كما قلنا خمسمئة مصل، ويأخذ شكل مستطيل مصطف بازاء حائط القبلة خلافاً لمعظم المساجد الجديدة في تركيا اليوم التي تميل الى اعتماد النموذج العثماني القائم على القبة الواحدة، وقد يمكن للمرء تفسير ذلك بانه بمثابة محاولة للعودة الى الرؤية الاساسية الاصلية للمسجد وتجسيدها عبر لغة بصرية جديدة. ـ رابعا: يتسم المحراب بطابعه التجديدي الذي لا موضع لانكاره، فهو محراب شفاف يتيح للمصلين الاطلال على الحديقة الغائصة في الماء في الساحة المثلثة ولكن من دون امكانية التشويش عليهم، لان الحديقة مصممة بحيث توجد امامهم مشهداً مغلقاً. ويدعم من هذا التوجه ان حائط القبلة نفسه يضم طوقا من النوافذ يوشك ان يكون بطول الحائط تقريبا. ويخفف من جهامة الجدران الاسمنتية العادية اللجوء الى لوحات زخرفية خزفية وكذلك كسوة الارضية بالرخام، والضوء المنهل من المحراب وحائط القبلة يدعى ويردد اصداؤه الضوء المتدفق من منافذ مستطيلة موجودة في الفراغ بين عروق السقف، وتكتمل دائرة النور بثريا هائلة، مؤلفة من دائرة داخل مربع أسفل القبة الصغيرة وغير بعيد عن المحراب.