ليس بين الشهور ما يداني شهر رمضان في منزلته عند الله وفي بركاته التي تفيض على النفوس وتعمر القلوب وتنعكس آثارها على المجتمع حياة تتجدد فيها القيم الدينية والمباديء الانسانية في مواجهة الصراع الذي يلف الحياة والاحياء وكأنه دوامة لاتهدأ وليس لها قرار. الا وان خير ما يتزود به المؤمن ويعمر به ايام رمضان ولياليه كتاب الله تبارك وتعالى يتلو آياته ويتدبر احكامه ويتصل بكتاب الله ما يعين على فهم مقاصده من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم واقوال العلماء في كل ما يتصل بعلوم القرآن. ان رمضان شهر القرآن فليكن هذا الشهر موسما لتلاوته ودراسته وتجديد الصلة به والاستمداد منه والسير على منهجه حتى يخرج الانسان من هذا الشهر وقد توافرت لديه حصيلة علمية وشحنة روحية وممارسة عملية لآداب القرآن الكريم: انها فرصة تشدنا الى رحابه وتقوي صلتنا بأحكامه وآدابه فعن علي بن ابي طالب رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ستكون هناك فتن كقطع الليل المظلم قلت: يارسول الله وما المخرج منها؟ قال: كتاب الله تعالى فيه نبأ من قبلكم وخبر ما بعدكم وحكم ما بينكم هو الفصل ليس بالهزل من تركه من جبار ـ قصمه الله ومن ابتغى الهدى في غيره اضله الله وهو حبل الله المتين ونوره المبين والذكر الحكيم وهو الصراط المستقيم من قال به صدق ومن حكم به عدل ومن عمل به اجر ومن دعا اليه هدى الى صراط مستقيم». ان القرآن الكريم الذي استضاء هذا الشهر بنوره منذ نزل به الوحي على رسول الله صلى الله عليه وسلم هو القبس الالهي الذي يعطي شهر رمضان معناه المضيء واسمه الكريم «شهر القرآن» وهذه المعاني المضيئة تشدنا الى عدة حقائق: ان نعمر ليالي رمضان وايامه بتلاوة القرآن الكريم وتدبر آياته وان تنعكس هذه التلاوة في سلوكنا برا وكرما وجهادا في سبيل الخير. وللقرآن الكريم مهمة يؤديها للفرد والمجتمع فهو يرشد الى نظام كامل ومنهج فريد للحياة وهوعلاج حقيقي لامراض الانسان ومشكلاته واستجابة صادقة لنوازعه وحاجاته الاصيلة فلا يعلم الانسان ولايرسم طريقه المستقيم الا من خلقه وهداه: «ونزل من القرآن ماهو شفاء ورحمة للمؤمنين ولايزيد الظالمين الا خسارا» ولهذا كانت تلاوة القرآن الكريم وتدبر معانيه عبادة مفروضة في رمضان وفي غير رمضان حتى لاينقطع المسلم عن مورد الهداية ولا يغرب عن مصدر الايمان فلا ينبغي للمسلم ان يتهاون في صلته بالقرآن فينساه او يهجره في زحمة الحياة فالقرآن هو الدستور الذي يجمع حقائق الاسلام فإذا انقطعت صلة المسلم به فإن نبع الايمان يجف في نفسه فتذوى نضارته ويذهب بهاؤه ولهذا قال صلوات الله وسلامه عليه: ان الذي ليس في جوفه شيء من القرآن الكريم كالبيت الخرب» وليست العبرة بكثرة التلاوة بل العبرة بالتأمل والتدبر واستجلاء منابع الهدى من آياته ومن هنا فإن المسلم يتلو القرآن خاشع القلب حاضر اللب عارفا بقدره مستحضرا لجلاله: لو انزلنا هذا القرآن على جبل لرأيته خاشعا متصدعا من خشية الله وتلك الامثال نضربها للناس لعلهم يتفكرون». فالقلب اذا لم يكن مصغيا الى هداية القرآن فلا جدوى من تلاوته كما يقول صلوات الله وسلامه عليه: «اقرأوا القرآن ما ائتلفت عليه قلوبكم فإذا اختلفتم فقوموا عنه». ان المسلم يعلم ان كتاب الله عز وجل هو روح الهداية في هذه الدنيا وهو نقطة التحول في تاريخ البشرية فلابد ان يكون وثيق الصلة به يعيش معه ولايسأم من ترديد النظر فيه وصدق الله العظيم حيث يقول: «ان هذا القرآن يهدي للتي هي اقوم» صدق الله العظيم احمد عبدالتواب أحمد