روى ابن خزيمة والبيهقي وابن حبان عن رسول الله صلى الله وسلم قال: «لو يعلم الناس مافي رمضان من الخير لتمنت امتي ان يكون رمضان السنة كلها، ولو اذن الله للسموات والارض ان تتكلما لشهدتا لمن صام رمضان بالجنة» في هذا الحديث الشريف اخبار من الصادق المعصوم صلى الله عليه وسلم عن منزلة زمان رمضان بين ازمنة العام، بما فيه من نفحات الكريم المتعال، الذي يده سماء بالخير بالليل وبالنهار وخاصة في شهر رمضان الذي اختصه الله بمزيد فضل عن اشهر العام، فأنزل فيه القرآن وبعث فيه خير الانام وخاتم رسله الى الناس كافة، وجعل في زمانه اداء ركن من اركان الاسلام، واختص الرسول وامته فيه بمزايا لم يعطها لامة من الامم، وشحنة بالخير الذي لاتستوعبه العقول وذكره على طريق الاجمال لا على طريق التفصيل، و،اخفى ثواب الصوم فيه وجعله بين العبد وربه وجزاؤه يوم اللقاء، وقال في الحديث القدسي الذي رواه الخمسة: «كل عمل ابن آدم له الا الصيام فإنه لي وأنا اجزي به» ولو علمت الامة المحمدية ما في زمان رمضان من الخير على التفصيل، لتمنت الامة ان يكون زمن العام كله رمضان، وكفى شهر رمضان فخرا وشرفا ان الوجود كله يشهد لمن صام زمانه بالجنة، ولو اذن الله للوجود بالنطق لشهد بذلك، ولكن شهادته مدخرة ليوم الحساب، ونبه الرسول الاذهان الى منزلة شهر الصيام لتتعرض الامة لنفحات الله فيه كما امر بذلك في سائر الازمنة التي اختصها الله بمزيد من الفضل على غيرها فقال صلى الله عليه وسلم «الا ان لربكم في ايام دهركم نفحات الا فتعرضوا لها، فلرب عبد اصابته فيها نفحة لا يشقى بعدها ابدا». وشهر رمضان: زمن المنح والعطايا الربانية، وشهر الصلة بالملأ الاعلى، وشهر تتزين فيه الجنان كل عام لاستقبال رمضان، وتبرز الحور العين في شرفاتها وتقول: اللهم اجعل لنا من عبادك في هذا الشهر ازواجا، وتقول الجنة: اللهم اجعل لنا من عبادك في هذا الشهر سكانا وفيه تسلسل الشياطين ويقذف بهم في البحار لئلا يفسدوا على الصائمين صيامهم، وفيه ليلة خير من الف شهر، من حرم خيرها فقد حرم الخير كله، ولايحرم خيرها الا محروم، وشهر اوله رحمة واوسطه مغفرة وآخره عتق من النار، وفيه تضاعف الحسنات، فيكون ثواب النفل كثواب الفريضة، وثواب الفريضة كثواب سبعين فريضة، وهو شهر الصلة المتواصلة بالله رب العالمين، فليله كنهاره في اجابة الدعاء للصائمين، وفي الجنة باب مخصوص للصائمين لايدخل منه احد سواهم، وفيه ينظر الله للصائمين، ومن نظر الله اليه لايعذبه ابدا، وفيه يمسي الصائمون وخلوف افواههم عند الله اطيب من ريح المسك، وفيه تستغفر الملائكة للصائمين في كل يوم وليلة، وفيه يعتق الله كل ليلة الف الف عتيق من النار، وفي اخر ليلة يعتق الله من النار مثل ما اعتق في الشهر كله، وفيه يضمن الصائمون وقراء القرآن الشفاعة يوم الزحام، وفيه يحصل التنافس في فعل البر والخيرات فيضاعف لهم الله الحسنات، ويغفر لهم السيئات، ومن فطّر فيه صائما، كان مغفرة لذنوبه وعتق رقبته من النار، وكان له مثل اجر الصائم من غير ان ينقص من اجره شيئا، وصافحه جبريل ليلة القدر، ومن صافحه جبريل يرق قلبه وتكثر دموعه، ومن سقى فيه صائما سقاه الله من حوض رسوله شربة لايظمأ بعدها حتى يدخل الجنة، ولذلك ينادي فيه منادي الحق تبارك وتعالى امة الاسلام ويقول: يا باغي الخير اقبل، ويا باغي الشر اقصر، وفيه ينزل الله الرحمة، ويحط الخطايا ويستجيب الدعاء وفي ليلة القدر من هذا الشهر يصل الله اهل الارض بأهل السماء فتنزل الملائكة وعلى رأسهم امين الوحي جبريل عليه السلام ينشرون السلام على اهل الصيام، يصافحونهم ويؤمنون على دعائهم وينظر الله في حوائج الصائمين ويغفر لهم ويستجيب دعاءهم ويمنحهم رضوانه، ووعد الله كل صائم في هذا الشهر العظيم بفرحتين احداهما في الدنيا، وهي فرحة عيد الفطر وما فيه من جزاء عظيم، وفرحة يوم اللقاء حيث يشفع الصيام لكل صائم ويأخذ بيده الى الجنة. عبده حسن حبيب