والجماعة بهذه الاطلاقات قد تختلف فلا توجد في زمن من الازمان وهو زمن الفتنة، بدليل سؤال حذيفة رضي الله عنه للنبي صلى الله عليه وسلم: فإن لم يكن لهم جماعة ولا امام. ثم لا ننسى حديث النبي صلى الله عليه وسلم في شأن الجماعة التي وسمت بالفرقة الناجية. يقول ابن مسعود: انما الجماعة ما وافق طاعة الله وإن كنت وحدك. والجماعة بمفهوم الفرقة الناجية باقية الى يوم القيامة، بدليل حديث النبي صلى الله عليه وسلم: لا تزال طائفة من أمتي قائمة بأمر الله لا يضرهم من خذلهم او خالفهم حتى يأتي امر الله وهم ظاهرون على الناس. والتعصب لأمر الجماعة مطلوب في الدين طالما اجتمعوا على ما امر الله ورسوله، من غير زيادة ولا نقصان، فهم مؤمنون، لهم ما لهم وعليهم ما عليهم حتى لا تظهر قرون الفتنة والفرقة. اذ لا يجوز التعصب بشكل يفضي الى المعصية. ونحن اذ نقر ونعترف بلزوم الجماعة، نقول ان الجماعة ليست الا وسيلة من وسائل الدعوة الى الله عز وجل. فلا يجوز للمسلم ان يكون طريقه لقبول الحق ما جاءت به الطائفة التي ينتمي اليها، فإن مما ابتلي به كثير من المنتسبين الى فئة معينة في العلم او الدين او الدعوة من المتفقهة او المتصوفة او الدعاة، او المنتمين الى معظم ما عندهم لا يأخذون الا بما جاء من فئتهم فقط. قال بعض العلماء: نجد قوما كثيرين يحبون قوما ويبغضون قوما لأجل اهواء لا يعرفون معناها ولا دليلها، بل يوالون على اطلاقها، او يعادون من غير ان تكون منقولة نقلا صحيحا عن النبي صلى الله عليه وسلم وسلف الامة، ومن غير ان يعقلوا معناها او يعرفوا لازمها ومقتضاها. ولقد جعل السلف الصالح معيار اتباع السنة عدم الغضب للأهواء، وسموا اتباع المذاهب المخالفة لأهل السنة والجماعة اهل الاهواء والبدع. قيل لأبي بكر بن عياش: يا أبا بكر: من السني؟ قال: الذي اذا ذكرت عنده الاهواء لم يغضب لشيء منها. 8) الصلح والمعاهدات: بعض الكتاب والمؤرخين يخلطون في كلامهم حين يكون الموضوع موضوع السلم والصلح بين جماعة المسلمين وغير المسلمين سواء كانوا من اهل الذمة ام من غيرهم. وهم يستشهدون بالنصوص القرآنية دون معرفة المراحل التاريخية التي سيقت فيها هذه النصوص. ومن يقرأ آيات القرآن في الجهاد والقتال يدرك سرا ساميا وحكمة بليغة تقف وراء التدرج بتشريع الجهاد والقتال. يقول ابن القيم في كتابه القيم زاد المعاد: ان الجهاد كان محرما في مكة المكرمة ثم مأذونا فيه عند الهجرة، ثم مأمورا به مع من بادءهم بالقتال، ثم مأمورا به مع المشركين كافة. وابن عابدين يقول في حاشيته: اعلم ان الامر بالقتال نزل مرتبا حيث كان النبي صلى الله عليه وسلم مأمورا اولا بالتبليغ والاعراض، ثم بالمجادلة بالأحسن، ثم اذن لهم بالقتال، ثم امروا بالقتال ان قاتلوهم، ثم امروا بالقتال بشرط انسلاخ الاشهر الحرم، ثم امروا به مطلقا. ولذلك اختلف الفقهاء في جواز عقد الصلح مع الكفار، فمنهم من اجازه على صلح الحديبية، ومنهم من اجازه اذا كان المسلمون في ضعف شديد، ومنهم من لم يجز الصلح ابدا وقالوا نسخت آية السيف كل معاهدة مع الكفار. اما المتأخرون من الفقهاء فأجازوا للمسلمين عقد معاهدة مع الكفار اذا كان في ذلك مصلحة للمسلمين لكن بشرط ان لا تتضمن المعاهدة شرطا يبطل المعاهدة او يفسدها. ومنها: 1ـ لا يجوز ان تتضمن المعاهدة شرطا فيه اعتراف او اقرار الكفار على شبر من أراضي المسلمين. لأن ارض الاسلام ليست ملكا لاحد حتى يساوم عليها او يفاوض. فالأرض لله ثم للاسلام. 2 ـ اذا تعين الجهاد بطل الصلح، كما اذا دخل العدو ارض المسلمين او كان طالبا لهم. جاء في كتاب فتح العلي المالك: اوقع الخليفة الصلح مع النصارى، والمسلمون لا يرون الا الجهاد فمهادنته منقوضة وفعله مردود، حتى ان بعض الفقهاء كالقاضي ابن رشد قدم الجهاد على حج الفريضة. 3 ـ كل شرط تضمن تعطيل شريعة الله او اهمال شعائره فهو باطل، لا يجوز التدخل في نظام الحكم لأن هذا افساد للجهاد وهدفه. 4 ـ لا يجوز ان يتضمن العقد شرطا فيه اذلال للمسلمين او يشعر بهذا الاذلال. 5 ـ لا يجوز ان يتضمن العقد اظهار شعائر الكفار في بلاد المسلمين ايا كان نوعها. والخلاصة هي ان التعاقد مع الكفار منوط بشروط شرعية لا يصح ولا يجوز الا بها. ومن ترك هذه الشروط فقد حاد الله ورسوله، وخان امانة التكليف. 9) خلاصة واستنتاج: من القراءة السريعة لبعض المفاهيم الشرعية التي يجب تصحيحها وفهمها وفق قواعد الدين وفهم السلف الصالح لها، لابد من تحديد منهج الفهم وأسسه، بما يشبه ميثاق شرف اسلامي ينبغي ان يكون بين المسلمين والعاملين في مجال الدعوة لتمكين دين الله في الارض، وبين سائر المجتمعات الاسلامية التي تنشد اقامة النموذج الاسلامي المبني على العدل والحرية والاخاء والعمل ومن قواعد هذا الميثاق: 1ـ اعتماد منهج السلف الصالح من الائمة الاربعة ومن بعدهم من اتباعهم وأجلة العلماء والائمة. 2 ـ اعتماد مبدأ التعاون كمبدأ استراتيجي ومصيري وشرعي. 3 ـ الاخوة الاسلامية مبدأ عقدي مقدس واحترامها والعمل من اجل تحقيقها والحفاظ عليها من اساسيات الاتباع الصحيح للنبي وصحابته. 4 ـ التكفير والتفسيق وما شابههما من المفاهيم التي يجب ان تحذف من ادبياتنا ومن قاموسنا الاسلامي، فهي تنافي مباديء الاخوة والتعاون والتكفير والتفسيق لا يكون الا في دائرة من كفره الله ورسوله، استنادا للأدلة الشرعية. 5. الاختلاف وتباين الرؤى امر واقع ومسلّم من امور الدين، شرط ألا يؤدي الى التبدّع. 6 ـ حسن الظن بالأخ المسلم وهو الاطار العام الذي يجب الاعتماد عليه في جميع الخطوات التي نقطعها، مع الاخذ بعين الاعتبار الضرورات والاولويات في مسيرة الحركة الاسلامية. 7 ـ رسم استراتيجية اعلامية ذات ابعاد واضحة تبرز دور الوظيفة الاعلامية في ارساء مباديء التعاون والاخوة ومنهج الائمة والعلماء الصالحين. هذه المباديء ان استطعنا العمل على تحقيقها والسير فيها امكننا ان نقف في وجه التحديات المصيرية التي تواجه المسلمين في العصر الراهن بدءا من تحدي الوجود وصولا الى قيام حكومة اسلامية او نظام اسلامي يفرض سلطته على الارض، وما ذلك على الله بعزيز. د. علي دحروج