عندما نتحدث عن السيدة مريم أم المسيح عليهما السلام نجد أنفسنا أمام شخصية أم ليست كمثلها أخرى من الأمهات بمن فيهن أمهات الأنبياء عليهم السلام. فهى وإن كانت أماً بشخصيتها تظل أبداً ماثلة في سيرة ابنها ورسالته وهى تأخذ مكانتها مع أمهات الأنبياء أصحاب الرسالات الأربع الكبرى ويعلي من قدر أمومتها كونها سابقة على الإسلام ومع كثرة الشخصيات النسوية في القرآن الكريم اختصت السيدة مريم أم المسيح بذكرها بصريح اسمها مع ابنها عليهما السلام دون سائر النساء وفيهن أمهات الأنبياء. إن الذى يتدبر القرآن الكريم يراه قد فصل الحديث عن نشأة مريم ابنة عمران وعن فضلها وطهارتها واصطفائها على نساء زمنها وماأعده الله تعالى لها من ثواب عظيم كما تحدث القرآن أيضاً عن ابنها عيسى عليه السلام فقال تعالى (إن الله اصطفى آدم ونوحاً وآل إبراهيم وآل عمران على العالمين ذرية بعضها من بعض والله سميع عليم إذ قالت امرأة عمران رب إنى نذرت لك مافى بطني محرراً فتقبل مني إنك أنت السميع العليم).إ ن الله اصطفى آل عمران إذ جعل فيهم عيسى عليه السلام الذى اتاه البينات وأيده بروح القدس والمراد بعمران والد مريم أم عيسى عليه السلام فهو عمران بن باشم بن ميشان حزقيا وينتهى نسبه إلى إبراهيم عليه السلام.إ ن في ذلك التسلسل لدليلاً على أن الله تعالى قد اقتضت حكمته أن يجعل في الإنسانية من يهديها إلى صراط مستقيم فبدأت بآدم وختمت بمحمد عليه الصلاة والسلام. وامرأة عمران هذه هى حنة بنت فاقوذا وهي أم مريم وجدة عيسى عليه السلام وزوج عمران ونرى في الدعاء الخاشع الذي دعته لربها «النذر» وهو من أسمى ألوان التقرب إلى الله قد توجهت إلى ربها بأعز ماتملك... وهو الجنين الذي فى بطنها ملتمسة منه سبحانه أن يقبل نذرها الذى وهبته لخدمة بيته وقيل إن هذا النذر يلزم صاحبه في شريعتهم في ذلك الوقت أى أن المحرر عندهم إذا حرر جعل فى الكنيسة يخدمها ولايبرحها مقيماً فيها حتى يبلغ الحلم ثم يتخير فإن أحب ذهب حيث شاء وإن اختار الإقامة لا يجوز له بعد ذلك الخروج ولم يكن أحد من أبناء بني إسرائيل وعلمائها إلا ومن أولاده من حرر لخدمة بيت المقدس. ولم يكن يحرر إلا الغلمان ولا تصلح الجارية لما يصيبها من الحيض والأذى. وقد أجاب الله حنة لدعائها وحكى سبحانه ذلك فى قوله تعالى (فتقبلها ربها بقبول حسن وأنبتها نباتاً حسناً)(آل عمران: 37). والمعنى أن الله تقبل مريم قبولاً مباركاً وخرق بها عادة قومها فرضى أن تكون محررة فى بيته كالذكور مع أنها أنثى وفاء بنذر الأم التقية ورباها تربية حسنة وصانها من كل سوء فكان حالها كحال النبات الذى ينمو فى الأرض الصالحة حتى يؤتي ثماره الطيبة. وهكذا وفر الله تعالى لمريم كل الوان السعادة الحقيقية فقد قبلها لخدمة بيته مع أنها أنثى وأنشأها نشأة طيبة بعيدة عن كل نقص خلقى أو خلقى وهيأ لها وسائل المعيشة الطيبة حيث لا تحتاج. وقال تعالى (وكفلها زكريا كلما دخل عليها زكريا المحراب وجد عندها رزقاً قال يامريم أنى لك هذا؟). وزكريا زوج خالة لها وينتهي نسبه إلى سليمان بن داود وكفالته لها جاءت نتيجة اقتراع بينه وبين سدنة بيت المقدس وفي ذلك يقول القرآن الكريم (ذلك من أنباء الغيب نوحيه إليك وماكنت لديهم إذ يلقون اقلامهم أيهم يكفل مريم وماكنت لديهم يختصمون) وكان رزق المحراب لدى مريم محل عجب زكريا ولكنه اطمأن بعد أن أجابته مريم (قالت هو من عند الله إن الله يرزق من يشاء بغير حساب). وهذه التهيئة السابقة لمريم كانت إعداداً لأن تستقبل نفخة الروح وكلمة الله وأن تلد عيسى عليه السلام على غير مثال من ولادة البشر وإذا اعتبرنا ماتم للنبي زكريا من رزقه بيحيى وهو كبير السن وامرأته عاقراً حدثاً غريباً خارقاً فهو تمهيد فى السياق لحادث عيسى الذى هو خلق من سلسلة من ظواهر المشيئة الطليقة. فقصة المسيح - عليه السلام - تبدأ بإعداد مريم لتلقي النفخة العلوية بالطهارة والعبادة والقنوت. قال تعالى: (وإذ قالت الملائكة يامريم إن الله اصطفاك وطهرك واصطفاك على نساء العالمين يامريم اقنتي لربك واسجدي واركعي مع الراكعين). واى اصطفاء وهو يختارها لتلقى النفخة المباشرة كما تلقاها أول هذه الخليقة آدم عليه السلام. ان الاصطفاء للأمر المراد وفي تاريخ البشرية وهو بلا جدال أمر عظيم ولكنها حتى ذلك الحين لم تكن تعلم بذلك الأمر العظيم. والإشارة هنا إلى الطهر إشارة ذات مغزى وذلك لما لابس مولد عيسى عليه السلام من شبهات لم يتورع اليهود أن يلصقوها بمريم الطاهرة معتمدين على أن هذا المولود لا مثال له فى عالم الناس فيزعموا أن وراءه سراً لا يشرف. لقد تأهلت مريم إذن بالتطهير والقنوت والعبادة لتلقى هذا الفضل واستقبال هذا الحدث وهاهي ذى تتلقى لأول مرة التبليغ عن طريق الملائكة بالأمر الخطير إنها بشارة كاملة الإفصاح عن الأمر كله قال تعالى فى كتابه الحكيم (إذ قالت الملائكة يامريم إن الله يبشرك بكلمة منه اسمه المسيح عيسى ابن مريم وجيها فى الدنيا والآخرة ومن المقربين ويكلم الناس في المهد وكهلاً ومن الصالحين).إ نها بشارة كاملة وإفصاح عن الأمر كله بشارة بكلمة من الله اسمه المسيح عيسى بن مريم فالمسيح بدلاً من الكلمة فى العبادة هو الكلمة الحقيقية ولقد شاء الله تعالى أن يبدأ الحياة البشرية بخلق آدم من تراب من أين هذا التراب؟ وهذا التكوين؟ لا نعلم وقد ذهبت جميع محاولات البشرية التى بذلناها بوسائلنا المادية لمعرفة مصدرها لا نعلم ولكن الله الذي وهب الحياة يعلم وهو يقول لنا إنها نفخة من روحه وأن الأمر قد تم بكلمة منه (كن فيكون) والله سبحانه يقول إن النفخة من روحه في آدم هي التي جعلت له هذا الامتياز والكرامة لأن النفخة جاءت من روح الله. وهذا ليس مألوفا للناس بل يجرى على غير العادة لأن القاعدة المألوفة أنه لإعادة النشأة الإنسانية بعد آدم لابد من التقاء ذكر وأنثى وهو المعنى المفهوم لدينا حتى شاء الله أن يخرق هذه القاعدة مرة ثانية في فرد من بنى الإنسان فينشئه نشأة قريبة وشبيهة بالنشأة الأولى وإن لم تكن مثلها تماماً (أنثى فقط) تتلقى النفخة التي تنشئ الحياة ابتداء فتنشأ فيها الحياة هذه الكلمة هي (كن) وهكذا بشرت الملائكة مريم بكلمة من الله اسمها عيسى ابن مريم فقد ضمنت البشارة نوعه واسمه ونسبه وظهر من هذا النسب مرجعه إلى أمه ثم تضمنت البشارة كذلك صفته ومكانته عند ربه. قال تعالى (وجيها فى الدنيا والآخرة ومن المقربين). وقد جاءت قصة مريم في القرآن الكريم أنها فتاة عذراء وقديسة وهبتها أمها وهي فى بطنها لخدمة المعبد ولا يعرف عنها إلا الطهر والعفة حتى لتنتسب إلى هارون أبى سدنة المعبد الإسرائيلى المتطهرين ولا يعرف عن أسرتها إلا الطيبة والصلاح من قديم.