بينت الاكتشافات المثيرة للمخطوطات والكتب والآثار الأدبية والفنية العربية القديمة التي نجت من معاول محاكم التفتيش الاسبانية. ان هذا التراث الانساني المهم قد تعرض لحملات ظالمة، وقد غيرت تلك الاكتشافات النظرة غير الدقيقة للعرب والمسلمين. ففي مجال الأدب تبين أن الشعر الغنائي العربي قد ترك بصماته على الشعر الاسباني من خلال الموشحات والأزجال الاندلسية، ثم انتقل هذا الأثر إلى الشعر البروفانسي الذي كان النموذج المحتذى في أوروبا العصور الوسطى وبخاصة في ايطاليا وألمانيا وإنجلترا. كما أن القصص العربي والشرقي قد ظهرت موضوعاته في عدد هائل من المجموعات القصصية التي دونت باللاتينية والاسبانية والفرنسية والألمانية حتى القرن الخامس عشر الميلادي. ومن جديد يتدخل هانز قائلاً: هل يعني ذلك يا دكتور علي أن الحكايات التي وصلتنا عن أولئك الشطار والتي تزخر بها كتبنا وتراثنا الألماني والأوروبي هي حكايات ذات أصل عربي؟! ـ وبهدوء تام أيضا استطرد الدكتور علي قائلاً: لن أجيبك أيها الصديق هانز عن سؤالك، بل سأجعلك تستشف ما أرمي إليه من خلال حديثي، فلك ان تعلم أن كثيراً من أصول القصص العربية انتقلت بعد توظيفها في المجموعات الاوروبية إلى مجموعة قصص الخرافة الفرنسية وإلى المسرح الشعبي الانجليزي، كما استعان بها ثربانتس (مؤلف دون كيخوته) في بعض قصصه التي ظهرت في القرن السابع عشر. ولمعلوماتك أيها الصديق أشير إلى أن القصة الفلسفية أو الصوفية التي ابتدعها العرب كان لها أثر كبير على الفكر الأوروبي، ولعل أول انموذج لهذا اللون القصصي يتمثل في «قصة حي بن يقظان» للفيلسوف الاندلسي ابن طفيل. وقد ظهر أيها الاصدقاء أثر قصة ابن طفيل واضحاً على القصة الطويلة التي ألفها الفيلسوف الأسباني «بلتثار جراثيان» تحت عنوان «الناقد» والذي أثّر على الفكر الأوروبي في عصور شتى، ويكفي أن أذكر لكم ان ديكارت وشوبنهاور وليسنج وهيجل قد استفادوا كثيراً من آراء جراثيان وأفكاره. وهنا نطق هانز: لقد فهمت ما ترمي إليه، لقد أوصلتني إلى المعنى من دون أن أحتسب! ـــ وعندما وجدت أن دفة الحديث بدأت تتجه نحو التنظير والاسترسال في مقدمات عامة قلت للدكتور علي: يبدو أن شغف هانز واهتمامه بالتفاصيل طغى على جلستنا الممتعة، ألا ترى لو قمنا بمغادرة الزمن إلى أزمنة الشطّار العرب فان المنفعة ستعّم علينا جميعاً؟ وفي لحظتها قفز هانز من مكانه صارخاً: انها فكرة رائعة، أتمنى لو أستطيع أن ألامس تلك الأزمنة بكل ما فيها من تفاصيل ساحرة. ـ قال الدكتور علي بهدوء واتزان: اعتقد أن الولوج في حضن زمن آخر مثير ويستحق المجازفة، لكنني اعتذر لانشغالاتي الكثيرة، ولكن قبل أن تُقْدِموا على هذه الخطوة ابحثوا عن دليل يساعدكم على معرفة طبيعة الناس والمكان والعادات والقوانين التي تحكم تلك الفترة.. قلت: وهل تمدّنا يا دكتور بأسماء تمتلك الدراية والمعرفة؟ أجاب: الأسماء كثيرة والمراجع متعددة والحكايات متناثرة هنا وهناك وتحفل بها كتب الأدب العربي، وحتى لا أحصركم في زاوية بعينها، وتكون هناك شمولية في التناول، أترك لكم حرية البحث والانتقاء.. واشكركم على ثقتكم في شخصي المتواضع.. كانت كلمات الدكتور علي بمثابة تحد جديد يرتسم أمامنا، فمن أين نبدأ، وكيف السبيل للوصول إلى هؤلاء الشطّار والصعاليك؟! ... وغداً نكمل