«خواطر من وحي آيات البصر». موضوع البحث العلمي الذي أعده د. عفيفي محمود عفيفي الاستاذ بكلية العلوم جامعة المنصور والذي يتناول فيه المناقشة والإعجاز العلمي في قوله تعالى «قل هو الذي أنشأكم وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة قليلا ما تشكرون».. وأيضا قول الله تعالى. «إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسئولا». ويقول الباحث أن هناك آيات أخرى تعد بالعشرات تقرن بين السمع والبصر، وأول ما يلفت النظر فيها هو ذكر السمع قبل البصر مع أن البصر لا يقل عن السمع أهمية وقد يفوقه في الأهمية. وذكر السمع قبل البصر مطابق للحقيقة العلمية فبينما يصبح الجنين سمعيا وهو في الشهر الثالث من الحمل لا يصبح بصيرا إلا بعد الولادة بأسبوعين. فاكتمال حاسمة السمع في هذا الطور المبكر يعطي الجنين فرصة الاستماع إلى دقات قلب أمه فترة كافية تجعله يستوعبها تماما بحيث يتذكرها بعد الولادة كلما ضمته إلى صدرها وبهذا يهدأ ويطمئن وقت الإرضاع. أما حاسة البصر، فإن أعضاء الأبصار لا تمارس وظائفها إطلاقا طوال الحياة الجنينية ـ رغم اكمال تكوينها ـ لانعدام الضوء اللازم لنقل صور المرئيات.. فضلا عن أن الجنين ليس في حاجة إلى ممارستها أصلا.. وأول ما استوقفني وحيرني في عشرات الآيات التي تخص حاسة الأبصار بالذكر هو اختلاف اللفظ المستعمل للتعبير عنها فهو أحيانا يكون مشتقا من لفظ «بصر» وأحيانا أخرى من لفظ «رأي». وفي أحيان ثالثة من لفظ «نظر» فالتعبير بلفظ «بصر» يتمثل في قوله تعالي على لسان السامرى مخاطبا موسى عليه السلام «قال بصرت بما لم يبصروا به». والتعبير بلفظ «نظر» يتمثل في قوله تعالى «قل انظروا ماذا في السموات والأرض».. والتعبير بلفظ رأى يتمثل في قوله تعالى «وترى الأرض هامدة فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت» والألفاظ الثلاثة مختلفة تماما في البنية اللغوية وليس بينها حرف واحد مشترك سوى حرف الراء.. كما أنها ليست من المترادفات بحيث يصح استعمال أي لفظ مكان الآخر.. كما أنه ليس صحيحا أن استخدام الألفاظ الثلاثة إنما هو من قبيل التنويع.. خصوصا إذا وردت مجتمعة كما في الآية الكريمة: «وإن تدعوهم إلى الهدى لا يسمعوا وتراهم ينظرون إليك وهم لا يبصرون» فالقارئ المستدبر لابد أن يكتشف وراء هذا التنويع اللفظي وظيفة أهم هي دقة التعبير عن خصوصية المعنى.. ولكي يتحقق ذلك نستعرض الحقائق العلمية الأساسية وهي أن وظيفة الإبصار إنما هي عملية مركبة من شقين متكاملين هما الشق النظري وتقوم به العين، ثم شق الرؤية ويقوم به مركز عصبي خاص في قشرة المخ وهو متصل بشبكية العين عن طريق العصب البصري. وبقيام هذا المركز بإدراك ما يرد إليه من الشبكية تتم عملية الإبصار. وبالتالي فيمكن تعريف عملية الإبصار بأنها «الإدراك الحسي لمعالم المرئيات ذات الكيان المادي بعد النظر إليها في الضوء».. كما أن الصور التي تسقط على الشبكية لا تنطبع عليها مثلما تنطبع الصورة الفوتوغرافية على سطح الفيلم الخام.. وإنما تنتقل فورا على شكل ومضات عصبية عبر العصب البصري لتصل إلى مركز الرؤية. والتكامل الوظيفي بين العين والمخ في إتمام عملية الإبصار لا يمنع من أن يقوم كل منهما ـ في أي وقت ـ بعمله مستقلا عن الآخر مع اختلاف النتيجة وفقا للجزء الذي يعمل. نظر بلارؤية ورؤية بلا نظر وبناء على تلك الحقائق الأساسية فإن عملية الإبصار لا تتم إذا انعدم أحد شقيها. ولكن الشق الذي يتم أداؤه يأخذ شكل ظاهرة غير مألوفة لأنها تمثل عملية فسيولوجية ناقصة. والظاهرتان المحتملتان كنتيجة لهذا الإنفصال الأدائي بين العين والمخ هما: النظر بلا رؤية والرؤية بلا نظر. ففي حالة النظر بلا رؤية يحدث الناظر بعينين سليمتين مفتوحتين في الجسم الموضوع أمامهما.. ولكن الناظر إذ سئل عما أمامه لأنكر أن أمامه شيئا. والنظر بلا رؤية وبالتالي بلا إبصار يحدث عندما يكون الناظر شارد الذهن أو في حالة رعب شديد مفاجئ أو واقعا تحت تأثير الخمور أو المخدرات. فكل هذه تسبب عطلا مؤقتا لخلايا المراكز العصبية في المخ.. والنتيجة هي حالة عمى مؤقت يزول بزوال أسبابه. أما إذا أصيبت خلايا مركز الإبصار بتلف عضوي فالنتيجة هي العمى الدائم على الرغم من سلامة العينين. أما الرؤية بلا نظر فتحدث نتيجة عطل في عضو النظر «العين» أو عضو نقل الصورة «العصب البصري» أو كليهما بشرط بقاء المراكز العصبية سليمة عضويا ووظيفيا والرؤية بلا نظر يمكن أن تحدث أيضا رغم عدم وجود ما يمكن النظر إليه أصلا. وذلك بإستحضار بعض المشاهد القديمة من الرصيد المخزون من عمليات إبصار سابقة. وهذا يدخل في باب أحلام اليقظة قياسا على الأحلام التي نراها أثناء النوم. من وحي آيات البصر وفي ضوء الحقائق العلمية السابقة نقرأ قول الله تعالى «وقالت لأخته قصيه فبصرت به عن جنب وهم لا يشعرون». والموقف هنا حدثت فيه عملية إبصار تامة الأركان: فأخت موسى أولا قامت بالنظر هنا وهناك بحثا عن أخيها الطفل المنشود والذي سبق لها النظر إليه ورؤيته.. وبالتالي إبصاره، فلما وقعت عيناها عليه في هذا المكان الجديد تكونت له في مخها صورة مطابقة لتلك التي أختزنها عقلها الباطن في مرات سابقة.. فتعرفت عليه. أما والحالة هذه فأي الألفاظ الثلاثة تعبيرا عن هذا الموقف ؟ لاشك أنه لفظ «بصر» الذي ورد في النص القرآني للتعبير في إيجاز معجز عن اكتمال أركان عملية الإبصار. وفي سورة النور يقول الله سبحانه وتعالى «قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم والابصار المذكورة هنا هي العيون التي هي النوافذ التي تطل منها على الموجودات والعين ـ عمليا ـ هي عضو النظر.. فلماذا لم يستعمل لفظ الأنظار واستعمل لفظ الإبصار؟ لو اقتصرنا على الجانب اللغوي لقلنا أن هذا نوع من البلاغة التي يستعمل فيها ما سوف يكون محل ماهو كائن. ولكن هذه البلاغة لها أيضا سند علمي إذ أن النظر هو بوابة البصر. ومنع عملية الإبصار يتم بسهولة أكبر لو بدأنا بإغلاق الباب المؤدي إليه وهو العين ومن مظاهر عدالة الله أن جميع العضلات المحكمة في تحريك كرة العين وفي فتح الجفون وإغلاقها هي من النوع الإرادي الخاضع لسيطرة المخ وهو الذي يحوي مركز الإبصار كما يحوى مركز الحركة. أي أنه هو المتحكم الفعلي في حركة تلك البوابات التي تنفذ عن طريقها صور المرئيات إلى المخ ومن ثم يتحول النظر المجرد إلى إبصار فعلي. إذن فالأمر بالغض في الآية مقصود به الأصل والمنبع تجنبا للشر من أول الطريق المؤدية إليه. بيولوجية الرؤية في القرآن الكريم عرفنا أن الرؤية هي الخطوة التالية للنظر، وأنها هي التي تتم بها عملية الإبصار. فهي إذن الخطوة الحاسمة. ونظرا لاهميتها فإن القرآن كثيرا ما يعطي لفظ «رأي» ومشتقاته الأولوية في التعبير عن عملية الإبصار كلها خصوصا إذا كان الهدف الرئيسي منها هو التدبر والاعتبار ففي سورة الأنعام يقول الله تعالى «فلما جن عليه الليل رأى كوكبا قال هذا ربي فلما أفل قال لا أحب الآفلين». وفي الآيتين التاليتين في نفس السورة يتكرر إستعمال لفظ «رأى» نائبا عن اللفظين الآخرين في التعبير عن عملية الإبصار. وهذا مناسب لكون الهدف منها هو إثبات قضية عقلية. وفي سورة النمل أكثر من آية استعمل فيها لفظ «رأى» تفضيلا له على لفظ «نظر» لأهميته ودقته في التعبير عن الجزئية المطلوبة والمقصودة من عملية الإبصار.. حيث يقول الله تعالى «وتفقد الطير فقال مالي لا أرى الهدهد أم كان من الغائبين». من المؤكد أن نبي الله سليمان قد استخدم عينه في النظر هنا وهناك بحثا عن الهدهد المنشود قبل أن يصرح بعدم رؤيته. وأنه وهو يتفقد الطير كان يستحضر في ذهنه صورة الهدهد الغائب التي عرفها واستوعبها من عمليات ابصار سابقة. وهذا الاستحضار هو عملية ذهنية خالصة يقوم بها مركز الرؤية. ولهذا كان لفظ «رأى» أدق من أي من اللفظين الآخرين في التعبير عن هذا الموقف الذي يبدو مثل موقف أخت موسى في البحث عن شيء منشود. ولكن في حالة أخت موسى كان المنشود موجودا فنظرته وبالتالي أبصرته.. ولهذا استعمل القرآن لفظ البصر في قوله تعالى «فبصرت به» أما هنا فالشيء المنشود ـ وهو الهدهد- ليس له وجود أي أن النظر لم يحقق وظيفته وبالتالي لم تتم عملية الإبصار. ولم يبق إلا اللفظ الثالث الذي استعمل هنا في موضعه تماما. «مالي لا أرى الهدهد». الرؤى والأحلام وفيها يقتصر العمل على ما يقوم به العقل الباطن الذي ينشط عند ضعف السيطرة على الجوارح. ولا تستعمل العين كعضو نظر ـ بل لا إمكانية أصلا لقيامها بهذه الوظيفة. فإغلاق الجفون من الأعمال المصاحبة للنوم ـ وتتصدر سورة يوسف السور جميعها من حيث عدد الأيام التي ورد فيها ذكر الرؤى المنامية حيث يقول الله تعالى فيها «إذ قال يوسف لأبيه يا أبت إني رأيت أحد عشر كوكبا».. ويقول «ودخل معه السحن فتيان قال أحدهما أني أراني أعصر خمرا وقال الآخر إني أراني أحمل فوق رأس خبزا تأكل الطير منه».. ويقول «وقال الملك إني أرى سبع بقرات سمان يأكلهن سبع عجاف». ففي هذه النصوص القرآنية كما في غيرها من النصوص التي تتحدث عن الاحلام كان استعمال لفظ رأى تعبيرا دقيقا عن حقيقة الأحلام بوصفها استحضاراً لمشاهد قديمة مخزنة في الذاكرة وإعادة مشاهدتها بواسطة مركز الرؤية في المخ دون حاجة إلى عضو النظر لأن كل مشاهد الأحلام إنما هي مرئيات مجردة ليس لها كيان مادي مجسم يمكن النظر إليه. ومن ثم الغيت عملية الناظر وبالتالي لا يحدث إبصار. ونتوقف قليلا لنتأمل التشابه الذي يكاد يكون تطابقا في البنية اللغوية بين لفظ «الرؤية» ولفظ «الرؤيا» فكلاهما مشتق من مادة رأى ثم لنتأمل اللفظ الآخر المستعمل في الفصحى والعامية للتعبير عن الرؤى المنامية وهو لفظ «أحلام» لنجد أنه هو نفسه اللفظ الذي يعني العقول، التي يؤكد علماء النفس البيولوجي على أنه الجزء الباطن منها هو مصدر المشاهد التي يتألف منها سيناريو الحلم أو الرؤية المنامية. القاهرة- السيد أبو داود: