الجمال قد يكون حقيقة، وقد يكون حلما يصل به الإنسان إلى منتهى أمانيه، وقد يكون حقيقة لكن صعبة المنال فيظل الحالم يحلم بها طيلة حياته، فقد يدركها وقد لا يدركها لكنها تبقى أحلاما تداعب خياله كلما وضع رأسه على الوسادة، وقد يكون هذا الحلم ضرورة لاعمار الأرض وبمثابة أمل يحث الإنسان على العمل فيكدح ويجاهد ويناضل لأجل تحقيق هذا الأمل. ولا يدري أنه من وراء هذا الجهاد والنضال اعمار للأرض وسد ثغرة من ثغرات الحياة وضع فيها هذا الحالم. فما هو الحلم؟ إنه الحلم الذي زينه الله للبشر جميعا، فقال تعالى: (زين للناس حب الشهوات من النساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة والخيل المسومة والأنعام والحرث ذلك متاع الحياة الدنيا) آل عمران: 14. الآية هنا تجمع الأحلام في حلم واحد. وترسم الجمال كله في لوحة واحدة. فقد يزين للإنسان النساء فقط، فيظل في حياته كلها مشغولا بهن. وقد يزين للإنسان البنون فيشقى لأجلهم طوال حياته ويسعد كل السعادة عندما يقدم لهم جهده وتضحياته. وقد يزين للإنسان الذهب والفضة والأموال. فيجاهد طول عمره لجمع المال ويبخل حتى على نفسه لينعم بالنظر إلى الذهب أو الجلوس بالليل ليعد هذه الأموال التي حصل عليها. وكذلك هناك من يحلم بامتلاك الأنعام. من الجمال أو البقر أو الغنم أو الخيل، فلا يسعد إلا برؤيتها، وعندما يجلس بين أنعامه ورائحتها التي قد لا يحبها أحد ولكنه لا يجد السعادة إلا في الجلوس بينها والنظر إليها. لكن القرآن ذكر ذلك جملة واحدة، ليرسم لنا أحلام الناس مجتمعة في لوحة واحدة، وكأنه يرسم لك إنسانا سعيدا حوله نساء جميلات متزينات بأبهى زينتهن وأجمل ثيابهن وأطيب طيبهن، وحول كل امرأة أولادها وبناتها بنفس الزينة، ومن خلفه بيته الجميل الرائع وحول البيت حدائق واسعة فيها من كل ما لذ وطاب ومن كل ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين. وبين الأشجار ترعى الأنعام هنا وهناك وقد انتشرت في كل مكان، هذه تأكل وهذه تشرب، وهذه الحديقة فيها الفواكه والثمار النضيجة، وتلك فيها زرع يخرج ما يحتاجه الإنسان لقومه وتفضل الفضلة لأنعامه. ثم إذا أحببت أن تكتب تحت هذه اللوحة قوله تعالى (ذلك متاع الحياة الدنيا) نعم. إنه متاع الحياة الدنيا. ومن منا لا يحلم بهذا أو يسعى إليه أو يشقى في تحصيله. وكيف ننكر هذا وقد زينه الله في أعيننا وحببه إلينا في قلوبنا. ولقد حبب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم شيء من هذا الطيب والنساء. وهما من متاع الحياة الدنيا، ومن يقل إنه لم يحبب إليه ذلك فقد رغب عن سنة النبي صلى الله عليه وسلم. فهد الهاجري