يكشف رصدنا لحركة في الفكر الإسلامي أن الرؤى التجديدية الإسلامية في مجال التعامل مع القرآن تكاد تنحصر في زاويتين، الأولى تتمثل في تقديم تفسيرات جديدة للقرآن الكريم، والأخرى تتجسد في اجتهادات بعض علماء الدين لتوعية المسلمين بكيفية التعامل الأمثل مع القرآن وتصحيح نظرتهم إليه. غني عن البيان أن هذا الرصد يستبعد المحاولات التي لا تلتزم بالأصول والقواعد المتعارف عليها في التعامل مع كتاب الله الخاتم، ومن ثم لا يدخل في هذا الرصد - مثلا- إنتاج الدكتور نصر حامد أبو زيد ودعوته للتعامل مع القرآن باعتباره منتجا ثقافيا. فيما يتعلق بالتفسيرات الجديدة للقرآن، نتوقف أمام عدد من الإسهامات الجادة، من أبرزها ما يطلق عليه «التفسير العلمي للقرآن الكريم» ، والذي يقدم أحيانا تحت عنوان «الإعجاز العلمي للقرآن» ، والتفسير الدالي لألفاظ القرآن الكريم الذي أنجزته الدكتورة عائشة عبد الرحمن (بنت الشاطئ) والتفسير الموضوعي للقرآن للشيخ محمد الغزالي، ومشروع التفسير الحضاري الذي بدأه الدكتور سيد الدسوقي. ولعل التفسير العلمي أشهر هذه التفسيرات وأكثرها قربا من جماهير المسلمين، ربما يعود ذلك إلى تزايد ما يمكن ان نسميه درجة الجدة في هذا التفسير من ناحية، وبسبب اقترابه من لغة العصر من ناحية أخرى، إذ إن غالبية ما تم إنجازه في هذا المجال قد اقترن بالحديث عن الإعجاز العلمي للقرآن، وهو بطبيعته ينطوي على جاذبية جماهيرية، فضلا عن أنه يلبي احتياج دفاعي لدى قطاعات كبيرة من المسلمين بعد فترة الهجوم على الدين ووصفه بالرجعية من جانب بعض التيارات التي وصفت نفسها بأنها تقدمية أو ثورية أو اشتراكية في عدة مجتمعات إسلامية منذ عشرينيات القرن الماضي وحتى الستينيات منه. فجاء هذا التفسير العلمي الذي يؤكد معجزة القرآن الخالدة واستباقه للإشارة إلى حقائق علمية لم يتوصل إليها العلم إلا مؤخرا، وكأنه سلاح في يد أولئك الذين غُلبوا على أمرهم أمام قوى أُتيحت أمامها السلطة السياسية والإعلامية للنيل من الدين. غير أن هذا التفسير قد لاقى هجوما من بعض الاتجاهات داخل حركة الفكر الإسلامي نفسها، انطلاقا من خطورة الربط بين القرآن الكريم ومقولات العلم التي قد تتغير لاحقا مما قد يعرض النص القرآني للحرج، كما أن منتقدي هذا التفسير يرون فيه خروجاً عن رسالة القرآن وهدفه باعتباره كتاب هداية وليس كتاب علوم. ولكن أصحاب التفسير العلمي لديهم ردود تربط هذا التفسير بقضية التجديد من زاوية ان خلود الرسالة وصلاحيتها لكل زمان ومكان تقتضي تجديد الدعوة لها، وتجديد اسلوب تقديمها فإذا كانت لغة العلم هي اللغة العالمة التى تحظى بالمصداقية والقبول، فلماذا لا نستخدم هذه اللغة خاصة وأن القرآن الكريم يتضمن إشارات لحقائق إعجازية مبهرة للعديد من الحقائق التي لم تكتشف إلا مؤخرا؟ ومن ثم فإن هذا النوع من التفسير يساعد في فهم كثير من الآيات، ويعبر عن عطاء القرآن في هذا العصر، ومن خلاله يمكن عرض رسالة الإسلام على غير المسلمين بلغتهم.. لغة العلم. وقد حظي هذا التفسير بجهود تنظيمية تمثلت في إنشاء الهيئة العالمية للإعجاز العلمي للقرآن الكريم برابطة العالم الإسلامي، فضلا عن تكوين جمعيات أخرى للإعجاز العلمي للقرآن على المستوى القطري، في مصر وباكستان وغيرهما من الدول. و قدمت نخبة من علماء المسلمين إسهامات متميزة في هذا الميدان، جاءت في شكل كتب، وندوات عقدت في أكثر من عاصمة إسلامية، بل ان بعضها انعقد في موسكو، ولاقت نجاحا ملفتا ليس فقط بين العلماء الذين أشهر بعضهم إسلامهم بعد حضوره لهذه الندوة، إنما أيضا بين عامة الناس الذي أتاح لهم بث الندوة عبر شاشة التلفزيون الروسي التعرف على جوانب من هذا التفسير. وقد برزت أسماء لامعة في هذا الميدان يأتي في مقدمتها الدكتور زغلول راغب النجار، والدكتور منصور حسب النبي، رحمه الله، والدكتور كارم غنيم، والدكتور أحمد فؤاد باشا. والملفت للنظر أن غالبية المعنيين بهذا الأمر من المتخصصين في العلوم الكونية مثل الجيولوجيا، الفيزياء، الكيمياء. الدكتور كارم غنم الأستاذ بكلية العلوم بجامعة الأزهر، والسكرتير العام لجمعية الأعجاز العلمي للقرآن السنة بالقاهرة يفسر لنا اهتمام علماء المتخصصين في العلوم الكونية بالتفسير العلمي للقرآن الكريم، قائلا ان الرسالة الإسلامية هي الرسالة السماوية العالمية الخالدة الممتدة عبر الزمان والمكان، لذا أراد الله سبحانه أن تكون معجزتها الكبرى مناسبة لعالميتها ولخلودها، فكان القرآن ولا يزال - هو المعجزة العقلية الذهنية التي تتجدد بوجود الأعجاز والتحدي فيها يوماً بعد يوم. وعلى امتداد المسيرة الإسلامية، هيأ الله للقرآن من شرحوا آياته، وبينوا للناس بلاغته ودلالته، ووضحوا فصاحته، ولايزال علماء المسلمين يذودون عن حمى القرآن، ويدافعون عن قدسيته، بإبراز سبقه في ميادين العلوم كلها، وبيان إشارته لكل اختراع ومستحدث، من أجل عرض رسالة القرآن على غير المسلمين عرضاً يليق بمقامه السامي، ويتناسب مع لغة أهل العصر وهي لغة العلوم والتقنية. والاهتمام بالتفسير العلمي للقرآن ينطلق من التطابق والانسجام بين الحقيقة القرآنية، والحقيقة الكونية، لأن خالق الطبيعة هو مقرر الشريعة، ومكون الأكوان هو الموحي بالقرآن. والقول بأن آيات القرآن الكريم تحوي أسرار خلودها، وتضم معالم جدتها، يعني في جانب منه أن هذه الآيات تحوي من الأسرار ما ينكشف يوما بعد يوم، كلما تقدم العلم وارتقى العقل، وامتلك الإنسان وسائل البحث والدراسة.. ولا يستطيع أن يكشف عن بعض ما في هذه الآيات من أسرار إلا العلماء المخلصين - على اختلاف تخصصاتهم - الذين يتجردون لأداء هذه المهمة الجليلة. من هذا المنطلق، يرى أصحاب هذا التفسير أنه من الواجب على علماء الأمة الإسلامية دراسة الإشارات العلمية الواردة في القرآن الكريم، يدعون إلى دراسة وتفسير نحو ألف آية قرآنية تتضمن إشارات علمية. وهناك سبب أخر يجمع عليه المهتمون بهذا النوع من التفسير، وهو أن التفسير العلمي يأتي استجابة لقول الله تعالى «سنريهم آياتنا في الافاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق، أو لم يكف بربك أنه على كل شيء شهيد» (فصلت: 53) وقوله تعالى: «وقل الحمد لله سيريكم آياته فتعرفونها» (النمل: 93)، وقوله تعالى: «إن هو إلا ذكر للعالمين، ولتعلمن نبأه بعد حين» (ص: 87 ـ 88). ولكن لا نستطيع أن نعد الذين يكتبون في المنحى من المفسرين، ومن الصعب أن نعتبر عملهم هذا من قبيل التفسير بالمعنى المتعارف عيه، لأن أهل العلوم الكونية وأصحاب التخصصات التجريبية لا تتوافر لدى كل منهم كافة الشروط التي وضعها علماء التفسير، وإنما يطلق على أعمالهم «تفسيراً» تجاوزاً، وهؤلاء يتناولون الآيات الكونية بالفهم والتفهم، والشرح والتفصيل، ويقومون ببيان ما أشارت إليه الآية أو ما سبقت إليه جوانب علمية. وهناك شبه إجماع بين المشتغلين بقضية التفسير العلمي للقرآن على ضرورة توفر ضوابط تحكم المعالجة العلمية للآيات القرآنية الكونية - والذي نطلق عليه تجاوز التفسير العلمي للقرآن - يحددها الدكتور كارم غنيم في نقاط، من أبرزها: الرجوع إلى المأثور عن الرسول في التفسير لقوله صلى الله عليه وسلم: «لا ألفين أحدكم متكئاً على أريكته يأتيه الأمر من أمري، مما أمرت به أو نهيت عنه، فيقول: لا ندري، ما وجدنا في كتاب الله اتبعناه» وقال: «من قال في القرآن بغير علم فليتبوأ مقعده من النار»، والاستعانة بالتفاسير المعتمدة: وهي التفاسير الخالية من الإسرائيليات أو التي تكاد تخلو منها، والعلوم مساعدة: وهي علوم كالنحو والصرف والبديع والبلاغة، وعلوم اللغة والقرآن المتنوعة، إلى جانب التخصص العلمي للعالم أو القائم بمعالجة الآية القرآنية. ومراعاة تعدد معاني اللفظ الواحد: وهذا من سمات اللغة العربية، فاللفظ الواحد قد يكون متعدد المعنى، يفهم الأقدمون منه معنى، ونفهم نحن منه معنى آخر. ومن هذه الضوابط أيضا: ضرورة التثبت من حقائق الكشوف العلمية: فالحقائق الكونية لا يمكن أن تتعارض مع الحقائق القرآنية، لأن خالق الأولى هو منزل الثانية ومن ثم فإن الحقائق العلمية كتمدد المعادن بالحرارة وانكماشها بالبرودة، وتبخر الماء عند درجة 100 مئوية، حقائق مجزوم بها من خلال أدلة علمية موثقة، وعلينا أن نستعين بالحقائق القرآنية في الحكم على صحة أو بطلان النظريات العلمية، وليس العكس. وأخيرا فإن على الباحثين ألا يعقدوا سباقاً بين آيات القرآن وعلوم البشر وكشوفهم العلمية، ذلك ما ألمح به القرآن إنما هي أمور كلية خالدة خلودا أبدياً، وأما علوم البشر فهي لا تعدو أن تكون لمحات يسيرة من علم الله الشامل الكامل، فالسبق العلمي وحده غير كاف للاستدلال على إعجاز القرآن. د. محمد يونس