عرفت سمرقند، بعد أن أصبحت حاضرة للدولة التيمورية، مجموعة من المنشأات الجنائزية التي حرص حكام هذه الدولة على تشييدها داخل المدينة وعلى تخومها، وخلال هذه الفترة شيدت أكبر مجموعة من قباب الأضرحة فيما صار يعرف باسم جبانة شاهي زندة. وأصل التسمية فارسي حيث تعني كلمة (شاهي) الملك أما (زندة) فمعناها الحي، والمعنى الحرفي للتسمية هو (الملك الحي) والمقصود بهذه التسمية هو (قثم) القاسم بن العباس عم الرسول صلى الله عليه وسلم الذي استشهد في عام 57هـ (676م) اثناء إحدى الغزوات المبكرة التي شنها المسلمون الأوائل لفتح بلاد ما وراء النهر. ومنذ انتشار الإسلام في هذه المنطقة وثمة روايات يتناقلها سكان سمرقند جيلا وراء جيل مفادها أن قثم (القاسم) عندما سقط شهيدا في حومة الوغى أخذ رأسه المقطوع بين يديه ونزل بها إلى بئر عميقة تؤدي إلى حديقة تحت الأرض حيث لا يزال هناك حيا إلى اليوم وهم يؤكدون صدق هذه الرواية بالإشارة إلى الآية الكريمة المحفورة على شاهد قبر (القثم) وهي قول الله تعالى (ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون). ولما كان لهذا المكان قداسته الخاصة فقد حرص بعض الأمراء على أن يوارى جثمانهم الذي في هذه البقعة المباركة ومن بين هؤلاء حكام الدولة التيمورية الذين اتخذوا من مدافن (شاهي زندة) مدفنا لبعض أمراء وأميرات الأسرة التيمورية. وقد ظهرت جبانة شاهي زندة إلى الوجود كمجموعة جنائزية في القرن الخامس الهجري (11م) على أرجح تقدير واستمر الإهتمام بها حتى القرن الثالث عشر الهجري (19م) حتى صارت تحتوي على عدد كبير من المدافن والقباب بل والمساجد والمدارس ومن أشهرها مدرسة (تمجاشي بوجراخان) التي عدت أكبر مدرسة دينية في سمرقند خلال العصور الوسطى بأسرها. بيد أن معظم هذه المنشآت المختلفة الأغراض والطرز المعمارية قد إندثرت ولاسيما في ظروف استيلاء روسيا القيصرية على (التركستان) وما ساد العهد السوفييتي من نزعات معادية للأديان وميراثها المعماري حتى لم يبق منها سوى عشرين مبنى. وأغلب منشآت شاهي زندة تعود إلى العصر التيموري أي فيما بين القرنين الثامن والتاسع الهجريين 14 ـ 15م، وهي محاطة بسور ولها مدخل شاهق الإرتفاع قام بتشييده أولوغ بيك التيموري سنة 893هـ 1435م. حوى شاهي زندة قبورا للقاسم بن العباس وقاضي زاده الرومي عالم الفلك الشهير وأستاذ الوج بيك الذي كان مغرما بالفلك حتى أنه شيد مرصدا خاصا في سمرقند فضلا عن بعض أمراء وأميرات من البيت التيموري مثل شقيقتيا تيمورلنك نفسه (شيرين بيكه اقا) و(تركان أقا) وابنة أخ لتيمور لنك هي الأميرة (شادي ملك) ومن زوجاته (طوغلوتكين) و(نزمان أقا) و(تومان اقا). وبعد البوابة الرئيسية لمجموعة شاهي زندة نجد سلما حجريا مؤلف من 36 درجة تنتهي إلى ممر ضيق طويل في نهايته يقع ضريح القاسم بن العباس أول شاهي زندة حسب الأسطورة الذائعة الصيت هناك. ويتقدم ضريح القاسم مجموعة من الغرف مزينة بزخارف جصية وهي مغطاة بأسقف خشبية ترتكز على أعمدة من الخشب أيضا، وعلى جانبي الممر الضيق يوجد ستة عشر ضريحا تمثل النماذج الكاملة لعمارة الأضرحة في العصر التيموري، وهذا الأضرحة من طرازين مختلفين، أولهما مربع الشكل وله واجهة رئيسية بها كتلة المدخل مثل ضريح تومان أقا (808ه1405/م) وضريح ضيرين بيكة آقا (787هـ 1385/م) وضريح أميرزاده (788ه1386/م). أما الطراز الثاني فهو متعدد الأضلاع وله مدخل كبير مثل ضريح (شادي ملك آقا773 هـ ـ 1372م) الذي يعتبر أقدم الأضرحة التيمورية في مجموعة شاهي زندة. وفي هذين الطرازين تميزت قباب الأضرحة بالتنوع الزخرفي الكبير فبعضها له تكسيات خارجية من بلاطات الخزف المنقوشة بالزخارف الملونة والفسيفساء والخزفية الملونة والبعض الآخر يزدان بزخارف حجرية نفذت بالحفر البارز، وبصفة عامة تبدو في هذه الزخارف سواء النباتية أو الهندسية أو الكتابية دقة التنفيذ وروعة التصميم وانسجام وتوافق الألوان، وهو ما يعد دليلا على رقي الفنون في العصر التيموري. وفي بعض الأضرحة لم يقتصر الأمر على زخرفة القباب وإنما امتدت الزخارف لتشمل إلى جانب خوذات القباب ورقابها واجهات الأضرحة وكذلك كتل المداخل والمدخل الرئيسي للمجموعة بأسرها، إذ كسيت جميعا ببلاطات القاشاني والفسيفساء الزجاجية المزخرفة بألوان زاهية نفذت بدقة تامة وإن كانت تغلب عليها درجات اللون الأزرق من الفيروزي إلى الأزرق الداكن إلى جانب لمسات من الأحمر والابيض والأسود والذهب ونظرا لأهمية أصحاب القباب في هذه الجبانة فقد كانت العناية شديدة بزخارفها الخزفية حتى لتعد (شاهي زندة) بمثابة متحف مفتوح لفنون الخزف خلال عصر التيموريين. وكما أشرنا سلفا فإن ضريح شادي ملك آقا يعتبر الأقدم بين مجموعة شاهي زندة بل هو في حقيقة الأمر أقدم عمل معماري قام بتشييده الغازي الكبير تيمور لنك في سمرقند بأسرها، إذ جرى تشييده في عام 772ه(1370م) وقد دفنت في هذا الضريح (ترقان آقاة) ولحقت بها (شادي ملك) في العام التالي وباسمها عرف، وقد شاء مهندسا هذا البناء أن يسجلا اسميهما عليه إعتزازا بعملهما العبقري المتقن وهما (شمس الدين فخر الدين) من سمرقند و(زين الدين) من بخارى. ويتكون هذا الضريح من مثمن سفلي مبني بالطوب الأحمر المكسي ببلاطات من القاشاني المزجج باللونين الأزرق الفيروزي والأزرق الداكن، لإظهار التناقض بين الكتابات الكوفية وأرضيتها، وهي من الخط الكوفي المربع الذي يناسب استخدام التربيعات. وقد فتح بأحد أضلاع المثمن مدخل توجد به فتحة بعقد مدبب من النوع الفارسي، أما الأضلاع الأخرى فقد فتح بكل منها فتحة شباك مستطيلة توجب هي أيضا بعقد مدبب من نوع يختلف عن العقود السابقة فهو من النوع الذي يرسم من مركزين بينما يرسم العقد السابق من أربعة مراكز. ولهذه الشبابيك جلسات ترتفع عن أرضية الشارع بمسافة كبيرة، وقد زينت توشات عقود الشبابيك بالتبادل برخام خال من الزخرفة ثم بفسيفساء خزفية مزخرفة. ويعلو كل شباك منطقة مستطيلة ملبسة بالرخام غير المزخرف ويعلو المثمن رقبة مستديرة قصيرة تأتي فوقها قبة منخفضة مزينة ببلاطات القاشاني. ويلي هذا الضريح في القدم ضريح (شيرين بيكه أقا) الذي شيد في عام 787هـ 1385م وقد قام بتصميمه (أسطى على نصيفي) المعماري وهو يختلف في تصميمه عن ضريح شادي ملك آقا. فهو يتكون من مربع مبني بالطوب الأحمر، وبوسط كل من أضلاعه من أعلى فتحة شباك مستطيلة متوجة بعقد مدبب. وتنتهي جدران هذا المربع من أعلى بثمن شيدت فوقه رقبة القبة الأسطوانية والتي تمتاز بارتفاعها الكبير وبزخارفها المنفذة ببلاطات القاشاني التي احتوت زخارف كتابية تحوي كتابات بالخط الكوفي المربع. وبرقبة قبة هذا الضريح أربعة شبابيك مستطيلة يقع كل شباك منها فوق أحد شبابيك المربع السفلي للضريح. وأخيرا تأتي خوذة القبة التي ترتكز عند اتصالها بالرقبة على صف من المقرنصات وقد فقدت خوذة القبة بلاطات القاشاني التي كانت تغطيها بسبب الإهمال. د. أحمد السيد محمد