الدكتور حسن عباس زكي وزير الإقتصاد الأسبق ليس رجل اقتصاد وحسب فهو صوفي كبير ولديه إهتمام واسع بالدراسات الصوفية ورغم مشاغله الكثيرة في عالم المال والبنوك إلا أنه حرص منذ نعومة أظفاره على أن تكون له حياته الروحية الخاصة. وقد نجح الدكتور حسن في تحقيق التوازن بين المادة والروح فرغم إندماجه في عالم المال والمشروعات الاقتصادية إلا أن ذلك كله لم يطغ على حياته الروحية فلهذا وقته ومكانه ولذاك وقته ومكانه ولايزال الدكتور حسن يشارك في بعض حلقات الذكر التي تعقدها الطريقة الشاذلية بمسجدها بحي المهندسين بالقاهرة. في هذا الحوار مع الدكتور حسن نتعرف على أسباب إهتمامه بالتصوف ورؤيته للصوفية والتصوف في الوقت الحاضر. ـ كيف بدأت علاقتكم بالتصوف وكيف تطورت؟ ـ في التاسعة من عمري سافر والدي إلى العريش وكان يعمل في الجمارك وكنت مقيما في بورسعيد وبعد بضعة أيام أردت أن أرسل خطابا لوالدي ولم أكن أعرف كيف يكتب الخطاب فذهبت إلى إحدى المكتبات لأبحث عن كتب الرسائل التي تشتمل على طريقة كتابه الرسائل حسب المرسل إليه فأشار أمين المكتبة إلى أحد الأرفف فأخذت كتاب مجموعة الرسائل لابن سينا وبعض الكتب الأزهرية الأخرى فأخذت بعضها وبدأت أبحث ولم أجد طريقة كتابة الرسائل لكن استهوتني القراءة في هذه الرسائل التي تتضمن أشياء كثيرة لم أكن أفهمها فذهبت إلى خالي الشيخ محمود الصياد وكان نقيبا للاشراف ووكيل مشيخة الطرق الصوفية في بورسعيد وسألته عن هذه المصطلحات فاستغرب وقال لي هذه كتب يصعب عليك فهمها وأعطاني بعض الكتب الدينية لأقرأ فيها وأخذت أسأله عن الطرق الصوفية ومن أين أتت ويجيبني بأنها بمثابة مدارس للتربية ونشر الفكر والوعي الإسلامي وكان ذلك هو السبب في أن أسلك مجال التصوف فأخذت منه العهد على الطريقة الرفاعية ثم سافرت إلى الاسكندرية فأخذت العهد مع شيخ الطريقة الأحمدية وأخيرا أخذت العهد على الطريقة الشاذلية ومازالت على ذلك منذ حوالي أربعين سنة. الطرق منارات ـ من خلال هذه الخبرة الطويلة والممارسة العملية للتصوف الإسلامي. ما هي رؤيتكم الآن للتصوف؟ ـ الإنسان له رسالة في الحياة..والله - سبحانه وتعالى - يقول: «وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون» فنحن خلقنا للعبادة والله غير محتاج لعبادتنا وإنما نحن محتاجون إلى عبادته لأنه أحق بهذه العبادة والعبادة لمصلحتنا نحن. وعندما يسلك الإنسان الطريق الصحيح وهو الإسلام تتحقق له سعادة الدارين والبعض يتساءل ما التصوف؟ وما هذه الطرق؟ وهل كان التصوف موجودا أيام رسول الله - صلى الله عليه وسلم؟ في زمن الرسول لم يكن المسلمون في حاجة إلى التصوف لأن رسول الله كان معهم يحدثونه ويجلسون معه وهو الذي حولهم إلى أسوياء وأدخل الإيمان في قلوبهم.. وبالتالي لم يكن يطلق على هؤلاء تسمية الصوفية وإنما كانوا يسمون بالصحابة وهذا شرف كبير لهم فهل يتنازلون عن هذا الشرف. ويسمون أنفسهم بالصوفية؟ فهذا اللقب لا يعلو عليه شئ وعلى ذلك لم يكن مسمى الصوفية موجودا لكن الإسلام إنتشر بعد ذلك في العالم كله وإنتقل الرسول إلى الرفيق الأعلى وهو الشمس التي كانت تضئ الدنيا ووجد الصحابة وهم النجوم والإسلام واحد لكنه دخل بيئات متباينة لها عادات وحضارات مختلفة مثل فارس وبلاد الأندلس وبلاد الروم لذلك بدأ العلماء والفقهاء في تدوين أحاديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فمن لم ير النبي يتخيله من خلال ما كتب عن وصف شخصيته وأخلاقه حتى يقتدي به الناس كذلك كان الطفل يولد بليغا ولا يحتاج إلى دراسة البلاغة أما الآن فإننا نحتاج إلى ذلك ومن هنا فإننا في حاجة إلى التصوف وإذا كانت الفروض تنقسم إلى فرض عين وفرض كفاية فإن الإنسان يندهش حينما يسمع بعض العلماء والمفكرين يطالبون بأن يكون التصوف فرض عين في هذا العصر لأن هذا العلم يبصر الإنسان بأمور تقوم عليها الأمور الشرعية مثل الصلاة والحج والصوم والزكاة وغيرها من شعب الإيمان فالتصوف سلوك وبعد وفاة الرسول القدوة وبعد وفاة الصحابة الإجلاء، كان لابد لكل عالم أن يضع طريقة لهذا العلم بحيث يستطيع المسلمون تعلمه فالتصوف والسلوك الإنساني لن يلقن لابنائنا في المدارس وإنما يحتاج إلى شيوخ وعلماء يقتدى بهم ولذلك كتب بعض العلماء عن التصوف وأسسوا الطرق لأن التصوف عمل قلبي وهو يوضح الخير والشر ومداخل الشيطان إلى النفس وكيف ينقي الإنسان نفسه من الحقد والغل والحسد فمعرفة التصوف ضرورية حتى أفهم ديني وحقيقته وحتى أسلك الطريق الحق.. والصحابة رأوا حياة رسول الله وعبادته ومعاملاته وعمله وإهتمامه بأمور الدنيا والآخرة فالإنسان خليفة الله في الأرض ولابد للخليفة أن يبدع ويجعل أسماء الله كلها تتفاعل ولا يعطل بعضها فلابد أن يأخذ المسلم بجميع تعاليم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والتصوف هو علم القلب وهو يحتاج إلى علماء يبصرون الناس بحقيقته لذلك وجدت الطرق الصوفية وهي منارات تساعد الناس في هذا المجال ومن الوصايا الصوفية ليكن الحق في قلبك مشهودا والخلق على لسانك معقودا، وهذا يعني أن يكون الإنسان بجسده مع الناس أما قلبه فيكون مع الله وعلى الإنسان أن يأخذ بالأسباب فيسير في الأرض يتاجر ويبيع ويشتري لأن العمل من العبادة لكن ينبغي أن يكون قلبي خلال كل ذلك مع الله وإذا كان المال مال الله والإنسان مستخلف على هذا المال إذن فملكية الإنسان للمال عارضة وليست نهائية تزول بالأسباب إذا لم تستغل لصالح المجتمع فإن الله يستدل ملكية المال وينقله إلى آخر والإسلام لا يمنع الإنسان أن يعمل ويربح ملايين الجنيهات على أن يؤدي حقوق الله وحق المجتمع وحق أهله وأن يساعد في أعمال الخير ويأتي التصوف ويقول لهذا الشخص اجعل المال في جيبك ولا تجعله في قلبك.. لأن القلب يجب أن يكون مع الله ومثل هذا السلوك لن يتعلم في المدارس أو باللسان. أيضا الإسلام يدعو المسلم إلى الرضا بقضاء الله والذين لم يرضوا بما أنزل الله أحبط أعمالهم والقدر مما أنزله الله والإحسان بمعنى أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك هو أعلى مقاما في التصوف فواجب الإنسان في جميع حالاته وفي جميع أعماله أن يجعل الله في قلبه ويتقن عمله ويؤدي واجبه ويراقب الله وإذا كان البعض يقول إن الاقتصاد هو علم المصلحة أو المنفعة فإن الإسلام يركز على المصلحة العامة لجميع الناس. فالتصوف يدخل في العبادات والمعاملات ويجعل الإنسان يفهم حقيقة الإيمان بالمعنى الشامل. السلوك الصحيح ـ وماذا أفادكم التصوف في حياتكم العملية؟ ـ الاستفادة الكبرى هي أن يكون الإنسان حرا وسلوك الحياة بطريقة صحيحة لأن ديننا يقوم على القدوة وللأسف فإن القدوة غير موجودة وحتى لو وجدت فإن وسائل الاعلام ومشاكل الإنسان ومشاغل الحياة تصيب قلب الإنسان بالخواء كذلك وجدت مؤسسات وهيئات بالإضافة إلى المال كل ذلك أصبح الإنسان يعبده ليس بمعنى السجود وإنما بإمتلاك قلب الإنسان والله عز وجل لا تسعه الأرض ولا السماء وإنما يسعه قلب عبده المؤمن بمعنى الإنسان الذي يكون كل همه هو الله عز وجل. وفي التصوف علمونا أشياء أحب أن أذكر بها فقالوا لنا إن همك ما أهمك فليكن همك الله، لأنه إذا كانت الدنيا همك كنت عبدا لها وإذا كانت الآخرة همك كنت عبدا لها. أما إذا كان الله همك سخر لك الدنيا والآخرة ومعنى أن يكون همك الله أي أن تكون حرا لا تخشى إلا الله، ولا تحب ولا تكره إلا لله وأن تعلم أن الشافي هو الله وأن الضار والنافع والمعطي هو الله فكل شئ من الله وعلى الإنسان أن ينظر إلى كل ما هو من الله إليه وليس كل ما هو منه حتى لا يصيبه الغرور والتصوف الحقيقي السالك يكون جادا ونشيطا وذكيا ومتقنا لعمله والتصوف يجعل المسلم حرا في إطار سياج الشريعة فالصوفي هدفه الوصول إلى مقام الإحسان وشيخ الطريقة لا يطلب من المريد شيئا خارجا عن الإسلام وإنما يطلب منه الإلتزام بالواجبات وأداء النوافل والذكر الدائم لله وقيام الليل ومحاسبة النفس ودوام الاستغفار والتحلي بالأخلاق النبوية. تعريف الرسالة ـ المجتمع المسلم الآن يعاني مشكلات عديدة ماذا يستطيع أن يقدم التصوف لهذا المجتمع؟ ـ التصوف يفيد المجتمع من خلال تعريف المسلم حقيقة رسالته التي أوضحتها في السؤال السابق فمثلا خلال الموالد يمكن تشجيع الأغنياء على التصدق على الفقراء والمساكين ويمكن أن اختار في كل شهر صفة من صفات رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأشرحها للناس واعلمها لهم مثل الكرم أو السخاء أو الرضا وغير ذلك من الصفات النبوية وأن نعلم الناس أن يحبوا أخوانهم وأن يحافظوا على مصالحهم بمعنى أن يحب المسلم لأخيه ما يحب لنفسه وألا يكره مسلم مسلما من الممكن أن تكره صفاته لكن لا تكره ذاته لابد من نشر روح الرضا بين الناس بقضاء الله وقدره. بالتربية ـ كيف ننهض بالتصوف ونعود به إلى نقائه الأول وعصوره الزاهرة؟ ـ حتى ننهض بالتصوف نحن في حاجة إلى عدد كبير من العلماء من أجل تربية المريدين تربية إسلامية صحيحة لأنني أؤمن أن اصلاح هذا المجتمع لن يحدث ما لم نبدأ بالتربية الإسلامية في المدارس وأن تشارك في ذلك وسائل الاعلام من صحافة وإذاعة وتلفزيون وألا تركز على الألعاب الرياضية وتسهل غرس القيم والاخلاق الفاضلة وحث الناس على التمسك بالدين وإذا كانت هناك إذاعة للقرآن الكريم فلماذا لا توجد قناة تلفزيونية للقرآن تركز على سيرة الصحابة وتشرح الكتب الإسلامية وتعد دروسا للأطفال. ـ ما رأيكم في تدريس التصوف في المدارس والجامعات وهل يمكن أن يساهم ذلك في التوعية بالتصوف ومبادئه خاصة للذين لا يعرفون شيئا عنه ويهاجمونه ويتهمونه عن جهل؟ ـ لقد طالبت أكثر من مرة بأن يدرس كتاب إحياء علوم الدين في جميع الكليات الجامعية وهو كتاب مكون من أربعة أجزاء يمكن أن يتم تدريس جزء في كل عام وألا ينتقل الطالب إلى الفرقة التالية حتى ينجح في هذه المادة وفي المرحلة الثانوية اقترح تدريس مختصر منهاج القاصدين وهو مختصر أحياء علوم الدين. وفي ايامنا كنا ندرس سورا من القرآن حفظا وتفسيرا أما الآن فلا توجد أية مادة للتربية الدينية في الجامعات لذلك إنتشر الجهل فنجد كثيرا من الناس تجهل البديهيات ولابد من إعادة كتاتيب تحفيظ القرآن الكريم والنهوض بها مرة أخرى لأن حفظ القرآن يفيد المخ والذاكرة واللسان والعين ويخلق شعورا بالتوحد عند جميع أطفال المسلمين وهذا بدلا من إنتشار الأغاني الأجنبية والعربية الهابطة والتي لا معنى لها. القاهرة ـ ضياء الدين أحمد: