علّم الله المؤمنين ان يدعوه فيقولوا: «ربنا ولا تحمل علينا اصراً كما حملته على الذين من قبلنا» والاصر هو الحمل الثقيل وهو تصوير لما كان في شرائع السابقين من التكاليف الشاقة فمنها عند اليهود نظام الاعياد التي يعيّدونها لله في السنة وهي عيد الفطر وعيد الحصاد وعيد المظال وكذلك عيد كل سبت لا يعمل فيه، اي عمل ومن يعمل يوم السبت فجزاؤه القتل وكذلك سبت المزارع ففي كل سنة سبت للارض لايزرع فيها ولا تقطف الكروم بل تترك الارض عطلا وغلات الكروم مأكلا لفقراء شعبهم ووحوش البرية وغير ذلك من التكاليف الغريبة مثل تحريم طبخ الجدي بلبن امه ومثل اذا ما نطح ثور رجلاً فمات المنطوح يرجم الثور ولا يؤكل لحمه ومثلها كثير. ولم يكن هذا التشديد والعنت في اليهودية وحدها بل سادت هذه النزعة اكثر الديانات قبل الاسلام ان لم نقل كلها. يقول العلامة سليمان الندوي: «ما من دين خلا من العبادة لله لكن الاديان القديمة حسب اتباعها ان الدين يطالبهم بإيذاء اجسامهم وتعذيبها وان الغرض من العبادة ادخال الألم على الجوارح وان الجسم اذا زادت آلامه كان في ذلك طهارة للروح ونزاهة للنفس! وقد جاءت الشريعة الاسلامية برفع هذه الآصار وعرف الرسول صلى الله عليه وسلم في كتب الاولين بهذه الاوصاف المميزة: «يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث ويضع عنهم اصرهم والاغلال التي كانت عليهم وامتن الله برسوله على الناس فقال: «لقد جاءكم رسول من انفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رؤوف رحيم»، وقد قال صلوات الله وسلامه عليه: «بعثت بالحنيفية السمحة، فهي حنيفية العقيدة سمحة في التكاليف والاحكام وانما خصها الله بالسماحة والسهولة واليسر لانه ارادها رسالة الناس كافة والاقطار جميعا والازمان قاطبة ورسالة هذا شأنها من العموم والخلود لابد ان يجعل الله الحكيم في ثناياها من التيسير والتخفيف والرحمة ما يلائم اختلاف الاجيال وحاجات العصور وشتى البقاع وهذا واضح في شريعة الاسلام عامة وفي العبادات خاصة يقول الله تعالى في بيان رسالة المسلم في الحياة: «يا أيها الذين آمنوا اركعوا واسجدوا واعبدوا ربكم وافعلوا الخير لعلكم تفلحون وجاهدوا في الله حق جهاده هو اجتباكم وما جعل عليكم في الدين من حرج» ويقول في ختام آية الطهارة من سورة المائدة:«ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج ولكن ليطهركم ويتم نعمته عليكم لعلكم تشكرون» ويقول في ختام اية الصوم: «يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر» ويقول في اعقاب ما ذكره من المحرمات في النكاح واباحة ما وراء ذلك بشرطه «يريد الله ان يخفف عنكم وخلق الانسان ضعيفا» وبعث صلى الله عليه وسلم معاذا وأبا موسى الاشعري اميرين الى اليمن فكان من وصيته لهما: «يسرا ولا تعسرا وبشرا ولا تنفرا وتطاوعا ولا تختلفا». ومن اوصافه عليه الصلاة والسلام انه ما خير بين امرين قط إلا اختار ايسرهما ما لم يكن اثما. ومن اقواله صلى الله عليه وسلم: «ان الدين يسر ولن يشادد الدين احد إلا غلبه فسددوا وقاربوا وابشروا». واذا كانت وجهة الاسلام هي التيسير فكل مسلم يبغي التشديد والتعنت انما يعاند روح الاسلام ولهذا وقف الرسول الكريم في وجه المتعنتين والمتشددين واخبر بهلكتهم ووبالهم فقال:«ألا هلك المتنطعون ألا هلك المتنطعون ألا هلك المتنطعون» ولم يكن يكرر الكلمة ثلاثا إلا لعظم خطر مضمونها. وروي عن ابن عباس رضي الله عنه: «إياكم والغلو فإنما اهلك من كان قبلكم الغلو» وهو الغلو الذي نعاه القرآن على اهل الكتاب ونهاهم عنه: «قل يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم غير الحق ولا تتبعوا اهواء قوم قد ضلوا من قبل واضلوا كثيرا وضلوا عن سواء السبيل». ففي صيام رمضان رخص الاسلام للمسافر الافطار بل اوجبه عليه اذا كان في صومه مشقة ظاهرة عليه ففي الصحيح عن جابر: كان النبي صلى الله عليه وسلم في سفر فرأى رجلاً قد اجتمع الناس عليه وقد ظلل عليه فقال: ما له؟ قالوا: رجل صائم فقال صلى الله عليه وسلم «ليس البر ان تصوموا في السفر» وكذلك رخص للمريض بالنظر في رمضان:«ومن كان مريضا أو على سفر فعدة من أيام آخر يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر» ورخص رسول الله صلى الله عليه وسلم للمجاهدين بالفطر في الصيام، وكان اكثر الناس انشراحا لهذه الرخص وانتفاعا بها هم الصحابة الذين فقهوا عن الرسول صلى الله عليه وسلم ونهلوا من نبع النبوة