إنحرافات الشباب وإنجذابهم إلى تيارات شاذة قضية تشغل العلماء والمفكرين المسلمين وقد دفعت هذه القضية إلى الدعوة إلى تدريس الأخلاقيات والثقافة الإسلامية في الجامعات لتحصين الشباب وإعدادهم لمواجهة التحديات وقد بادرت جامعة المنوفية بإعداد منهج خاص للثقافة الإسلامية يتم تدريسه في مختلف الكليات التابعة للجامعة. ويؤكد الدكتور محمد رأفت سعيد رئيس قسم الدراسات الإسلامية بجامعة المنوفية في حواره مع «بيان الصائم» أن الأمة الإسلامية أمة وسط لا تقبل الإنحراف سواء إلى هذا الجانب أو إلى ذاك. وإن الإسلام لا يعرف التطرف ولا يعرف الغلو ولا يقبل التفريط. ويشير إلى أن الأمة مستهدفة في شبابها مشيرا إلى ضرورة أن تكون العطاءات على قدر التحديات وألا تكون معالجة المستحدثات بأساليب قديمة. ويرى أن مسئولية إنحراف الشباب تقع على جميع مؤسسات التنشئة الاجتماعية كالأسرة والمدرسة والجامعة والمسجد ووسائل الإعلام مشيرا إلى ضرورة أن تتعاون هذه المؤسسات لمعالجة الإنحراف بمنطق التكامل. ـ من الملاحظ خلال السنوات الأخيرة إنتشار الكثير من الإنحرافات بين الشباب لدرجة ظهور جماعات تتبنى الشذوذ وعبادة الشيطان وغير ذلك. ما تفسيركم لظهور مثل هذه الإنحرافات في المجتمعات المسلمة؟ ـ الشباب في هذه الأيام في حاجة إلى المعرفة والعطاء العلمي الذي يحصنهم من الإنحرافات والوقوع في الأفكار التي تتعارض مع دينهم من ناحية وتهدم بها شخصياتهم وتهدر بها طاقات هذه الأمة من ناحية آخرى ولعلاج ذلك يجب أن تكون البداية من توجيه الأسرة ثم ما يتلقاه الطالب في المدرسة وحتى الجامعه ليستمر معه العطاء العلمي لأن الأفكار المنحرفة متجددة ولأنها تأخذ صورا متعددة وينبغي أن يكون التجديد في هذا العطاء العلمي مستمرا ومواكبا لمثل هذه الإنحرافات التي لا تنتهي لأنها ترتبط أيضا بهذه الشبكة العالمية - الإنترنت - التي يستطيع الشباب من خلالها أن يشاهدوا في كل لحظة العديد من المخالفات. ـ على صعيد الجامعة ما الذي قامت به جامعة المنوفية على سبيل المثال لمواجهة إنحرافات الشباب؟ ـ الجامعة تفكر الآن بصورة جادة في وضع مقررات لمادة الثقافة الإسلامية. فجامعة المنوفية أقرت تدريس مادة الثقافة الإسلامية. تطوير اللوائح ـ هل كان ذلك بمبادرة ذاتية من جامعة المنوفية أم خطة يتم تطبيقها على مستوى كل الجامعات المصرية؟ ـ كل جامعة لها الصلاحية في إتخاذ مثل هذا القرار ولها أن تقترح تطوير لوائحها بما يحقق هذه الغاية لأن الشباب هم أغلى ما نملكه والمجلس الأعلى للجامعات لا يمانع في ذلك لأن الجامعة من خلال الكليات والأقسام العلمية تتقدم باللوائح التي تريدها ومن بين هذه الجوانب ما يتصل بهذه المادة التي ستدرس في الفصل الدراسي المقبل هذا بالإضافة إلى أن الجامعة تعقد لقاءات وندوات ومؤتمرات بإستمرار لتوجيه الشباب وتعريفهم بالحقائق الدينية وتحصينهم من الوقوع في الإنحرافات. ـ هل ستكون مادة الثقافة الإسلامية مادة نجاح ورسوب أم ستكون مجرد مادة ثقافية يتلقى الطالب فيها محاضرات دون التزام بالإمتحان فيها آخر العام؟ ـ الثقافة الإسلامية سوف تكون مادة نجاح ورسوب بالطبع بل ستكون مادة تدرس أيضا لطلاب التعليم المفتوح وجميع الدارسين في الجامعة وكذلك الذين يرغبون في الاستفادة من هذه المادة من خارج الجامعة فهناك شعبة الدراسات العربية والإسلامية هذا بالإضافة إلى الندوات التي تناقش مختلف القضايا التي تتعلق بالشباب والتيارات المنحرفة سواء على مستوى الفكر أو الواقع العلمي ويتم توعية الشباب بمخاطر هذه التيارات وتلك الأفكار. أمة وسط ـ في الماضي كنا نشكو من ظاهرة التشدد والغلو في الدين اما الآن فنشكو من ابتعاد الشباب عن الدين وتخليه عن التعاليم الإسلامية. كيف نجعل الشباب يتمسك بدينه وفي نفس الوقت يبتعد عن الغلو والتطرف؟ ـ نحن أمة وسط لا يقبل فيها الإنحراف سواء إلى هذا الجانب أو إلى ذاك، وسطية الأمة تمنع من الوقوع في الغلو وتمنع أيضا من التفريط ، فالإسلام هو الذي يحقق التوازن لدى الإنسان مادة وروحا وفكرا حتى في بناء الشخصية ، فلو نظرنا إلى الكيان البشري نرى أن العطاء لجانب البدن وهو يمثل الجانب المادي بغرائزه ونموه وسائر ما يتصل به فيه توازن واضع فعندما نقرأ قول الله تعالي: «كلوا واشربوا» الأكل والشرب أمر طبيعي ولا يحتاج إلى أمر لكن المقصود هنا أن مع هذا الطعام والشراب الذي ينمو به البدن يراعى الجانب الآخر في التوازن وهو عدم الإسراف: «ولا تسرفوا» ويراعى أيضا المحافظة على الروح «كلوا مما في الأرض حلالا طيبا» لأن أكل الشئ غير الحلال يكون بطريق محرم وهذا في العادة تتبعه تجاوزات نظام القلب وتفسده ، فالإسلام وهو ينمي البدن يهتم بالروح وبالجانب العقلي فالرسول - صلى الله عليه وسلم - يقول: حرم الله كل مسكر ومفتر فإذا أكل الإنسان أو شرب فلا ينبغي أن يذهب ذلك عقله تماما بالسكر أو يقلل من طاقاته بالتخدير أو التقتير ، فالإسلام ينهي ويوازن حتى في الجانب الروحي فالمسلم يأخذ لأشواق الروح والقلب ما يشاء لكن ليس على حساب البدن فإن لبدنك عليك حقا وفي جانب العقل الإسلام يقول للمسلم إنطلق وفكر وجدد وإبتكر ولكن أيضا ليس على حساب البدن أو القلب فالفكر هنا يأخذ ظاهر الحياة الدنيا والأشياء المرئية أو المشاهدة أما الجانب الغيبي فلا ينبغي أن نرهق العقل بالتفكير فيه إلا ما يكون من حسن الفهم لأن مجال الغيب مجال الأخبار الصادقة ، فالأخبار الصادقة تتثبت من صحتها وحسن فهمنا لها أما أن نقول بعقلنا في شئ مغيب فهذا قول بالظن والوهم وهو ما أخذ على المشركين: «أن يتبعون إلا الظن وما تهوى الأنفس ولقد جاءهم من ربهم الهدى» فالإسلام وهو يأمر العقل بالتذكر والتدبر والتفكر يراعي أيضا الجوانب الأخرى بحيث يكون النمو في نهاية الأمر يحمل الإنسان قلبا تقيا وعقلا ذكيا وبدنا قويا في توازن لا يعرف تطرفا لا إلى الغلو ولا إلى التفريط ، فإذا وجدنا ميلا فهو خلل في العطاء والتحصيل وهذا ما يجعل بعض الشباب يقع في عبادة الشيطان أو التجاوزات فيما يتعلق بالإسباب الحياتية التي لا تليق بشباب أمة تواجه من أعدائها بمثل هذه الموجات الشرسة. أمة مستهدفة ـ لكن هل هذه الموجات الإنحلالية خاصة بالأمة الإسلامية أم موجهة لسائر الأمم؟ ـ الأمة مستهدفة في أخصب فترة في عمرها وهي فترة الشباب ولذلك ينبغي أن تكون العطاءات على قدر هذه التحديات ولابد أن تقدم هذه الجوانب التجريدية للفكر الذي يتواكب مع المستحدثات التي تفيد من ناحية والتي تمثل خطورة من ناحية أخرى وحتى لا تكون المعالجة بأساليب قديمة مع قضايا مستحدثة. ـ الإسلام دين التوازن والاعتدال فهل الإنحراف يكون ناتجا عن عوامل شخصية أم عن عوامل موجودة في المجتمع؟ ـ ما ينبغي أن نعرفه الآن أن أية قضية من القضايا مع هذا الإنفتاح الذي جعل العالم كالقرية الصغيرة بل كالغرفة الصغيرة التي يرى كل شئ فيها ومع هذا لا نستطيع أن نحمل جهة واحدة أو مؤسسة واحدة عبء المسئولية فإذا قلنا الشباب فإن الشاب بدأ بالأسرة ومرورا بالمدرسة والجامعة والمسجد والنادي والاعلام وكل ما يمر به الإنسان يسمعه أو يراه ويكون شخصيته فهو مسئول ، لذلك عندما نجد التنبيه الذاتي للإنسان ممثلا في السمع والبصر والفؤاد. كل أولئك عنه مسئول «ان السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسئولا» كل ما يرتبط بالكلمة أو الصورة أو التأثير الوجداني وهذه المؤسسات كلها مسئولة. فالعلاج ينبغي أن يكون شاملا ولا نلقي باللائمة على جهة ونترك أخرى. وهذا ما ندعو إليه وذلك مثل الحملة القومية لمكافحة الإدمان، لأن الإدمان قد يكون بسبب الصحبة السيئة أو بسبب تقصير الأسرة أو المدرسة والجامعة وسائر المؤسسات فكل المؤسسات يجب أن تقف وقفه واحدة وأن تكون المواجهة واحدة حتى نستطيع أن نعالج أمورنا كلها بمنطق التكاملية وليس بمنطق العزلة أي أن كل مؤسسة تعمل في واد وكما يقال ومتى يبلغ البنيان تمامه إذا كنت تبنيه وغيرك يهدم فمؤسسة تواجه المشكلة وأخرى تتنصل منها فعندئذ لن يتم البناء لأن البناء يتطلب التكامل. ـ بالنسبة للعوامل الخارجية البعض يرى أن جهات أجنبية والغزو الثقافي وراء وجود التيارات المنحرفة في بلادنا. فما مدى صحة ذلك؟ ـ الغزو الثقافي نتيجة لأن الإنسان مستهدف والاعداء يفهموننا جيدا ويدرسون واقعنا ويعرفون عاداتنا وتقاليدنا وتكوين الشخصية المسلمة وما يؤثر فيها سلبا وإيجابا وهم نجحوا في التعامل معنا في هذا الصدد فإذا غزينا من غيرنا وعندنا البناء الذاتي نستطيع أن نقول هذه حكمة نأخذها وهذا ضرر لا نقبله. القاهرة ـ ضياء الدين أحمد: