يعتبر علي بن محمد العباس التوحيدي، والمعروف «بأبي حيان التوحيدي» علما من اعلام الأدب العربي، والكتابة الفنية في القرن الرابع الهجري، فقد كانت حياة هذا الاديب مليئة بالحيوية الذهنية، حافلة بالفعالية التأليفية، بقدر ما كانت مفعمة بالمتاعب والمنغصات والمعوقات المادية والمعنوية. فقد الف كثيرا، وقرأ كثيرا فحفظ احسن ماقرأ، ودون اروع ما سمع وشاهد، كما انه شارك في قضايا عصره الفكرية والاجتماعية والعقائدية، فوقف منها مواقف تتناسب وذهنيته ونزعاته الفكرية والعاطفية والمزاجية، فترك لنا بذلك تراثا ضخما متنوعا، فيه آثار ادبية وفلسفية وصوفية. ولد «ابو حيان التوحيدي» سنة 313 هجرية من اسرة فقيرة متواضعة ولولا بعض الاخبار والاعترافات الذاتية التي وردت في كتبه، او كتب معاصريه، لما امكن تعيين المراحل الكبرى في حياته الطويلة، التي امتدت طوال القرن الرابع الهجري، ورافقت دولة «بني بويه» فقد توفي ابو حيان عام 414 هجرية، وقد عاش حياته كلها فقيرا حليف الشقاء والحرمان والكآبة، وفريسة الخوف والظلم، ولكنه قدم لنا عبر كتبه، وعيا ثقافيا اغنى التراث العربي حتى اليوم. يعد كتاب «المقابسات» من اهم الكتب التي الفها «التوحيدي» واكثرها تميزا فهو اقرب الى ان يكون كتابا فلسفيا متخصصا يؤرخ فترة خصبة من تاريخ الفلسفة العربية الاسلامية في القرن الرابع الهجري. اطلق «التوحيدي» على كتابه عنوان «المقابسات» وهي تسمية غريبة، لا تخلو من طرافة، وتحتاج الى تفسير فالكلمة مشتقة من فعل «قبس» ومنها قبس من نار، وفي المجاز «قبس منه علما، اي استفاد، ومعنى المقابسات ان يشترك اثنان او اكثر في محاورة علمية او فلسفية فيقبس احدهما العلم والمعرفة من الآخر، ويعطيه ما عنده منها والظاهر ان «التوحيدي» تجاوز هذا التعريف، فلم يعد محتوى الكتاب مقابسات تجري بين طرفين، بل محاورات وآراء واختيارات ومقالات ومحاضرات وآمال وضبوط جلسات، ضمت الى بعضها دون ترتيب او تعريب، فشكلت مادة الكتاب. وقد الف التوحيدي كتابه، في الدور الاخير من حياته، اي بعد مفارقته الوزير «ابن الفارض» الذي سامر «التوحيدي» في موضوعات ادبية وفلسفية وعلمية ولغوية، احتواها كتاب «الامتاع والمؤانسة». وقد ظل «التوحيدي» يجمع مادة «المقابسات» طوال ثلاثين سنة، اي في الفترة الزمنية الممتدة من عام 360 هجرية الى 390 هجرية وهي فترة تميزت بالنضج العقلي والحكمة المكتسبة والتجربة الحياتية المستكملة. يقدم لنا «التوحيدي» في كتابه هذا تلك المجادلات الفلسفية التي نسمعها بنفسه، وتلك الجلسات التي كان يعقدها جماعة من العلماء الاعلام الذين ورد ذكرهم في «المقابسات» وكل واحد منهم، علم من اعلام ذلك العصر في العلم الذي يتكلم فيه، ويبدو ان تلك المجالس كانت تسودها الفوضى احيانا، لتعدد مناحي القول، وانعدام التسلسل المنطقي في المناقشات وعدم التزام موضوع واحد يشترك الجميع في تداوله وغلبة البيان والتلاعب بالالفاظ، على الدقة في التعبير الفلسفي والافصاح عن الفكرة الاساسية ولا شك ان الاعتداد بالرأي وحب التميز والتباهي، شوهت الموضوعات المطروحة، واحدثت خللا وفجوات في النصوص، التي جهد التوحيدي في التقاطها وتدوينها. ومن الغريب ان الجميع كانوا مؤمنين برأي «افلاطون» القائل: «ان الحق شيء نسبي» ولذا اعتصم كل واحد من الجماعة برأيه، واعتقد انه الصواب، وقد قال البعض: ان فضل «التوحيدي» لا ينحصر في نقل الافكار والمساجلات التي كانت تدور في الاوساط العلمية، بل يمتد الى عملية تنقيح الآراء وغربلتها واعادة صياغتها، والتعبير عنها باسلوب ادبي ناصع. يروي لنا التوحيدي احاديث سمعها بنفسه، ودون ما دار حولها من تعليقات واغلب هذه الاحاديث جرت في مجالس استاذه ابي سليمان السجستاني فهو اما ان يكون سائلا او مسئولا وقد كثرت في الكتاب عبارات سمعت ابا سليمان، وقال ابو سليمان، كما ادرج ابو حيان الامالي التي كان يمليها ابو سليمان على الحاضرين، كما اعتمد في عملية التأليف على النقول والاقتباسات من مؤلفات الفلاسفة القدماء ارسطو بطليموس جالينوس، كما ينقل من كتب عربية، لنعرف كيف كان ذلك العصر ومفكروه. إعداد ـ محمد سطام الفهد